مهدت الولايات المتحدة وحلفاؤها العرب الطريق أمام توسيع إسرائيل احتلالها لفلسطين، وتظهر الآن بوضوح القضية الفسطينية باعتبارها قضية ثانوية، مقارنة بالتهديد المفترض الذي تمثله إيران على المنطقة.

جاءت هذه العبارة في افتتاحية مقال كتبه كلايتون سويشر، الصحافي الاستقصائي المقيم في الدوحة، ومؤلف كتابي «حقيقة كامب ديفيد»، و«الأوراق الفلسطينية». نُشر المقال عبر موقع الإذاعة والتلفزيون التركية «TRT»، وفيما يلي ترجمة «ساسة بوست» للمقال بتصرف:

والآن، وصل الأمر إلى هنا. سُرقت القدس في وضح النهار، ولم تذهب ووراءها صرخات مدوية، لكن أنين خافت، وكما هي عادة زمرة الديكتاتوريين العرب غير المنتخبين، يثبتون مرة أخرى مكانتهم الخاصة في قلوب السياسيين في واشنطن وتل أبيب.

لنأخذ السعوديين على سبيل المثال، فالأمير محمد بن سلمان الذي من المفترض أن يصبح «خادم الحرمين الشريفين»؛ يفضِّل أن يكون لديه مدينة راقية تشبه «وادي السيليكون»، في قلب الصحراء، بدلًا من المسجد الثالث – خصوصًا وأنه المسجد الذي لم تطأه قدماه من قبل.

اقرأ أيضًا: «هآرتس»: ولي عهد السعودية يمثل مشكلة لأبيه! كيف تؤكد سياساته الأخيرة الأمر؟

يبدو أن الخليج العربي يعج بـ«المعتدلين الجدد المؤيدين لأمثالهم في الغرب». تربى هؤلاء على أجهزة «إكس بوكس»، وتغذوا بانتظام على معلومات محرّفة؛ مصدرها مستشارون متملقون – في هذه الحالة هي مجموعة ماكنزي الاستشارية – بالإضافة إلى جهلهم بالتاريخ الإسلامي الذي يدّعون تمثيله.

يستطيع الفرد تخيل ابن سلمان وهو يجلس واضعًا ساقًا على الأخرى، في أحد المجالس الخاصة بالقصر الملكي، وهو يفرك حبات مسبحته، ويهز رأسه موافقًا، بينما يبيع له جاريد كوشنر، بعد فوات الأوان، قائمة بعجائب «الصفقة النهائية» بين الإسرائيليين والفلسطينيين؛ وكيف ستتمكن جبهة السعودية-أمريكا-إسرائيل-الإمارات من الانتقال إلى الوجبة الرئيسية التالية وهي إيران، وكيف ستكون النتيجة النهائية؛ وهي «فريق ترامب» الذي سيؤمّن سلالة محمد بن سلمان الحاكمة لسنوات كثيرة مقبلة. ويصبح الجميع أغنياء للغاية على طول الطريق.

جاريد كوشنر، مبعوث ترامب في الشرق الأوسط، في زيارته للرياض. مايو (أيار) 2017

هدية قيمتها لا تقدر بثمن، يقدمها سياسي من المحتمل أن يخضع لتحقيق جنائي، إلى نظيره الذي يخضع بالتأكيد لتحقيق، فينبغي أن تكون هدية – أو إهانة – مذهلة، تذكرنا بالأعماق التي غرق فيها العالم العربي في عيون الأمريكان. باختصار، أيد السعوديون والإماراتيون بمرور السنين، كل ما تصدّره المؤسسات الفكرية المؤيدة لإسرائيل، التي ترجح أن الدول العربية «المعتدلة» مهووسة بإيران، وقد يولون اهتمامًا أقل للقضية الفلسطينية. على الأقل أيدوا ذلك في نطاق الجلسات الخاصة.

بينما تتسارع وتيرة الاحتلال الإسرائيلي والمأساة الفلسطينية؛ وجد السعوديون أنه التوقيت المناسب لتقديم تعاون غير مسبوق مع إسرائيل، بهذا الوجه المكشوف، ما قد يمكنهم من استلام بطاقة عبور في الكونجرس الأمريكي الحذر، وهي البطاقة التي لا يمكن أن تمنحها سوى إسرائيل.

أما الإماراتيون، حسنًا، يمكنك فقط أن تستمع إلى كلمات يوسف العتيبة، الذي خرج على شاشة التلفزيون لمجاملة المشاهدين الأمريكيين، وقال كيف أن الإمارات تريد «حكومات علمانية مزدهرة، وقوية، ومستقرة»، في العالم العربي.

اقرأ أيضًا: هآرتس: إسرائيل تخاطر بشدة بإعلان علاقاتها مع الرياض

إن السعودية والإمارات كلتيهما تهدفان إلى إزالة كل العقبات في طريقهما نحو دول «معتدلة». لكن فاتهم تمامًا أن إسرائيل وأمريكا تتحركان باستمرار ناحية اليمين باتجاه «الإسلاموفوبيا» المتطرفة، وهو المسلك الذي اتخذه ترامب وفاز فيه. كانت نذر الشؤم واضحة بعد قرار ترامب بـ«حظر المسلمين»، وهو القرار الذي بالكاد عارضته الأنظمة العربية. فبعد حشد الأمريكان ضد الإسلام والمسلمين خلال الحملة الانتخابية؛ دعا السعوديون بانون وترامب، والآخرين إلى الرياض لمغازلتهم.

في الواقع، فإن الفقر المدهش للدول العربية في تهديد إسرائيل بشكل حقيقي – عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا – هو ما سمح للإسرائيليين بضرب غزة كل بضعة سنوات، والاستمرار في بناء المستوطنات، والإبادة العرقية البطيئة للفلسطينيين من الضفة الغربية، والآن المطالبة بالقدس عاصمة بدعم أمريكي.

وما ذهب طي النسيان هو أن حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 شهدت تمريغ الجيوش العربية لأنف إسرائيل، وتمهيد الطريق أمام الانسحاب الإسرائيلي من سيناء المحتلة في مصر، وأجزاء من هضبة الجولان السورية. ساعد في ذلك – بالإضافة إلى القوات العربية – الموقف العربي الموحد بحظر النفط. لكن منذ ذلك الحين، والأمم العربية أصبحت أضحوكة.

وبالانتقال سريعًا إلى عام 2017، فإن الدول العربية لا يمكنها الاتفاق على أي شيء. تحاول الإمارات والسعودية إقناع العالم أن قطر – نعم قطر – ومجموعة قنوات «الجزيرة» التابعة لها – التي أعمل فيها – هي الخطر الأكبر على المنطقة. وفي هذه الأثناء، فإن قادة الدول العربية – مصر والأردن – الذين عقدوا سلامًا مع إسرائيل بينما تركوا وراءهم إخوتهم الفلسطينيين؛ يحاولون النجاة كل يوم من أن تطيح بهم الجماهير الغاضبة والمنزعجة، ويتمنون أن أي شيء تفعله – أو لا تفعله – إسرائيل، لن يكلفهم حياتهم أو التمويل الأمريكي.

جانب من تظاهرة مناهضة لقرار ترامب الأخير. دمشق. 8 ديسمبر (كانون الأول) 2017

في النهاية، فإنه بغير الرشاوى الأمريكية للإبقاء على السلام مع إسرائيل، فمَن غيرها سيظل يمدهم بالأسلحة، وكل الوسائل الأخرى لتسيير شعوبهم المهددة على الطريق المستقيم؟!

هذا يعيدني مرة أخرى إلى إيران. إن المزاج في هذه المنطقة من العالم – خصوصًا بعد مقتل علي عبدالله صالح في اليمن – هو أن كل دولة منهم تسعى إلى حرب مفتوحة في الخارج. ترامب، ونتنياهو، والتحالف السعودي-الإماراتي الجديد، بالإضافة إلى عضلات توفرها جماعات «بلاك ووتر» – التي تعمل الآن تحت اسم أكاديمي – جميعهم يرون أن الأمر مسألة وقت وشكليات لتكوين قوات مشتركة للانقضاض على إيران.

وحتى لا تتلوث أيديهم، بالطبع، سيستخدم السعوديون والإماراتيون القوات الجوية الإسرائيلية، وجنودًا مرتزقة، ومحاربين أمريكيين مدفوعين من ترامب؛ لمواجهة إيران بالقرب من بلادهم. غافلين عن فشل الولايات المتحدة إلى حد كبير في مواجهة الوكلاء الإيرانيين في الحربين العراقية والسورية الأخيرتين. وبحسب اعتقادهم، فإن الأمر سينجح بفاعلية الآن، إذا ما تعاونوا جميعهم، الأمريكان والإسرائيليون والعرب المتآمرون مع العدو.

اقرأ أيضًا: الانتفاضة أبرزها.. هذه أهم 4 أسلحة في يد العرب لمواجهة قرار ترامب

في ضوء كل ذلك، تظهر القدس كضحية مؤسفة وضرورية لضم الإسرائيليين إلى الصف. وفي الوقت نفسه، فإنه من السخرية التامة أن تكون إيران – الداعمة الثابتة للقدس والتي تقاوم إسرائيل باستمرار – في نظر الشارع العربي والإسلامي؛ هي وحدها من يمكنها الوقوف لتحقيق المنفعة السياسية الأكبر.

وثانيًا ستكون إيران هي نصر الشعوب العربية والإسلامية، إذ أنه لا شيء سيكشف إفلاس القادة العرب أكثر من سرقة القدس، وتملق إسرائيل الذي سيزداد بينما يختبر كوشنر وترامب رؤاهم في الشرق الأوسط. المأساة هي أن لا أحد من ترامب أو نتنياهو سيكون موجودًا ليشهد التوابع طويلة المدى التي ستخلفها تحركاتهم «الحكيمة» في نهاية المطاف.

بعد سنوات من الطائفية السعودية، هناك شيء يجب أن يوحد الأيدولوجيات المتوافقة مع السعودية ضد الاعتقاد المشوه بأن قتل مسلم آخر هو أهم من الدفاع عن أقدس المواقع الإسلامية من الإساءة والتعدي غير القانوني. القدس قد تثبت الآن أنها عامل محفز للأمر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد