أوليفر وينرايت، ناقد الهندسة المعمارية والتصميم لدى صحيفة «الجارديان». تدرب كمهندس معماري وعمل في عدد من الممارسات داخل المملكة المتحدة وخارجها. كتب بإسهاب في الهندسة المعمارية والتصميم للعديد من المنشورات الدولية. فضلًا عن كونه ناقدًا ومحاضرًا زائرًا في العديد من كليات الهندسة المعمارية. بهذه الخلفية المتخصصة، كتب أوليفر مقالًا في جريدة «الجارديان» عن بعض المعالم، مثل كاتدرائية نوتردام وساعة بيج بن وكنيسة سان مارك، المُشيدة على غرار المعالم التاريخية في الشرق.

يقول: إن تلك المعالم تعد بمثابة منارة للحضارة الغربية. إلا أن هذه التصاميم التي تتميز بها أروع الأبنية في أوروبا، بحسب ما ذكره أحد الكتب المثيرة الصادرة حديثًا، قد سُرقت من العالم الإسلامي، كالبرجين التوأمين، ونافذة الورود، والسقوف المقبَّبة، وغيرها.

مجتمع

منذ شهرين
«الجارديان»: مبانٍ مهجورة ومُهدَّمة.. كيف فقدت القاهرة تراثها المعماري؟

كاتدرائية نوتردام.. من الصحراء السورية إلى قلب الهوية الفرنسية

عندما اجتاحت النيران كاتدرائية ش العام الماضي، أبدى الآلاف عميق الأسف على خسارة هذا المعلم العظيم لدى الحضارة الغربية، باعتباره رمزًا جوهريًا للهوية الثقافية الفرنسية وقلب الأمة.

إلا أن ديانا دارك، الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط، كانت لديها أفكارًا مغايرة. كانت تعلم أن أصل هذه العمارة القوطية العظيمة لا تكمن في سجلات التاريخ المسيحي الأوروبي، كما يفترض الكثيرون دائمًا، لكنه يكمن في الصحاري الجبلية في سوريا، في قرية تقع غرب مدينة حلب على وجه التحديد.

وقد ذكرت دارك في تغريدة لها صباح يوم 16 أبريل (نيسان): «إن التصميم المعماري لكاتدرائية نوتردام مستوحى من تصميم كنيسة قلب لوزة التي شُيدت في القرن الخامس بسوريا، شأنه شأن جميع الكاتدرائيات القوطية في أوروبا». وأردفت: «أعاد الصليبيون مفهوم البرجين التوأمين المحيطين بالنافذة الوردية إلى أوروبا في القرن الثاني عشر».

وأشارت دارك أيضًا، بحسب ما ذكره أوليفر، إلى أنه ليس البرجان التوأمان ونافذة الورود وحدهما التي ترجع أصولهما إلى الشرق الأوسط، لكن هناك أيضًا الأقبية المضلعة والأقواس المدببة، ونماذج الزجاج الملون. فالعمارة القوطية كما نعرفها تدين إلى التراث العربي والإسلامى أكثر مما تدين لأبنائها من القبائل الجرمانية الشرقية.

أعظم مباني أوروبا مصممة على غرار مباني الشرق الأوسط

وتضيف دارك: «إنني اندهشت من ردود الأفعال، حيث كنت أظن أن الكثيرين يعرفون هذا. لكن يبدو أن هناك فجوة كبيرة من الجهل بتاريخ الحيازة غير الشرعية للتاريخ الثقافي. وعلى خلفية تصاعد حالة العداء للإسلام، اعتقد أن الوقت قد حان لتصحيح هذه الصورة».

 على رأسها كاتدرائية نوتردام.. كيف سرقت أوروبا تصاميم مبانيها الشهيرة

وأضاف أوليفر أن دارك تلقي الضوء من خلال كتابها العميق «السرقة من العرب المسلمين» Stealing from the Saracens، على استمرار استلهام التصاميم العربية على مدار عقود في أعظم المباني الأوروبية على غرار مباني الشرق الأوسط – بدءًا من مبنى البرلمان و دير وستمنستر إلى كاتدرائية شارتر وكاتدرائية سان مارك بمدينة البندقية – وبنسخ تصاميم مثيلاتها في الشرق الأوسط.

إن هذا الكتاب يوضح مدى تأثير السياسة والمال وصيحات الموضة، بقدر تأثير المعتقدات الدينية، مع ذكر ما قام به الصليبيون من نهب، والأساقفة المهتمين بآخر صيحات الموضة، فضلًا عن التجار المتجولين في جميع أرجاء العالم الذين يكتشفون الأساليب والتقنيات الجديدة، ويعودون بها إلى أوطانهم.

وأوضحت دارك «أصبح لدينا الآن مفهوم الشرق والغرب. لكن في الماضي لم يكن الأمر كذلك. فقد كان هناك العديد من أنشطة التبادل الثقافي، ومعظمها كان يأتي من الشرق إلى الغرب، والقليل منها كان يذهب من الغرب إلى الشرق».

تصميم كاتدرائيات أوروبا الضخمة مستمد من المباني الإسلامية

ويؤكد أوليفر وفقًا لما تنشره دارك أنه نظرًا لانتشار هذه التصاميم في الكاتدرائيات الضخمة في أوروبا، كان من السهل أن يتخيل البعض أن الأقواس الحجرية المدببة والأقبية المضلعة المرتفعة تعود أصولها إلى التراث المسيحي الأوروبي. لكن التواريخ الأولى لهذه التصاميم تعود إلى أحد الأضرحة الإسلامية في القدس في القرن السابع، بينما تبدو الأخرى في مسجد قرطبة، بإسبانيا في القرن العاشر.

وفي حقيقة الأمر، لا تزال هذه النماذج الأولى المعروفة من القبب المضلعة قائمة. فالزوار لمسجد قرطبة يتعجبون من أعمدته المتعددة المتقاطعة كتحفة هندسية وهيكل زخرفي لم يحتاج إلى أي من أعمال الترميم على مدار ألف عام منذ تشييده.

والمقصورة المقببة، التي تعتبر جزءًا من المسجد المخصص للخليفة الحاكم، قد صُممت لتضفي ظلالًا من القدسية على القائد. لكن الكتيبات الرسمية لن تمنحك المعلومات التي تُرجع جذور هذا المبنى إلى الأصول الإسلامية، ربما لأنه قد تحول إلى كنيسة كاثوليكية منذ عام 1236.

وفي الوقت نفسه، كان القوس المدبب حلًا عمليُا للمشكلة التي واجهها عمال البناء لقبة الصخرة في القدس. وهي واحدة من أقدس الأماكن في العالم الإسلامي. وقد شيدها حاكم أول إمبراطورية في الإسلام عام 691.

وكان التحدي الأكبر هو: كيفية إنشاء مجموعة من الأقواس الخارجية والأعمدة الداعمة لها، وبها أقواس أخرى داخلية أصغر منها حجمًا، مع الحفاظ على سقف أفقي بينهم. ومن أجل الحفاظ على محاذاة الفتحات، كان على عمال البناء تشييد الأقواس الداخلية بشكل أكثر إحكامًا؛ مما يجعلها تتخذ شكلًا مدببًا.

كنيسة قلب لوزة التي شُيدت في القرن الخامس بسوريا

يمكن رصد تصميم آخر أعلى الضريح، حيث يحيط القبة نمط على شكل ثلاثة أقواس مرتبة في دائرة، واستمر استخدام هذا النمط في زخرفة كل كاتدرائية أوروبية تقريبًا، باعتباره رمزًا للثالوث المقدس.

تأثر الصليبيين بطريقة تشييد قبة الصخرة

وتتابع دارك: «لقد أدهشتني كثيرًا، مرارًا وتكرارًا، هذه التصاميم التي نظن أنها ذات أصول مسيحية وأوروربية، إلا أنها كانت تعود أساسًا إلى نماذج إسلامية سابقة». كما تشير إلى أن تأثر الصليبيين الشديد في العصور الوسطى بقبة الصخرة، كما بدا واضحًا في مباني كنائس أوروبا، ربما يعود إلى اعتقاد خاطئ لديهم بأن قبة الصخرة كانت عبارة عن هيكل سليمان.

وقد استخدموا هذا التصميم الدائري الذي يتخذ شكل القبة لما هو مفترض أن يكون الضريح المسيحي بالنسبة لهم، ليكون نموذجًا ككنائس الهيكل (مثل كنيسة المعبد المستديرة بمدينة لندن)، حتى أنهم قاموا بنسخ النقش العربي الزخرفي الذي ينتقد المسيحيين صراحة على إيمانهم بالثالوث المقدس، بدلًا عن إيمانهم بوحدانية الله. واستُخدمت أنماط الخط الكوفي لتزيين الأعمال الحجرية بالكاتدرائية الفرنسية وحواف المنسوجات الأنيقة، في حين لا أحد يدرك بالضبط ما كانت تعنيه هذه الأنماط.

وقد ساد نوع من الحيرة والارتباك عند نشر أول خريطة مطبوعة للقدس نُشرت في ماينز بألمانيا، في عام 1486. و​​لا يقتصر الأمر على تعمد التضليل في تعريف قبة الصخرة بأنها هيكل سليمان فحسب، بل إنها تصور المبنى بقبة بصلية رائعة – وهو خيال استشراقي خالص من عقل فنان متخصص في النقش الخشبي هولندي الجنسية يُدعى إرهارد رويش.

وأصبح الكتاب الذي يحتوي على هذه الخريطة من أكثر الكتب مبيعًا، وأُعيدت طباعته 13 مرة، كما تُرجم إلى العديد من اللغات. مما أدى إلى انتشار الكنائس ذات القباب التي تتخذ شكل البصلة في جميع أنحاء أوروبا في القرن السادس عشر.

العمارة الإسلامية تنتقل من القاهرة إلى أوروبا

إن الأمر يتضح كهوية خاطئة ونتائج غير مقصودة تستحق رسم مونتي بايثون، لكن نقل الزخارف الإسلامية إلى الغرب لم يكن دائمًا بهذه البساطة. فقد اتخذ القوس المدبب شكلًا أكثر التفافًا.

تتبعت دارك كيف انتشرت الأقواس لأول مرة في القاهرة، وأصبحت أكثر دقة ووضوحًا في عهد الإمبراطورية العباسية، ومن ثَم أُعجب بها التجار الذين جاءوا من ميناء أمالفي الإيطالي، الذين قاموا بدورهم بنقل الاكتشافات من رحلاتهم إلى كاتدرائية أمالفي، والتي تُعرف أيضًا باسم كاتدرائية القديس أندريا في القرن العاشر.

لفت هذا المبنى المدهش أنظار أبوت ديسيديريوس، الذي زار ميناء أمالفي في عام 1065 في رحلة تسوق لسلع فاخرة ونادرة، وقرر أن يأخذ تصميم النوافذ المدببة ليحاكي به نوافذ ديره في مونتي كاسينو.

كاتدرائية نوتردام

واستُخدم تصميم هذه النوافذ بحذافيرها في دير البينديكتين، في كلوني بفرنسا، والتي تعد أكبر كنيسة في العالم آنذاك. أُعجب أبوت سوجر، مستشار الملكين لويس السادس والسابع، بتصميم تلك النوافذ التي تسمح بدخول المزيد من الضوء، وطبق على الفور نفس التصميم على كنيسة سانت دينيس في باريس.

ونظرًا لكونها أقدم مبنى قوطي بالكامل، فقد تم الانتهاء من الكنيسة في عام 1144 وذهب مهندسها المعماري إلى العمل في نوتردام. تقول دارك: «لقد قاموا جميعًا بنقل التصميم نفسه بحذافيره». وأضافت: «كانت هذه الكنائس الأضخم في أوروبا، لذا تمت محاكاة التصميمات نفسها تمامًا، كما يحدث في جميع صيحات الموضة. عندما يتخذ الأشخاص المؤثرون شيئًا ما، الجميع يريد أن يسير على النهج نفسه».

الموضة أيضًا.. نساء البندقية يتأثرن بالحجاب الإسلامي

والقائمة تطول، حيث توجد المآذن المربعة الموجودة في مبانٍ مثل الجامع الكبير بدمشق، التي تتوج بقبة ضخمة تعلوها الزخارف المعمارية. وكانت هذه المآذن مصدر إلهام للأبراج الإيطالية العظيمة، مثل تلك الموجودة في قاعة مدينة فلورنسا، وسان مارك كامبانيل في مدينة البندقية، والتي كانت استباقًا لأبراج أجراس الكنائس لقرون.

وقد صرح أوليفر أنه بالاستناد إلى أبحاث المؤرخة المعمارية ديبورا هوارد، توضح دارك أن البندقية مدينة عربية أكثر منها أوروبية. ويتضح ذلك من خلال ممراتها الضيقة المتعرجة، ومنازلها ذات الأفنية، والشرفات على السطح، فضلًا عن الزخرفة الإسلامية لقصر دوجي (على غرار المسجد الأقصى في القدس)، والقباب التي تتخذ شكل البصلة في كنيسة سان مارك. كلها كانت ثمرة رحلات قام بها تجار البندقية إلى مصر، وسوريا، وفلسطين، وبلاد فارس؛ مما عزز مستوى التأثير الذي امتد حتى إلى الموضة: فقد كانت النساء في البندقية محجبات في الأماكن العامة، ويرتدين الملابس السوداء من الرأس إلى أخمص القدمين.

وفي تعليق ذُكر بأحد المصادر من القرن الخامس عشر: «كانوا لا يظهرن وجوههم لأي شخص. وكانوا يتسترون تمامًا، لدرجة أنني لا أعرف كيف يمكنهم رؤية الطريق وهم يسيرون في الشارع».

كتاب عن العمارة يكشف جهل الجماعات القومية اليمينية

ينتظر الكثيرون صدور كتاب «السرقة من العرب المسلمين: كيف شكلت العمارة الإسلامية أوروبا». تأليف الكاتبة ديانا دارك، وتتولى دار نشر هرست نشر الكتاب في 20 أغسطس (آب). الكتاب تزامنًا مع الأجواء المشحونة، إذ تسعى الجماعات القومية اليمينية لتعبئة الهندسة المعمارية الغربية المفترضة لتعزيز رؤيتهم للهوية الأوروبية «النقية». ويوجد الآن عدد لا يحصى من حسابات وسائل التواصل الاجتماعي التي تروّج لرسائل تفوّق البيض متخفية في صورة تقدير التراث، بينما تحمل المراسيم الحكومية الأخيرة دلالات مماثلة للتقاليد والجمال. يوضح عمل دارك بطريقة بليغة مثل هذه الدعاية اللاواعية، ويكشف كيف أن المعالم الأثرية التي وضعها اليمين المتطرف لها جذورها في الثقافة ذاتها التي يشككون فيها.

يذكر أوليفر أن الجهل منتشر على نطاق واسع، وربما كان الشيء الأكثر إثارة للدهشة هو السرقة من العرب المسلمين، وكيف لا ينبغي أن يمثل ذلك مفاجأة للقارئ الحديث. ومع ذلك، في جميع أجزاء الكتاب، تستشهد دارك بكلمات كريستوفر ورين، الذي كان مدركًا جيدًا لأصول الشرق الأوسط للعمارة القوطية، والتقنيات الهيكلية التي كان يستخدمها لكاتدرائية القديس بولس.

كتب كريستوفر ورين في القرن السابع عشر أن «القوطية الحديثة تتميز بسلاسة صنعتها، وارتفاعاتها الشاهقة… ورقة زخارفها ووفرتها وكثرة فخامتها… مثل هذه التصاميم، جيدة التهوية، ولا يمكن أن تكون مستمدة من نماذج التصاميم القوطية الثقيلة». وبدلًا عن ذلك خلُص إلى أنه «من بين جميع علامات العمارة الحديثة، يمكن أن تُنسب فقط إلى المور؛ أو الشيء نفسه بالنسبة للعرب أو المسلمين».

وأضاف أوليفر أن المفارقة تكمن في الاسم نفسه: ففي زمن رين، كانت كلمة Saracen (المسلمين) مصطلحًا يُستخدم بالمعنى الازدرائي للمسلمين العرب، الذين حارب الصليبيون ضدهم «حربهم المقدسة». وقد نشأت هذه الكلمة من الكلمة العربية «سرقة»، حيث كان يُنظر إلى المسلمين على أنهم لصوص وناهبون، وفي هذا تجاهل لحقيقة أن الصليبيين هم من سرقوا عجائب العمارة الإسلامية أثناء تنقلهم عبر أوروبا، والقدس، والقسطنطينية، وتنقيح أصول غنائمهم في هذه العملية.

تاريخ

منذ شهر
من مسمار جحا إلى كعب أخيل.. القصص التاريخية لـ5 مصطلحات شائعة

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد