نشرت مجلة «جاكوبين» الاشتراكية الأمريكية تقريرًا أعده مايكل إيبي، الباحث في الفن المعاصر والثقافة الرقمية، عن تاريخ الحاسوب اليوغسلافي «جالاكسيا»، الذي سلب عقول الكثيرين في يوغوسلافيا الاشتراكية خلال حقبة الثمانينات، وألهم الآلاف منهم لبناء حواسيبهم الخاصة في منازلهم، تستحثهم فكرة بسيطة، لكنها طموحة، وهي: إتاحة التكنولوجيا للجميع.

وذكر الكاتب في مطلع تقريره أن جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية الاشتراكية كانت حالة سياسية شاذة؛ إذ كان يحكمها حزب شيوعي، لكن الكتلة الشرقية الشيوعية رفضته في أعقاب انفصال تيتو وستالين عام 1948، وكان هذا الاتحاد يتألف من ست جمهوريات تحت راية الرئيس اليوغسلافي آنذاك جوزيف تيتو، وشرعت يوغوسلافيا بتحويل عدم يقينها الجيوسياسي في جهد خارق لرسم مسار وسط بين القوتين العظميين في العالم.

الحاسوب اليوغسلافي: الحاجة أم الاختراع

أوضح الكاتب أن النمو السريع لمخزونات الدفاع والمنشآت الصناعية بعد الحرب، وخاصة بعد طرد يوغوسلافيا من مكتب الإعلام الشيوعي ( الكومنفورم) في عام 1948، كان يستلزم ثورة لوجستية، كذلك كانت ثمة حاجة ملحة لوضع آلية محاسبة قوية من أجل المراقبة الشاملة والفورية لكميات هائلة من السلع، وهكذا بدأت صناعة الحوسبة المحلية في الازدهار لسد هذا الطلب.

دولي

منذ 8 شهور
دروس الماضي.. ماذا تعلمت الصين من سقوط الاتحاد السوفيتي؟

وأشار الكاتب إلى أن الدكتور راجكو توموفيتش، وهو عالم روبوتات له دور فعال في اختراع أول يد اصطناعية بخمسة أصابع في العالم، جنبًا إلى جنب مع فرق من علماء الرياضيات والمهندسين الميكانيكيين في معهد العلوم النووية في فينشا، ومعهد ميهاجلو بوبين للاتصالات والإلكترونيات في بلجراد، طوروا تقنيات التصنيع باستخدام الأدوات والأجزاء المحلية. وقد أدى الارتفاع في مستويات المعيشة خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي إلى ظهور الحاجة إلى استخدام أجهزة الحاسوب على نطاق واسع، فاحتضنت يوغوسلافيا ثقافة الحاسوب التي ازدهرت نتيجة الدعم المؤسسي المكثف.

ولفت الكاتب إلى أن أجهزة الكمبيوتر كانت باهظة الثمن، تتجاوز بعدة أضعاف الراتب الشهري للعامل اليوغوسلافي العادي. ومما زاد من تفاقم هذه العقبة: القيود الصارمة التي فَرضتها الدولة على واردات أي مادة تزيد تكلفتها عن 50 مارك ألماني. ونتيجة لذلك طوال السبعينيات من القرن الماضي أضحى امتلاك حاسوب والعمل في مجال البرمجة حكرًا على عدد قليل من الشباب اليوغوسلافي المتعلم وميسور الحال.

نشأة الفكرة

انتقل الكاتب إلى الدور الذي لعبه فوجا أنطونيتش، وهو من عشاق هندسة الراديو وإلكترونيات الكمبيوتر، وقدابتكر – أثناء قضاء إجازة في ريزان بالجبل الأسود خلال أوائل الثمانينات – المخطط المفاهيمي الأساسي لحاسوب صغير أولي.

 بعيداً عن تكنولوجيا الرأسمالية.. التاريخ المنسي للحاسوب اليوغسلافي

فويا أنطونيتش

في تلك الإجازة خطرت فكرة لأنطونيتش عندما قرأ دليل التطبيق لخط جديد من وحدات المعالجة المركزية أحادية الشريحة التي تنتجها شركة «أر سي إيه»، فبدلًا عن استخدام وحدة تحكم فيديو معقدة وباهظة الثمن، نظر أنطونيتش في إمكانية بناء جهاز كمبيوتر تُنشأ رسوماته 64 × 48 بالكامل باستخدام معالج «Zilog Z80A»، الذي يتمتع بصغر حجمه، ورخص ثمنه، ويمكن الحصول عليه بسهولة من متاجر الإلكترونيات في جميع أنحاء يوغوسلافيا.

فور عودته إلى بلاده اختبر أنطونيتش فكرته، ووجد أنها تبلي بلاء حسنًا. وكان لتدخله الحاسم تأثير ذا شقين؛ إذ ساهم في خفض السعر الإجمالي للكمبيوتر، وتبسيط تَصميمه. والأهم من ذلك أن رسمه التخطيطي كان بسيطًا للغاية؛ ما مَكَّن المستخدمين من تجميع الكمبيوتر بأنفسهم.

الترويج للفكرة

وتابع الكاتب: بالتزامن مع اكتشاف أنطونيتش، كتب ديان ريستانوفيتش، وهو صحافي ومبرمج كمبيوتر، مقالًا لاقى استحسانًا عن الحوسبة في مجلة علمية شهيرة تدعى «جالاكسيا»، وبعد وقت قصير من نشر المقالة تلقى رئيس تحرير المجلة، جوفا ريجاسيك، طلبًا من قارئ بأن تخصص المجلة عددًا بالكامل لأجهزة الكمبيوتر.

وبالرغم من شكوكه في البدايةئ كلف ريجاسيك الصحافي ريستانوفيتش بقيادة هذا المشروع، في الوقت ذاته الذي كان أنطونيتش يبحث فيه عن مكان لنشر مخططاته لـ«كمبيوتر الشعب» الجديد. وبالرغم من معرفة أنطونيتش بمجموعة من الصحف الشهرية للحوسبة المنزلية، مثل «إليكتار» الألمانية، و«بايت» الأمريكية، وهي منشورات أجنبية باهظة الثمن، إلا أن الترويج للفكرة وإمكانية الوصول للجمهور كان ضروريًا، وبعد أن جمعه صديق مشترك بريستانوفيتش، وجد أنطونيتش ضالته في مجلة «جالاكسيا».

ونوَّه الكاتب إلى أن الإصدار الخاص الذي حمل عنوان «أجهزة الحاسوب في منزلك»، خصص قسمًا كبيرًا منه لفكرة حاسوب أنطونيتش، فلم يتضمن فقط المخططات، ولكن أيضًا تعليمات تفصيلية بكل ما يلزم القارئ لبناء جهازه.

حاسوب «جالاكسيا»

ولفت الكاتب إلى أن ريستانوفيتش وأنطونيتش استقرا على تسمية المشروع باسم مجلة «جالاكسيا»، ولم تكن توقعات المهتمين تشي بتجاوز عدد القراء لهذا العدد سائر النسخ المطبوعة المعتادة للمجلة، 30 ألف نسخة، لكن الاستجابة كانت استثنائية؛ إذ انتهى الأمر بإعادة طباعة العدد أربع مرات لتلبية الإقبال الشديد على شراء المجلة.

Embed from Getty Images

كان حاسوب أنطونيتش الصغير يحتوي على أربعة كيلو بايت فقط من ذاكرة البرنامج، وهي نقطة في بحر مقارنة بأي كمبيوتر محمول اليوم. وبسبب هذا القيَد كان النظام يمكنه عرض ثلاث رسائل خطأ من كلمة واحدة، فكان المستخدمون يحصلون على «ماذا؟»، إذا كان رمزهم الرئيس به خطأ في بناء الجملة، و«كيف؟»، إذا لم يتم يتعرف الجهاز على المدخلات المطلوبة، و«آسف»، إذا تجاوز الجهاز سعة ذاكرته.

خُطوة جديدة

وتابع التقرير: كان زوران مودلي من عشاق الحوسبة منذ عام 1979، وقد تَمَلكه الشغف بحاسوب جالاكسيا بعد نشر العدد الخاص بصناعة الجهاز في المنزل. وبصفته مضيفًا لبرنامج إذاعي شهير على راديو بيوجراد 202 الصربي، كان مودلي أحد المشاهير في يوغوسلافيا. كانت هذه هي الفترة التي بدأ فيها شريط الكاسيت المضغوط يحل محل إسطوانة الفينيل بمقاس 12 بوصة؛ باعتباره وسيلة الاستماع المفضلة لعشاق الموسيقى.

بدافع استشعار فرصة في هذا التحوُّل على صعيد الوسائط، دعا مودلي ذات يوم في خريف عام 1983 ريجاسيك ليعرض عليه أطروحة جديدة. فنظرًا لأن جميع أجهزة الحاسوب في تلك الآونة، بما في ذلك جالاكسيا، تُشغل برامجها على شريط كاسيت، يمكن لمودلي بث البرامج على الراديو كصوت أثناء عرضه، ويمكن للمستمعين تسجيل البرامج من أجهزة الاستقبال الخاصة بهم أثناء بثها، ثم تنزيلها على أجهزتهم، وقد زاد تنفيذ تلك الفكرة من شعبية عرض مودلي.

بداية التراجع

وألمح الكاتب إلى أن يوغوسلافيا دخلت خلال منتصف الثمانينات فترة من عدم اليقين السياسي والاجتماعي العميق، وقد أدت عدة حروب دامية وتراجع اقتصادي إلى تعثر التطور التقني. في تلك الآونة خففت الدولة من القيود على الواردات، ورحب المستهلكون، والشركات، والهيئات الحكومية، بأجهزة الكمبيوتر غربية الصنع.

ولفترة وجيزة صُنعت نسخ مجمعة مسبقًا من جالاكسيا بكميات كبيرة، ووجدت لها مكانًا داخل فصول بعض المدارس الثانوية والجامعات في يوغوسلافيا. لكن في عام 1995 فرَّط أنطونيتش في كل النماذج الخمسة الأولية الشخصية من جالاكسيا؛ لأنه في تلك المرحلة – وكما يندم عليها – لم يعد أحد يهتم بها.

ومع ذلك ظهر نوع من الحنين إلى التقادم التكنولوجي في السنوات الأخيرة؛ ففضلًا عن أن أجهزة جالاكسيا قديمة تُباع في السوق بسعر أغلى من معظم أجهزة الكمبيوتر المحمولة الحديثة، تواصل متحف بلجراد للعلوم والتكنولوجيا مع أنطونيتش منذ عدة سنوات للمشاركة في معرض حواسيب ما قبل الألفية.

وفي تلك المناسبة ادعى أنه قام بالعثور على جهاز جالاكسيا منسيًا في عليّة منزله، وهو الجهاز المعروض حاليًا في ذلك المتحف. كذلك تواصل متحف تاريخ الكمبيوتر في وادي السيليكون مع أنطونيتش قبل فترة قصيرة لطلب مماثل.

أكثر من مجرد حاسوب

ربما يرجع سبب هذا الاهتمام المتجدد بحاسوب جالاكسيا إلى حقيقة أن هذه الحلقة المثيرة وغير المعروفة في تاريخ علوم الكمبيوتر تحمل إمكانات الواقع المضاد؛ إذ يجسد جالاكسيا فكرة أن أجهزة الحوسبة يجب أن تكون رخيصة ومتاحة للجميع، وإمكانية ألا يقف المال، أو المعرفة الفنية، حجر عثرة أمام تحقيق ذلك. وكذلك تشير ملحمة جالاكسيا بالنسبة للتقنيين غير المبتدئين إلى وجود طرق بديلة ممكنة للممارسة، ومسارات منفصلة تمامًا عن تلك الخاصة بجهات التصنيع الغربية، مثل: شركات «أي بي أم»، و«مايكروسوفت»، و«أبل».

Embed from Getty Images

وخلص الكاتب في ختام تقريره إلى أن مخطط أنطونيتش عام 1983 كان أكثر من مجرد حاسوب صغير تصنعه بنفسك، فمن خلال قدراته الافتراضية على الترابط بين دوائره ومكوناته، وكذلك بين العوامل والقوى التي شكلتها كظاهرة ثقافية؛ يقف حاسوب جالاكسيا شامخًا كنصب تذكاري لنوع مختلف من الحياة التكنولوجية، حياة تعج بالاستكشاف، والتجريب وروح الجماعة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد