استطاعت قوة غير نظامية في إقليم تيجراي تحقيق سلسلة انتصارات في معركتها ضد الجيش الإثيوبي، أحد أقوى جيوش قارة أفريقيا.

سلَّطت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية الضوء على سلسلة من انتصارات «الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي» في تحقيق أعدَّه ديكلان والش، كبير مراسلي الصحيفة الأمريكية في أفريقيا، والذي أجرى عدة حوارات ميدانية مع قيادات وجنود من إقليم تيجراي، بالإضافة إلى رصده أبرز ما حدث خلال الأسبوع الحاسم من الحرب الأهلية التي دامت ثمانية أشهر.

علامة فارقة على مسار الحرب

وفي مستهل تحقيقه يُبرز المراسل فرحة مقاتلي تيجراي عندما تعرضت إحدى طائرات الشحن العسكرية الإثيوبية للقصف، وسقطت على أرض إحدى قرى تيجراي، مؤكدًا أن هذه اللحظة كانت بمثابة علامة فارقة في تحوُّل مجريات الحرب الأهلية الإثيوبية؛ إذ تعالت الصيحات والصفير من جانب مقاتلي تيجراي، وهم يشيرون بحماس إلى ألسنة الدخان المتصاعدة في السماء من الطائرة. وفي وقت لاحق استولى القرويون على بقايا قطع المعادن الملتوية، وأجزاء من جسم الطائرة.

Embed from Getty Images

واستشهد المراسل بما قالته عازب ديسالجني، البالغة من العمر 20 عامًا، وتحمل بندقية كلاشينكوف (إيه كيه 47) فوق كتفها: «نحن على وشك الانتصار». وقدم إسقاط الطائرة في 22 يونيو (حزيران) دليلًا دامغًا على أن الصراع في تيجراي – الواقعة شمالي إثيوبيا – كان قد أوشك على أن يأخذ منعطفًا خطيرًا. إذ ظل مقاتلو حرب العصابات في تيجراي طيلة ثمانية أشهر يقاتلون لإخراج الجيش الإثيوبي من الإقليم، في حرب أهلية طغت عليها الأعمال الوحشية والمجاعة. لكن يبدو أن القتال يتحول لصالحهم الآن.

ويُشير التحقيق إلى أن الحرب اندلعت في نوفمبر (تشرين الثاني) عندما تحول نزاع حاد بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد وقيادات إقليم تيجراي إلى أعمال عنف. ومنذ ذلك الحين أمسى القتال في الإقليم غائبًا عن الأنظار إلى حد كبير، وحجبه انقطاع الاتصالات، وخيَّم عليه الغضب الدولي؛ بسبب تصاعد الأزمة الإنسانية.

 ورصد التحقيق سلسلة الانتصارات التي حققها مقاتلو تيجراي خلال أسبوع محوري في مجريات الحرب الأهلية، وبلغت هذه الانتصارات ذروتها في استعادة عاصمة الإقليم «ميكيلي». وتناول التحقيق كيف تغلب مقاتلو تيجراي غير النظاميين على أحد أقوى الجيوش في أفريقيا، ليس فقط بقوة السلاح، ولكن أيضًا باستغلال موجة الغضب الشعبي. وانقسم أهل تيجراي أنفسهم أثناء الحرب وفقد كثيرٌ منهم الثقة في حزب تيجراي الحاكم الذي يُعد حزبًا ضعيفًا، واستبداديًّا، وفاسدًا. 

وحشية الحكومة الإثيوبية وحَّدَت شعب تيجراي

بيد أن «كتالوج الفظائع التي ارتكبتها حكومة إثيوبيا في الحرب» – مثل المذابح، والتطهير العِرقي، والاعتداء الجنسي – كان له الفضل في توحيد صفوف شعب تيجراي ضد الحكومة الإثيوبية، واستقطب جنودًا من الشباب المتحمسين لقضية أصبحت تحظى حاليًا بدعم كبير. يقول هيلي مريم برهان، قائد في «جبهة تحرير تيجراي»: إن «الجميع يأتون إلى هنا مثل الفيضان، آلاف من الشباب والشابات، كثيرون يرتدون الجينز والأحذية الرياضية في طريقهم إلى معسكر للمجندين الجدد».

ومن جانبه قلَّل آبي أحمد – الفائز بجائزة نوبل للسلام في 2019 – من حجم خسائره، وأصرَّ في خطابه المطمئن أمام البرلمان على أن انسحابه العسكري من تيجراي كان مخططًا له، وهي المرحلة الأخيرة من القتال التي كانت الحكومة على وشك الفوز بها.

دولي

منذ 3 أسابيع
«نيويورك ت.»: عندما يتحدث المنتصر.. هكذا يرى زعيم تيجراي هزيمته لقوات آبي أحمد

وعلى الرغم من رؤية آبي أحمد، أفلت إقليم تيجراي من بين أصابعه، وفشل في تحقيق الانتصار هناك؛ إذ استولى مقاتلو تيجراي في الأسابيع الثلاثة الماضية على مساحة شاسعة من الأراضي، واستعادوا عاصمة الإقليم، وأسَرُوا ما لا يقل عن 6 آلاف و600 جندي من القوات الإثيوبية، وقتلوا ثلاثة أضعاف هذا العدد – بحسب زعمهم. 

ويُضيف التحقيق أن قادة تيجراي شنوا في الأيام الأخيرة هجومًا واسعًا ليشمل أجزاءً جديدة من الإقليم، وتعهدوا بأنهم لن يتوقفوا إلا بعد إخراج جميع القوات الأجنبية من أراضيهم: الإثيوبيين، والقوات المتحالفة من دولة إريتريا المجاورة، والمليشيات العِرقية من إقليم أمهرة. 

سقوط قطع الدومينو

وفي هذا الصدد قال جيتاشيو رضا، أحد أبرز قيادات تيجراي: «إذا كان علينا الذهاب إلى الجحيم والعودة، فلسوف نفعل ذلك». ولم يُجب أحد من مسؤولي مكتب آبي أحمد والجيش الإثيوبي على ما طرحناه من أسئلة في هذا التحقيق.

Embed from Getty Images

ويُلفت المراسل إلى أنه سافر إلى ميكيلي – عاصمة تيجراي – يوم 22 يونيو، بعد مرور يوم واحد على الانتخابات الوطنية في إثيوبيا التي بشَّرت بأنها خطوة كبيرة نحو انتقال البلاد إلى الديمقراطية. وعلى الرغم من ذلك لم يشهد إقليم تيجراي أي انتخابات، وشنَّ الجيش الإثيوبي هجومًا كاسحًا يهدف إلى سحق قوات المقاومة المعروفة باسم قوات دفاع تيجراي. وفي ذلك اليوم قصفت غارة جوية إثيوبية سوق القرية المزدحم؛ ما أسفر عن مقتل العشرات. وبعد أيام قُتل ثلاثة عمال إغاثة من منظمة «أطباء بلا حدود» بوحشية على أيدي مهاجمين مجهولين.

ورصد المراسل أن الحرب في الريف كانت تسير بخطىً متسارعة، وسقطت المواقع العسكرية الإثيوبية مثل قطع الدومينو. إذ وجد معسكرًا يبعد حوالي 30 ميلًا جنوب ميكيلي، بعد ساعات من إسقاط طائرة الشحن العسكرية، يضم عدة آلاف من الجنود الإثيوبيين الذين اعتقلتهم قوات تيجراي مؤخرًا. واحتشد الأسرى خلف سياج من الأسلاك الشائكة، وبدأوا في عاصفة من التصفيق عندما نزل الصحافيون من سيارتهم معتقدين أنهم موظفون في الصليب الأحمر.

جثث متعفنة تحت أشعة الشمس

ويستشهد التحقيق بما قاله بعض الأسرى، ومنهم جرحى وحفاة؛ بعدما صادر مقاتلو تيجراي أحذيتهم وأسلحتهم؛ إذ يقول مسيريت أسراتو، 29 عامًا، قائد فصيلة في الجيش الإثيوبي: «يوجد هنا جنود مصابون بجروح خطيرة».

ومضى المراسل في وصف ما يشاهده على طول الطرقات التي شهدت المعارك ومات فيها كثيرون، حيث تناثرت جثث الجنود الإثيوبيين في أحد الحقول الصخرية، دون أن يمسها أحد منذ أربعة أيام، وهي الآن تتعفن في العراء تحت أشعة شمس الظهيرة.

وفي السياق ذاته أخبر داويت توبا – شاب أسير يبلغ من العمر 20 عامًا من إقليم أوروميا في إثيوبيا – مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» أنه قاتل ضمن صفوف قوات الحكومة الإثيوبية، واستسلم دون إطلاق رصاصة واحدة، وأن الحرب في تيجراي لم تكن كما تخيلها. قائلًا: «قيل لنا إنه سيكون هناك قتال، لكن عندما وصلنا إلى هنا وجدنا الأمر يتعلق بالنهب، والسرقة، والاعتداء على النساء»، مضيفًا: «هذه الحرب لم تكن ضرورية، لقد ارتكبنا جرائم وأخطاء عديدة».

جنود من ذوي الياقات البيضاء والجامعيين

ويوضح التحقيق أن شعب إقليم تيجراي استفادوا من تجاربهم السابقة في محاربة دكتاتورية ماركسية وحشية بإثيوبيا في السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم، بدأوا هذا العام يحشدون في هدوء جيشًا على طريقة حرب العصابات، ينضوي تحت راية «جبهة تحرير شعب تيجراي». وبعد ذلك استخدم مثقفو تيجراي الأيديولوجية الماركسية لربط المقاتلين الفلاحين بقضيتهم، مثل «الفيتكونج (الجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام، وهي حركة مقاومة مسلحة فيتنامية)»، أو المتمردين في أنجولا وموزمبيق.

غير أن مقاتلي تيجراي في هذه الحرب ينتمون إلى حد كبير للمتعلمين، وتنحدر أصولهم من المدن، كما أن دافعهم الأساسي للمشاركة في القتال هو غضبهم من الفظائع الوحشية المرتكَبة ضد شعب تيجراي، وليست الأيديولوجية الماركسية. وفي معسكر التجنيد ألقى المدربون خطابات عن ثقافة تيجراي وهويتها، ويدربون الجنود الجدد على استخدام بندقية كلاشينكوف (إيه كيه 47). 

Embed from Getty Images

وينقل التحقيق عن سكان الإقليم: إن موجة المجندين في صفوف «جبهة تحرير تيجراي» شملت أطباء وأساتذة جامعيين من ذوي الياقات البيضاء، وأبناء تيجراي في الشتات من الولايات المتحدة وأوروبا، بل إن التجنيد في مدينة ميكيلي – التي تسيطر عليها الحكومة الإثيوبية – ازداد زيادة ملفتة.

ويُشير المراسل إلى أن مولوجيتا جبريهيوت بيرهي، 61 عامًا، وزميل بارز في مؤسسة السلام العالمي بكلية فليتشر للقانون والدبلوماسية، في جامعة تافتس بولاية ماساتشوستس الأمريكية، كان في زيارة إلى ميكيلي عندما اندلعت الحرب في نوفمبر (تشرين الثاني). وأخبرني الأكاديمي – الذي ساعد ذات مرة في الوساطة للتوصل إلى اتفاق سلام للأمم المتحدة في دارفور – قائلًا: «انضممتُ إلى المقاومة؛ إذ شعرتُ أنه ليس لدي خيار آخر».

نهج آبي أحمد الغريب

من جهة أخرى ألمح التحقيق إلى أن بعض قيادات إثيوبيا يشعرون بالغرابة بسبب نهج آبي أحمد في الصراع القائم في تيجراي. فعلى سبيل المثال قاد العقيد حسين محمد حتى أواخر يونيو فرقة المشاة الحادية عشرة في تيجراي، لكنه حاليًا – أحد أسرى قوات تيجراي – محتجزٌ مع ضباط إثيوبيين آخرين في مزرعة تخضع لحراسة مشددة.

والتقى المراسل بالعقيد حسين في غرفة ذات جدران حجرية وسقف من الصفيح، والذي أخبره أن نصف جنوده على الأقل، والذين كانوا تحت إمرته، وقد بلغ عددهم 3 آلاف و700 جندي، قد لقوا مصرعهم. مؤكدًا أن «مسار هذه الحرب هو جنون سياسي من وجهة نظري». وكان العقيد حسين لديه دائمًا تحفظات خطيرة بشأن التحالف العسكري لرئيس الحكومة الإثيوبية مع إريتريا، خصم إثيوبيا القديم، وقال: «إنهم ينهبون الممتلكات، ويغتصبون النساء، ويرتكِبون فظائع وحشية. إن الجيش الإثيوبي بأسره غير سعيد بهذا التحالف».

إثيوبيا في حاجة إلى معجزة

ويُلقي التحقيق الضوء على إحدى النقاط المهمة التي تتمثل في أنه حتى قبل أن تنسحب القوات الإثيوبية من ميكيلي في 28 يونيو كانت هناك إشارات على أن هناك شيئًا ما يحدث. إذ انقطع الإنترنت، وهُجرت ممرات المقر الإقليمي لحكومة آبي أحمد المؤقتة، وأغلقت مكاتِبه. بينما كان ضباط الشرطة الفيدرالية خارج المقر يحزمون حقائبهم.

Embed from Getty Images

كما تصاعد الدخان من مقر قيادة قوات الدفاع الوطني الإثيوبية في ميكيلي، وتبين فيما بعد أنها محرقة للوثائق الخاصة بالمعتقلين المتهمين بدعم قوات دفاع تيجراي. وقبل ذلك بأسابيع عذَّب ضباط المخابرات الإثيوبيون أحد هؤلاء المعتقلين، ويدعى يوهانس هفتوم، قائلًا له: «سوف نحرِقكم. سوف ندفنكم أحياءً». لكن بعد أن جاءته أوامر بنقل الوثائق السرية إلى حفرة الحرق في 28 يونيو، أطلق الإثيوبيون سراح يوهانس. وبعد ساعات دخل مقاتلون قوات دفاع تيجراي إلى ميكيلي. وملأ السكان الشوارع فرحًا، وحمدًا لله على النصر.

وفي اليوم الرابع طاف المقاتلون بآلاف الأسرى الإثيوبيين وسط المدينة في استعراض للانتصار وتوبيخ صريح لرئيس حكومة إثيوبيا، وردد الناس هتافات «آبي سارق». ووصلت الاحتفالات في نهاية المطاف إلى منزل جيتاشيو رضا، المتحدث باسم «الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي» قائلًا: إن «آبي أحمد كان في يوم من الأيام حليفه السياسي وصديقه. أما الآن فقد قطع الكهرباء وخطوط الهاتف عن ميكيلي، وأصدر أمرًا باعتقاله».

وعلى الرغم من أن جيتاشيو كان طيلة مسيرته المهنية مدافعًا قويًّا عن الدولة الإثيوبية، لكن هذه الحرب تُعد موقفًا لا يمكن الدفاع عنه، ويُخطط جيتاشيو حاليًا لإجراء استفتاء على استقلال تيجراي، قائلًا: «لا يوجد شيء يُمكن أن ينقذ الدولة الإثيوبية، باستثناء معجزة، وأنا عادةً لا أؤمن بالمعجزات». بحسب ما يختم المراسل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد