أصبحت قوانين النظام الإيراني وإجراءاته ضد حقوق المرأة يُنظر إليها بوصفها رجعية، حتى من قِبل البلد الذي لطالما اعُتبِر الأكثر رجعية في المنطقة، ولكن هناك إمكانية لحدوث «تغيير حقيقي في إيران بعد مرور 40 عامًا من سيطرة الحكم الديني الوحشي»، بحسب مقال نشرته دورته مجلة «ناشيونال إنترست».

يرصد مقال إيلان بيرمان، نائب رئيس مجلس السياسة الخارجية الأمريكية في واشنطن، الدور النسوي في هذا التغيير، وأيضًا دور الغرب الذى كان – بحسب وصفه – الملهم الدائم للمرأة الإيرانية أثناء كفاحها ضد القمع الذي تمارسه السلطات الحاكمة في طهران.

يستهل الكاتب هذا المقال – وهو الرابع في سلسلة تستكشف معتقدات وأفكار وقيم مختلف الفصائل داخل المعارضة الإيرانية – باسترجاع ما حدث في أوائل سبتمبر (أيلول)، حين قامت سحر خدايري، وهي مشجعة كرة قدم إيرانية تبلغ من العمر 29 عامًا، بإضرام النار في جسدها أمام محكمة في طهران في عرض دراماتيكي لتتحدى سلطات النظام.

اعتُقلت خدايري فى ربيع هذا العام بسبب تحديها الحظر الرسمي على حضور الإناث في الأحداث الرياضية العامة، وهو انتهاك جعلها تواجه حكمًا بالسجن لمدة ستة أشهر خلف القضبان. وتُوفيت خدايري لاحقًا متأثرةَ بجراحها، لكن فعلها الاحتجاجي العام نجح في بث حياة جديدة وسط الاضطراب السياسي الذي هيمن على إيران منذ عام ونصف العام.

منذ شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 2017، شهدت إيران أطول فترة من الاضطرابات التي استمرت لمدة أربعة عقود من سيطرة الحكم الديني.

من خلال المسيرات المتكررة والاحتجاجات العامة والإضرابات العمالية وغيرها من أشكال الاحتجاج، نظم الإيرانيون احتجاجات في جميع أنحاء البلاد بانتظام بسبب الاحتقان الاجتماعي والتدهور الاقتصادي والفساد الصارخ الذي أصبح السمة السائدة فى الحياة تحت حكم آية الله خامنئي.

علاوة على ذلك، استمرت هذه الاحتجاجات رغم سيادة النظام القمعي المكثف.

عام على العقوبات الجديدة.. كيف نجحت إيران في الصمود حتى الآن؟

إمكانية حدوث تغيير حقيقي وهادف

يعرض الكاتب مثالًا من النساء الناشطات، وهي مريم ميمارساديغي التي تعتبر هذه المرونة عاملَ ضغط يرسل شعاعًا من الأمل في إمكانية حدوث تغيير حقيقي وهادف في إيران بعد معاناة 40 عامًا من الحكم الديني الوحشي.

Embed from Getty Images

إنه الهدف الذي تسعى إليه ميمارساديغي، الناشطة في مجال حقوق الإنسان الإيرانية الأمريكية البالغة من العمر 47 عامًا لعقود من الزمن. والتي كانت ترأس سابقًا ملفات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة «فريدم هاوس» غير الحكومية المؤيدة للديمقراطية. قامت ميمارساديغي بطرح مبادرتها الحالية وهي إنشاء موقع «تافانا»، في عام 2010 بأموال مبدئية من مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل بوزارة الخارجية الأمريكية.

ويقول الكاتب إن موقع تافانا يقوم بمهام حاسمة: وتتمثل فى بناء الكفاءات داخل المجتمع الإيراني من خلال التثقيف المدني والحوار العام حول مواضيع مثل حقوق المرأة والإصلاح الإسلامي والقيم الديمقراطية، وهي قضايا لا تزال من المحرمات عمومًا داخل الجمهورية الإسلامية.

وتقوم بذلك عبر الفصول الافتراضية والشبكات الاجتماعية ومجموعة واسعة من الموارد التعليمية المفتوحة من خلال الكتب الإلكترونية والكتب الصوتية وتقارير عن تنمية المجتمع المدني ودراسات لقضايا عن حالات النضال غير العنيف من أجل الانتقال الديمقراطي في بلدان أخرى، وأكثر من ذلك.

وتوجد أيضًا مبادرة شقيقة لموقع تافانا، والتي تسمى موقع «تافانا تيك» حيث تساعد الإيرانيين في اكتساب التكنولوجيا والمعرفة التكنولوجية حتى يتمكنوا من استخدام الإنترنت بحرية وأمان لكسب حريتهم. يعمل«مشروع التسامح» الخاص به على تعزيز فهم أوسع بين الإيرانيين والجماهير العربية للحرية الدينية والتعددية.

الشعب الإيراني كالأسير خلف القضبان الحديدية

يبدو أن هذه الجهود تُشبه «القوة الناعمة» التي حشدتها الولايات المتحدة وحلفاؤها ضد الاتحاد السوفيتي في ذروة الحرب الباردة، ثم ينبغي لها ذلك. وفقًا لما قالته ميمارساديغي، فإن شعب إيران اليوم يشبهون كثيرًا الجمهور الأسير الذي أصابه الوهن خلف الستار الحديدي.

إنه شعب يدرك تمامًا عيوب النظام الحالي ويلتهب غضبًا بسبب تجاوزاته الوقحة بشكل متزايد وقد أصابه اليأس بالنسبه لإمكانية تحقيق أي نوع من الإصلاح الهادف للنظام الحالي، لكنه أيضًا مُحبط بسبب قلة الاهتمام من العالم الخارجي وتجاوز النظام الحاكم للممارسات القمعية المتزايدة.

تعتقد ميمارساديغي وزملاؤها أن التاريخ يمكن أن يساعد في توفير المعلومات والتمكين. من بين أكثر مبادرات تافانا نجاحًا – والأكثر أهمية – نشر الأعمال المترجمة للمفكرين الليبراليين بدءًا من أبيجيل آدمز ومونتيسكيو إلى المنشقين مثل فاتسلاف هافيل وأندريه ساخاروف.

من خلال تبادل «الدروس المستفادة» من صراعات كل منهما، يحاول موقع تافانا إثبات أن التجربة الإيرانية ليست فريدة من نوعها، وأن المنشقين الآخرين نجحوا في مواجهة احتمالات مستحيلة على ما يبدو، وأن الناشطين السياسيين في إيران قد يكونون قادرين على فعل نفس الشيء.

ويقول الكاتب: «إن الحماس الثوري وحده ليس كافيًا». بالنسبة لميمارساديغي، وهي ديمقراطية منذ زمن طويل ومحترفة في مجال حقوق الإنسان، فإنها ترى أن العنصر الحاسم لأي تغيير محتمل للنظام في إيران سيكون مظهر المجتمع الذي ينبثق بعده. ولاحظت ميمارساديغي أن الديمقراطية أمر غير محتوم. ولابد من القيام بتحقيق التقدم لضمان أن المجتمع الإيراني متسامح ومنفتح ومتعدد.

وهكذا ، فإن ميمارساديغي وموقع تافانا لا يخططان لـ«يوم» الثورة، بالطريقة التي يبدو أن الكثير من المعارضين للنظام الإيراني كذلك.بدلًا عن ذلك يركز عملهم على «اللعبة الطويلة» المتمثلة في تهيئة الظروف اللازمة للانتقال الديمقراطي في نهاية المطاف في إيران.

الدور الأمريكي واستمرار المخاوف

ويرى الكاتب أن تنفيذ ذلك اليوم يعتبر مهمة صعبة بالتأكيد. فعندما اختار الرئيس باراك أوباما، الذي كان يتطلع إلى نوع من التوافق مع الجمهورية الإسلامية، أن يزدرى «الثورة الخضراء» عندما ظهرت في إيران في صيف عام 2009.

Embed from Getty Images

جعلت هذه الحالة الإيرانيين متوجسين من إلقاء ثقلهم الكامل وراء الاحتجاجات الداخلية وجعلتهم متشائمون بخصوص تلقي دعم أمريكي متوقع إذا فعلوا ذلك.

وظلت هذه المخاوف قائمة أثناء عهد ترامب. تقول ميمارساديغي: إن سياسة الرئيس دونالد ترامب تجاه إيران هي«فقط في منتصف الطريق المؤيد للحرية». في الواقع، كما لاحظ الكثيرون الآن، كانت قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية مفقودة بشكل واضح عن النقاط الاثنتي عشرة التي ذكرها وزير الخارجية مايك بومبيو في شهر مايو (أيار) 2018 كشرط أساسي لتطبيع العلاقات بين واشنطن وطهران.

ويعكس هذا الفقدان حقيقة أن الإدارة الحالية – على عكس إدارة الرئيس الجمهوري الأخير، جورج دبليو بوش – تبدو متناقضة بشدة حول أي شيء يشبه «أجندة الحرية». كان البيت الأبيض فى عهد ترامب يتردد حتى الآن في تقديم المساعدة لتحقيق الديمقراطية بشكل لا لبس فيه للقوات في الخارج، أو للتأكيد حقًا على المأزق الذي يعانيه السكان الأسرى في أماكن مثل فنزويلا وكوبا وروسيا.

ويرى الكاتب أن إيران ليست استثناء. في حين أن إدارة ترامب قد أعربت علنًا عن دعمها للاحتجاجات الحالية التي تحدث داخل إيران، فإنها على الأقل لم تفعل الكثير لمساعدة قضيتهم بشكل ملموس حتى الآن. وتعد ميمارساديغي مقتنعة بأنه خطأ فادح. على حد تعبيرها «عدم التدخل يُعد تدخلًا». وبعبارة أخرى، فإن ظهور الإزدواجية الأمريكية تجاه محنة الشعب الإيراني يعطي سندًا للقوات داخل الجمهورية الإسلامية وخارجها على السواء والتي تفضل أن يسود الوضع الراهن.

ومع ذلك تظل ميمارساديغي متفائلة في أن حالة «الضغط القصوى» ستتطور في النهاية لتشمل حملة حقيقية لتعزيز الديمقراطية داخل إيران. وتقول إنه عندما تفعل ذلك، ستحتاج واشنطن إلى التركيز بشكل أكبر وضرورة القيام بمزيد من التقارير حول الفساد المستشري لنخبة رجال الدين في إيران.

توفير وسائل للتواصل مع إيران

لابد عن تعميق العلاقات مع الشعب الإيراني عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والعمل مع مزودي شبكة الإنترنت وشركات التواصل الاجتماعي للتأكد من أن قنوات الاتصال هذه تظل متاحة على الرغم من الضغوط التى يفرضها النظام.

سوف تحتاج إيران إلى مواجهة تضليل النظام الإيراني و«غرفة المحاكاة» التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرًا لها للصحافيين والأكاديميين وخبراء الفكر، لا سيما من حيث صلتها بأسطورة «الإصلاح» و«الاعتدال» التي تم فضحها منذ فترة طويلة فى النظام الايراني.

وستحتاج إلى رفع مكانة قادة ونشطاء المعارضة الإيرانيين في الدبلوماسية الأمريكية والخطاب العام. وستكون ملتزمة بتوفير موارد مالية مهمة – مثلما فعلت أمريكا من قبل لحركة التضامن البولندية – لتمكين المتظاهرين ومنظمي العمل على وجه الخصوص من مواصلة نشاطهم واستمرار إطعام أُسرهم.

ويختم الكاتب مقاله بأن ميمارساديغي تعتقد أن مثل هذه الأعمال سوف تحفز بدورها المنظمات المدنية الأمريكية، مثل نقابات المعلمين، على الاعتراف بضرورة التضامن مع نظرائهم في إيران. كما ترى أيضًا إمكانية حسم ميزان القوى في الشارع الإيراني بعيدًا عن آية الله في إيران وتجاه الشعب الإيراني، مع احتمالية حدوث عواقب وخيمة. تحتاج واشنطن ببساطة إلى أن تقرر من الذي تدعمه في النضال من أجل بقاء إيران.

«ناشيونال إنترست»: السعودية محاصرة.. هل تضطر للتفاوض مع إيران؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد