افتتح مؤخرًا متحف اللوفر أبوظبي والذي أبهر تصميم بنائه العالم كله؛ فقد بدا مثل طبقٍ طائر يخيم فوق الجزيرة الإماراتية.. جزيرة «السعادة»، إلا أن المتحف الذي وقعت اتفاقيته قبل عقد من الزمان، في عام 2007 عندما تم توقيع الاتفاقية بين حكومتي فرنسا والإمارات العربية المتحدة، والتي تجاوزت 663 مليون جنيه استرليني، لم يسلم مطلقًا من انتقادات النقاد.

يرى «ألاستير سوك» الناقد الفني بصحيفة «التليجراف» البريطانية أن اللوفر أبوظبي متحف سطحي عَمَدَ إلى ليّ عنق الأعمال الفنية لتلائم أفكارًا سامية يروِّج لها المتحف؛ فأغفل تاريخًا من الصراعات والأعمال الفنية التي توضِّح العنف في بعض القرون، كما استُبعِدت الأعمال الفنية التي تحوي أجسامًا عارية، أو تعبر عن الجنس.

متحف اللوفر أبوظبي

غطرسة الشعارات

يقول الناقد: إن «الشعارات التي تُغزل حول المتحف الجديد المذهل، والذي يبدو كما لو أنه يطفو فوق الخليج العربي، مثل شعار (تأمُّل للإنسانية في ضوءٍ جديد) – هو الشعار التسويقي للمتحف – وأن المتحف هو (إعادة تقييم لفهمنا للبشرية)، تبرهن أنه إنجاز طموح لدرجة الغطرسة».

يعتقد الكاتب أن على الرغم من براعة التصميم والبناء للمتحف، فإن الثقة بالنفس الجريئة والخرقاء في نفس الوقت هي إحدى الصفات الجينية في تكوين هذه المؤسسة. يذكر بداية أن هناك استياءً متعاليًا من موافقة مؤسسة موقرة في مقام متحف اللوفر باريس على أمرٍ مبتذل؛ كتأجير اسمها لمدة 30 عامًا، ثم تلى ذلك غضب شديد بسبب الظروف المروِّعة التي عاشها العمال القادمون من دول جنوب شرق آسيا أثناء فترة إنشائه.

إلا أنه ينحي التاريخ المثير للجدل والانتقادات السابقة جانبًا؛ ليصف بالتفصيل روعة البناء وعبقريته، ويحيِّي «المتحف الوليد المبتهج في مهده اللامع»، فحسب رأي الكاتب، يعد المبنى نفسه هو السبب الوحيد الذي يجذب الزوار، جدير بالذكر أنه من تصميم المهندس المعماري الفرنسي «جان نوفيل».

تصميمٌ مبهر بالفعل!

ويستطرد في الوصف قائلًا: «إن المبنى لا يبدو عظيمًا من بعيد، بل يبدو لطخةً رمادية منخفضة في الطرف الغربي من جزيرة السعديات، والتي سعت السلطة الإماراتية إلى تطويرها لتصبح «مقاطعة ثقافية»، أما عن كَثَب؛ فيبدو تصميم «نوفيل» خلابًا، أشبه بأعجوبة فاخرة. فبينما تقف داخله تحتضنك قبّته المثيرة، والتي شُيدت من شبكةٍ معقدة، قوامها 7850 نجمة من الصلب، لا يسعك سوى الشعور بالسكون والصفاء، كما تتلألأ أشعة الشمس داخله من خلال هيكل أشبه بالشمسية، ويصاحب هذا المشهد سيمفونية من زقزقة العصافير اللطيفة، وتأسر برك المياه الهادئة عينيك، وتقودها إلى مياه البحر الفيروزي».

ثم يأتي على ذكر الدرع الذي يحوم فوق المتحف، ويبدو كما لو كان عديم الوزن، أشبه بالصحن الطائر، وعلى الرغم من روعة المنظر، إلا أنه قد يكون مضللًا بعض الشيء؛ فالمتحف في جوهره متعلق بالعالم القديم، وليس الخيال العلمي.

يقول الكاتب: إن «نوفيل استلهم التصميم من أوراق شجر النخيل، وقبته اكتسبت القوام السميك المتشابك الشبيه بالأسقف المبنية من القش. يوجد تحت تلك القبة 55 مبنىً وجناحًا اتشحت جميعها بالأبيض، فضلًا عن أن تصميمها المتداخل ولَّد صورة فنية أشبه بالمدن العربية القديمة ذات الأزقة الشبيهة بالمتاهة، إذا نظرت لها من أعلى. علاوة على روعة التصميم الخارجي حيث التوليفة المعدنية المتدلية فوقه، والتي وُضعت قبالة ناطحات عصر ما بعد الحداثة ذات الواجهات المغطاة بالزجاج العاكس، والتي هيمنت على سماء المدينة. أما في الداخل، فتستضيف أجنحة المعارض المتعرجة التصميم المجموعات الفنية الدائمة».

يذكر الكاتب أن المتحف بالفعل يحتوى على أكثر من 620 قطعة فنية، وهي «غنيمة» تسترعي الاندهاش، لاسيما بالنظر إلى القطعة الفنية الأولى المعروضة، وهي لوحة تجريدية من أعمال «موندريان» كانت مملوكة لـ«إيف سان لوران»، وحصل عليها المتحف مؤخرًا في عام 2009. علاوة على ذلك، ما يزال حجم المجموعة في تزايد مطرد، وبتكاليف باهظة، على سبيل المثال: أنفقت وزارة الثقافة والسياحة الإماراتية الشهر الماضي مبلغًا قياسيًا، وقدره 450 مليون دولار؛ لتأمين لوحة «سالفاتور موندي» لليوناردو دافنشي، والتي ستعرض في المتحف العام القادم. وحتى موعد عرضها المقرر، سيكتفي الزوار بمشاهدة لوحته «بيل فيرونيير»، وهي واحدة من مئات القطع الفنية المستعارة من شركاء الإمارات الفرنسيين، والبالغ عددها 13 متحفًا، بما فيها متحف اللوفر باريس.

اقرأ أيضًا: نيويورك تايمز: أين محاربة الفساد؟ أمير سعودي يشتري لوحة فنية بنصف مليار دولار!

أهداف سامية أم تكتيكات جيوسياسية؟

يقول الكاتب: إن إحدى الأفكار، التي ما تنفك تتردد على أسماعنا مرارًا وتكرارًا، تتمثل في أن متحف اللوفر أبوظبي هو «متحف عالمي» في القرن الواحد والعشرين، على غرار سلفه متحف اللوفر باريس الذي أسس عام 1793، أي قبل تأسيس دولة الإمارات بحوالي 180 عام، ويهدف لتكريس قيم «التنوير» من خلال إتاحة الأعمال الفنية العظيمة للجميع، حاول المتحف الحديث تطبيق ما يدعو له عمليًا من خلال تقسيم المعارض الدائمة إلى 12 «فصل»، لكل منها عنوان رئيس، مثل «الحضارات والإمبراطوريات» و«الأديان العالمية». تعرض التحف الفنية المتنوعة التي أتت من كل حدب وصوب جميعها جنبًا إلى جنب لإبراز القيم المشتركة والأفكار التي من المفترض أنها تتجاوز حدود القوميات والمعتقدات.

فمن ناحية يرى الكاتب أن هذه الفكرة التنظيمية الفنية مبتكرة وناجحة، فضلًا عن أن تصميم «الدهليز» التمهيدي يعد انقلابًا في طريقة عرضه، لاسيما من خلال الحاويات ذات الأطر البرونزية الفاخرة التي تعرض مجموعات ثلاثية للأعمال الفنية الجذابة شديدة التباين، لكنها في نفس الوقت تتشارك في فكرتها الرئيسة ورسالتها الرسمية، على سبيل المثال: خصصت نافذة العرض الأولى في المتحف لـ«الأمومة» بحيث تعرض تماثيل عاجية للسيدة العذراء ورضيعها ترجع للقرن الرابع عشر، جنبًا إلى جنب تماثيل برونزية ترجع للقدماء المصريين تجسد الآلهة إيزيس ترضع ابنها حورس، وتمثال «فيمبا» الخشبي رمز الأمومة، والذي يرجع للقرن التاسع عشر لأحد فناني قبائل «يومبي» الإفريقية.

نابليون بونابرت في متحف اللوفر أبوظبي

إلا أنه من ناحية أخرى يرى أن هذا النهج المثالي المشرق الذي يعبر عن فكرة عالمية: بأن «الجنس البشري عائلة واحدة سعيدة وكبيرة تربطنا نفس الرغبات والهموم» يتضاءل بريقه، لاسيما مع التلويح بأن الفكرة الرئيسة السامية للمتحف ليست إلا نوعًا من «المهمات الجيوسياسية» ذات شقين: الأول، شق ظاهري متمثل في كونه بوقًا للعولمة ومشاعر الأخوة مع بني البشر، وثانيها، شق سري كونه يقدم دليلًا «ناعمًا» يؤكد على حضور أبوظبي على الساحة الدولية.

ويرى أن الدليل على الشق الأخير غير المعلن ربما يظهر بقوة في أحد أبرز المعارض المؤقتة في المتحف، إذ يعرض تحفة فنية ترجع للقرن الثامن عشر، تعرف بساعة «خلق العالم» والتي استعارها المتحف من فرنسا، يقول الكاتب: إنه قبل نقلها إلى شبه الجزيرة العربية، تم تدوير مجسم الكرة الأرضية البرونزية المطلية بالفضة في الساعة، بحيث تضرب أشعة الشمس البرونزية المنبعثة من الشمس داخل التحفة الفنية إمارة أبوظبي على مجسم الكرة الأرضية. ويعقب ساخرًا على هذا التغيير قائلًا: «لا شك في أن المال يمكنه شراء الكثير، وصولًا لدوران محور الأرض».

وبطبيعة الحال، ربما يكون من المفيد أن نقارن الأعمال الفنية من الثقافات البعيدة والمختلفة، على سبيل المثال: يمكنك أن تشهد السرد المتراص لتمثال «خطيب» روماني مصنوع من الرخام بالحجم الطبيعي، جنبًا إلى جنب تمثال صخري لـ«البوديساتفا»: الرمز الروحي الذي يرجع جاندرا القديمة – معروضان في باكستان المعاصرة، فتجد أن التمثالين على حد سواء مشبعين بروح الفن اليوناني على نحو يدعو للدهشة.

ويضيف أنه على الرغم من أن العلاقات بين الأديان تبدو متوترة في أغلب الأحيان، فإن «الفصل» المكرس «للأديان العالمية» في المتحف، ويشمل البوذية والمسيحية الإسلامية، يعدُّ توجهًا مبهرًا مليئًا بالأوهام والأمنيات، إذ يتجاهل قرون طويلة من الصراعات لصالح رؤى سخيفة وأفكار «أشباه الواحدية» الفلسفية، التي تمثلت من خلال تمثال خشبي ألماني للمسيح يرجع للقرن السادس عشر، والذي تم عرضه مساويًا للتمثال المالي القديم الذي يرجع للقرن الثالث عشر، باعتبار أن كليهما «تجسيد للرمز المقدس» .

حذفٌ أخلَّ بعالميته

ويتساءل الكاتب «ما مدى عالمية هذا المتحف العالمي؟» إذ يعتقد أنه بصرف النظر عن المنحوتات القديمة والأعمال الفنية الحديثة، كأعمال « إيف كلاين»، يقول الكاتب إنه صادف قلة قليلة من الأعمال الفنية التي تعرض نساء عاريات، وذلك نظرًا لطبيعة المجتمع الإماراتي المحافظة، ففي اللوفر أبوظبي يمكن النظر للإنسانية الحقيقية في ضوءٍ جديد «خال من الجنس». وعلاوة على ذلك، قليل من الأعمال الفنية تعرضت لفكرة العنف وصورته، ويرجَّح أن السبب ربما يرجع لتناقض فكرة العنف مع المثل المتفائلة للمتحف، ففي نهاية المطاف هو متحف مؤسس على جزيرة «السعديات».

وهكذا يرجع الكاتب سبب ضحالة النهج السائد للمتحف إلى التدخلات الرقابية بالحذف، مثل استبعاد العنف والجنس، فأوحى بعلاقات سطحية بين التحف الفنية التي لا تمت لبعضها بصلة، على غرار كتيب مدرسي إرشادي لمعرض فني. ويضيف أن متحف اللوفر أبوظبي يعرض بالفعل تجربة أشبه بمعرض صور على الإنستجرام بطريقة سريعة خاطفة تلبي حاجات الزوار الذين سيقضون في المدينة ليلة أو اثنتين على الأكثر، كاستراحة من رحلة سفر طويلة.

ويختتم قائلًا إن العديد من الأعمال الفنية ساحرة وتسلب الألباب بلا شك، لكن كونها مجموعة أعمال فخمة لا تجعل من المتحف بالضرورة متحفًا قويًا، ويعتقد أنه «من خلال إصرار أبوظبي على التمسك بمبدأ (العالمية) على حساب مبدأ التخصيص»، حاول اللوفر أبوظبي التعبير عن كل شيء، لكنه وقع تلقائيًا في فخ عدم ذكر أي شيء ذي أهمية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد