في أكتوبر الماضي، علقت الحكومة الأمريكية تمويل نوع من البحوث العلمية حول إنفلونزا الطيور المعروفة باسم دراسات “كسب الوظيفة”. ينطوي هذا النوع من البحوث على خلق أشكال معدية أكثر لمرض إنفلونزا الطيور الحاد في المختبر لمعرفة ما هي التغيرات الجينية المطلوب إدخالها على سلالة الإنفلونزا المسببة للوباء. ويتزامن منع التمويل عن مثل هذه الدراسات مع “النقاش الدائر” على المستوى الرسمي، بما في ذلك نقاش حول تقييم المخاطر والمنافع. إن هذه هي المرة الأولى، على حد علمنا، التي توقف فيها واشنطن برنامجًا مستمرًا من أجل مناقشة الفائدة من الانخراط في مثل هذه البحوث.

والسؤال الرئيسي هو ما إذا كانت المعرفة العلمية المقدمة من خلال جعل سلالات الإنفلونزا أكثر عدوى يفوق خطرها خطر وقوع حادث في المختبر، أو إساءة الاستخدام المتعمدة التي يمكن أن تؤدي إلى تفشي هذه الفيروسات المحسنة. إن تقييم المخاطر والمنافع ليس سهلاً، حيث إن العلماء وخبراء الصحة العامة منقسمون بشكل حاد حول هذا الأمر. في هذه الحالة، كانت حجتنا هي أن الفوائد المتوقعة محدودة وأن المخاطر لا يمكن تبريرها، وذلك عندما تكون هناك طرق بديلة أكثر أمانًا لتحضير الأوبئة. لكن الآخرين لا يوافقون على ذلك بشدة.

إلا أن مثل هذه الأسئلة سوف تنشأ مرارًا وتكرارًا بفضل التقدم التكنولوجي في مجال الهندسة الوراثية. لذا، فإن استجابة الحكومة لمثل هذه التجارب تعد أكثر أهمية. يمثل الجدل بشأن الإنفلونزا فرصة للحكومة والمجتمع العلمي لإنشاء سابقة فعالة حول مشكلة ستصبح أكثر إثارة للجدل وتعقيدًا.

 

مخاطر وفوائد

تتوسع قدرة العلماء على التلاعب في جينومات الكائنات الحية بمعدل مثير للإعجاب. حدث تطور هام أخير هو تقنية كريسبر/كاس 9، وهو نظام لتعديل الجينات في أي كائن حي يتميز بأنه قليل الثمن وفعال وسهل الاستخدام. وهو يوفر إمكانية علاج الأمراض الوراثية البشرية، بجعل البعوض مقاومًا لنقل الملاريا، وتطوير المحاصيل المقاومة للأوبئة، وغيرها من الاستخدامات.

إن الفوائد المحتملة هائلة، والحال نفسه بالنسبة للمخاطر المحتملة. في علم الوراثة البشرية، تعتبر بعض أعظم المخاوف أخلاقية، وهي تنشأ من إمكانية تعديل الجينات البشرية بطريقة سيجري تمريرها إلى الأجيال المقبلة. وتثير الطرق الجديدة المستخدمة في إعادة ترتيب الجينات الخاصة بالثدييات باستخدام هذه التكنولوجيا، وتعبئتها في الفيروس، مخاوف أخرى. يجري تعديل عامل قابل للنقل في الجهاز التنفسي لإنتاج سرطان الرئة، الذي صمم ليكون بمنزلة وسيلة لتقييم العلاجات الجديدة، بما قد يجعله سلاحًا في الأيدي الخاطئة. ويمكن لتطبيق آخر يسمح بالنشر المتعمد لمادة وراثية بعينها في الكائنات النباتية والحيوانية، نظام كريسبر القائم على “محفزات الجينات،” أن يؤدي إلى انتشار عرضي للصفات غير المرغوب فيها، أو يمكن أن يساء استخدامه من قبل الجهات الحاقدة لإلحاق الضرر بالمحاصيل والثروة الحيوانية.

يزيد تحفيز الجينات وتطوير الميكروبات الأكثر خبثًا والأكثر نقلاً للعدوى من المخاطر التي تواجه السلامة الأحيائية. لم يعد وقوع المخاطر مقتصرًا على العلماء أنفسهم أو من هم على صلة وثيقة بهم. بدلاً من ذلك، قد يؤدي إطلاق خاطئ للمرض إلى تعزيز الانتقال المستمر بما يؤثر على البشرية كلها.

ونظرًا لهذه المخاطر، تعتبر سلامة المختبرات أمرًا بالغ الأهمية. ولكن الحوادث تقع، حتى في أكبر المختبرات. وكان أحد أسباب قرار الحكومة بتعليق البحوث الخاصة بالإنفلونزا هو سلسلة من الحوادث المؤسفة التي وقعت في المختبرات الاتحادية في الصيف الماضي. فقد جرى اكتشاف قارورة منسية غير مستخدمة من الجدري والميكروبات الخطرة الأخرى في غرفة التخزين في المعاهد الوطنية للصحة. وربما يكون العشرات من العاملين في مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) قد تعرضوا لمرض الجمرة الخبيثة بعد عدم تدمير العينات بشكل صحيح. وأرسلت نسخة من إنفلونزا الطيور شديد الضراوة من مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها إلى مختبر آخر عن طريق الخطأ. وعلى الرغم من الدعاية المحيطة بهذه الحوادث، استمر وقوع الحوادث المؤسفة في مختبرات عالية الحماية، بما في ذلك انتشار الإيبولا في مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، وحمى الأرانب في جامعة تولين، وآخرها، نقل شحنة من الجمرة الخبيثة الحية عن طريق الخطأ من قبل مختبر خاص بالجيش الأمريكي إلى مئات المعامل الأخرى في جميع أنحاء العالم.

لحسن الحظ، لم تؤد أي من هذه الحوادث إلى إصابات بشرية. لكنها تسلط الضوء على إمكانية وقوع حوادث حتى في المختبرات الأكثر أمانًا ليس فقط في الولايات المتحدة. فقد وقعت في المملكة المتحدة أكثر من 100 من الحوادث في السنوات الأخيرة في مختبرات عالية الحماية. وعادة ما يجري التكتم على تفاصيل تلك الحوادث، وهذا له ما يبرره عادة عن طريق ادعاء مشكوك في مصداقيته يفترض أن نشر أقل التفاصيل من شأنه أن يشكل خطرًا أمنيًّا. وقد لاحظ المعهد الوطني الهولندي للصحة العامة والبيئة أن الحوادث التي يُكشف عنها أقل مما يقع في جميع أنحاء العالم. ونظرًا لسجل السلامة هذا، كانت الحكومة الأمريكية حكيمة في قرارها بوقف التمويل عن تلك البحوث والإعلان عن بدء النقاش حولها.

 

حدث غير مسبوق

ما الذي يجب على العلماء فعله إذن؟ ثلاثة من ملامح النقاش الدائر حاليًا تدشن نقطة انطلاق سهلة نسبيًّا لإنشاء سابقة فعالة.

أولاً، يتعلق النقاش حول التجارب التي تهدف إلى تعزيز انتقال الإنفلونزا في الثدييات بعامل مسبب للمرض معروف إلى جانب الأنفلونزا، مع خصائص بيولوجية معترف بها. وقد سعت التجارب إلى زيادة واحدة فقط من تلك الخصائص، وهي الانتقال، من أجل فهمها بشكل أفضل. ولكن حتى عندما اعتقد الباحثون أنهم يعرفون الخصائص التي يحددونها، فقد تكون النتائج مدهشة، حيث إن التغيرات الجينية قد تظهر أحيانًا خصائص إضافية غير متوقعة. وبالتالي فإن المخاطر في ضبط مثل هذه الخصائص يصعب قياسها كميًّا. فالعمل المستقبلي في مجال الهندسة الوراثية والبيولوجيا التركيبية خلق كائنات تحتوي على مكونات وراثية من عدة مصادر مختلفة، أو في الواقع مع عناصر غير معروفة تمامًا في طبيعتها. لا يعرف العلماء بالضبط كيف ستتطور المخاطر عمومًا مع توسع الأدوات الهندسية.

ثانيًا، ينطوي النقاش الدائر حاليًا على بحوث باهظة الثمن تمولها الحكومة ويجري تنفيذها في الجامعات أو المختبرات الحكومية. وتنطوي قرارات التمويل من قبل الجهات الحكومية بشكل روتيني على تقييم المخاوف التي تتعلق بالسلامة في مواجهة الفوائد المحتملة. وبالنسبة للتجارب ذات المخاطر العالية التي أجريت في الجامعات أو المختبرات الوطنية، تعد سياسات التمويل وسيلة فعالة وبسيطة نسبيًّا للرقابة. ولكن هناك تزايد في حركة “افعل ذلك بنفسك” في البيولوجيا التركيبية والهندسة الوراثية، مستفيدة من انخفاض تكاليف البحوث البيولوجية، ومدفوعة بإمكانية القيام بمساهمات قيمة من قبل الجهات الفاعلة البديلة. وإذا استمر العمل على البحوث التي يحتمل أن تكون خطرة دون تمويل حكومي أو رقابة مؤسسية، فلن يجري تنظيمها بسهولة.

ثالثًا، ينطوي الجدل القائم بشأن إنفلونزا الطيور على خلافات حول المخاطر العامة للحوادث وحول الفوائد العامة من تحسين عمليات الاستجابة للوباء. كان هناك القليل من الاهتمام نسبيًّا من قبل شركات الأدوية أو غيرها من الشركات بإجراء البحوث. كما تعد مجالات أخرى في البيولوجيا التركيبية والهندسة الوراثية بتحقيق المنفعة الخاصة، من خلال براءات الاختراع والقدرة على خلق أشكال جديدة للحياة ذات قيمة تجارية. كيف يمكن للعلماء والشركات الهادفة إلى الربح موازنة تلك الأبحاث ضد الخطر الذي قد يتعرض له الجمهور العام من الحوادث العرضية؟ الجيش، أيضًا، أظهر اهتمامًا متزايدًا بهذا المجال، مما يزيد من احتمال العمل الخطير والسري حيث لا يمكن تقييم المخاطر والفوائد علنًا.

وبينما يواصل الباحثون تطوير التقنيات ذات الفوائد المحتملة الكبيرة للعلم والمجتمع، فإن أقلية من هذه ستشكل حتمًا مخاطر خارج المختبر بالنسبة للإنسان أو الحيوان أو النبات. ويتعين على العلماء والممولين والحكومات تطوير عمليات لتعليم هذه التكنولوجيات الخطيرة وتقييم المخاطر التي يتعرضون لها في مرحلة باكرة، وهو نهج أكثر حصافة وأقل خطرًا بخلاف وقف برامج البحوث بالفعل عن الاستمرار. وسيتطلب تقييم المخاطر الأخلاقية والوبائية والإيكولوجية للتقنيات التجريبية الجديدة تدريبًا جيدًا من قبل علماء الأحياء في هذه المجالات. ويجب أن يعترف العلماء بأن هناك بعض التجارب التي لا ينبغي القيام بها، وذلك عندما تكون المخاطر أكبر من الفوائد المحتملة لاختيار تقنية بديلة.

إن الجدل المثار حول الإنفلونزا، على تعقيده، هو اختبار سهل نسبيًّا، وهو يمثل فرصة لوضع المعايير الدولية للسلامة، وإطلاق النقاشات الجادة بين العلماء الذين يعملون في هذه المجالات، وغيرهم ممن لهم مصلحة. في هذه الحالة، يشمل أصحاب المصلحة علماء الأخلاقيات البيولوجية، وخبراء الصحة العامة، والأطباء. وعندما تكون المخاطر على المحاصيل أو السكان فإنها قد تشمل علماء الأحياء والخبراء الزراعيين. وفي بادرة أمل، قاد مطورو كريسبر/كاس 9 الجهود الرامية إلى زيادة الوعي بمخاطر هذه التكنولوجيا، بهدف تحقيق التنظيم المسؤول. كما تولى العلماء زمام المبادرة أيضًا في توفير معلومات واقعية ويمكن الوصول إليها لمواجهة المخاوف الخاصة بالتقنيات، مثل المحاصيل المعدلة وراثيًّا، التي بولغ في تقدير مخاطرها. ويجب أن يكون التنظيم حساسًا للتقديرات العلمية للمخاطر والمنافع.

يتطلب مستقبل الأبحاث البيولوجية اتباع نهج جديد في الحكم، وزيادة الوعي بالمخاطر، ومجموعة من الأدوات لتحديد وتنظيم فئات معينة من التجارب الخطرة التي تشكل مخاطر على الإنسان أو الحيوان أو النبات. ومع ذلك، لا ينبغي أن تغلق مجالات واسعة من العلوم. بل على العكس من ذلك، ستعزز الإدارة الفعالة من المشاريع العلمية. وينبغي على المختبرات الإبلاغ عن الحوادث بطريقة شاملة وشفافة، بحيث يمكن تقييم مخاطر العمل في المستقبل بشكل صحيح، وذلك حتى تتعلم المختبرات من أخطاء الماضي للآخرين. ويجب على ممولي البحوث العلمية دعم العمل على تخفيف المخاطر. كما ينبغي على الحكومات أن تضع عملية تهدف إلى مراجعة التقدم في العلوم والتكنولوجيا الذي يعتمد على التوقع ويتضمن ذلك حكمًا بإعادة تقييم القرارات بشكل دوري؛ حيث إن المخاطر والفوائد لأنواع معينة من الأبحاث تتغير مع مرور الزمن.

إن المجتمع العلمي والمجتمع ككل لديه الكثير على المحك في إيجاد حل للخلاف القائم حول الإنفلونزا، وهو حل يخلق سوابق فعالة للأسئلة الأصعب التي تنتظرنا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد