من التوريات الجنسية والزيجات التجريبية إلى مسالك الفراق والتعلق، لم يختلف المصريون القدماء عنا كثيرًا في شؤون القلب. تستكشف الكاتبة شارلوث بوث -صاحبة كتاب: «أصوات النيل المفقودة: الحياة اليومية في مصر القديمة»- في مقالها المنشور ضمن موقع «هيستوري إكسترا» كيف عاش سكان النيل القدامى وكيف أحبوا وتعاملوا مع مشاعرهم.

الجنس باعتيادية الأكل والنوم

قد يهيّأ للبعض أن سلوك المصريين القدماء على أبعد ما يكون عن سلوكياتنا الشائعة في العالم المعاصر، إلا أنه في الحقيقة يقارب المعتاد فيما يتعلق بأساسيات الحب والجنس والزواج على وجه التحديد. أبدى المصريون القدماء نفس الشكوك والمخاوف والدوافع، ولا فارق جوهري عن عالمنا الحاليّ إلا في طريقة تعاملهم مع هذه الانفعالات.

في العالم المعاصر، للجنس قابليته الخاصة على الرواج وقد يُعتبر أمرًا لا مسوّغ له في بعض الحالات أو حتى «تابو». وتقول الكاتبة إن تصنيف فكرة الجنس ضمن التابوهات هو بمثابة ارتداد إلى العصر الفيكتوري. إلا أن هذا النوع من الإحراج لا يمكن للمصريين القدماء استيعابه فعلًا، فالجنس كان عنصرًا أساسيًا من الحياة بالنسبة للمصريين، حاله حال الأكل والنوم، وبالتالي لم يكن به أيّ مدعاة للضحك أو الاستهزاء أو الإحراج أو التجنب.

وتشرح الكاتبة أن اللغة المصرية كان بها العديد من الكلمات للجماع الجنسي -مثل اللغة الإنجليزية الحديثة- وأكثرها شيوعًا كلمة (نك) التي استُخدمت لوصف العنصر الذكوري للفعل الجنسي، وكانت مقبولة في اللغة اليومية. وبطبيعة الحال، كانت هنالك تعابير تلطيفية وكنايات قابلة للاستعمال في الشعر، أشياء من قبيل «أن يتحد المرء مع – أن يعرف – قضاء ساعة ممتعة سوية – دخول منزل – النوم مع – إمتاع النفس مع»، ويُعتبر الشعر مصدرًا ممتازًا للتعلم عن طريقة تناول الجماع الجنسي في مصر القديمة.

الحب.. فنّ التورية

كما هو الحال في اللغات الحديثة، كان لدى المصريين كلمات مختلفة لوصف الأعضاء التناسلية الأنثوية بما في ذلك إكسنمت (الرحم)، إيوف (اللحم)، كنس (منطقة العانة)، كعت (الفرج)، مع وجود كلماتٍ أخرى أرقّ وأكثر حذاقة مثل كينيو (عناق أو احتضان). على سبيل المثال، تصف إحدى قصائد المملكة الحديثة الممارسة الرومانسية بتعبير مميز: «أرتني لون أحضانها». وغالبًا ما كان «اللون» يُستخدم توريةً للجلد، وترد تشبيهات متعددة على هذا المنوال في الشعر المصري القديم مثل «رؤية لون كل أطرافها» أو «كان لونها ناعمًا». ومع ذلك، تشير الكاتبة إلى أن الشعر لم يعتمد دائمًا تلك التلميحات الرقيقة، فمثلًا يُوصَف شاب في إحدى المرات بأنه يريد أن «يهجم نحو مغارتها»، وهي استعارة لا تحتاج إلى أيّ شرح إضافي.

Embed from Getty Images

استخدم قدماء المصريين اللغة الجنسية للإهانة والشتم وللمناداة العامة. تذكر الكاتبة مثالًا: بحار مصري يصيح على رجلٍ آخر بالقول: «هيا، أيها الزاني» كما هو محفوظ في مقبرة مملكة تي القديمة في سقارة، وهو ما تعتبره الكاتبة دلالة على أن العبارة لم تكن مهينة كفاية ليتجنب وضعها في القبر مع الموتى الراحلين إلى الأبد.

والصورة الوحيدة المتبقية لزوجين يمارسان الحب تتمثل بالعلامة الهيروغليفية الموجودية في مقبرة المملكة الوسطى (حوالي 2000 قبل الميلاد) في بني حسن. لسوء الحظ، تآكلت هذه العلامة الفريدة منذ زمنٍ طويل بسبب مرور مئات المرشدين السياحين والزوار وملامستهم إياها على مرّ السنين، لكنها نُسخت في القرن التاسع عشر ما مكّننا من الاحتفاظ بشكلها على الأقل.

تقول الكاتبة إن المشاهد الفنية التي تلمّح إلى الجماع لكن لا تظهره فعليًا تُعطي انطباعًا بأن الجنس لم يكن شأنًا خاصًا على الدوام، إذ غالبًا ما صُوّر الخدم أو الأطفال في الجوار، وأحيانًا على السرير حتى. وعند تفحّص الأمر، كانت المنازل في مواقع القرى القديمة -مثل اللاهون والعمارنة ودير المدينة- صغيرة ومزدحمة بلا ريب.

تشكلت بيوت الطبقة الدنيا من أربع غرف كحدّ أقصى وسقف مسطح، ومع ذلك عاش في تلك الغرف الزوجان وأطفالهم (بمتوسط 10 أطفال) وقريباتهما العازبات والأشقاء غير المتزوجين والأجداد. لذا، تخمّن الكاتبة مدى صعوبة إيجاد وقت لممارسة الجنس بل أنه يكاد يستحيل، ولذلك من المحتمل أن الجنس لم يُمارس في عزلة كاملة بالضرورة لكن تم فعله خفيةً في اللحظات المسروقة، بما يلائم أو بهدوء أثناء نوم الآخرين حولهم.

شكّل الجنس جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية، ولكنه ما يزال يُفضّل ضمن حدود الزواج. لذلك كان من الطبيعي أن يُقبل معظم الناس على الزواج، وغالبًا في سنّ مبكرة. منّى الكثير من الشباب أنفسهم بالأفكار والتهويمات حول وصال الجنس الآخر، ويزخر شعر الحب في المملكة الحديثة بالرغبات الجنسية والرومانسية، وكذلك الحب من طرف واحد. تعطينا هذه القصائد لمحة دالة على الممارسات الثقافية في ذلك الوقت، ومن ذلك تعبير «لا علم له برغبتي في معانقته، وإلا كان سيكتب لوالدتي»، ويشير هذا إلى أن رغبة الشاب في الزواج تتطلب منه التحدث إلى والدة الفتاة للحصول على إذن.

وبمجرد الحصول على الإذن، يحصل الزواج بصورة مباشرة دون مراسم دينية أو مدنية وفقًا للكاتبة، إذ تنتقل المرأة إلى منزل زوجها ببساطة، أو ربما برفقة موكب في الشارع واحتفال، لكن ليس على صورة رسمية أو طقسيّة.

Embed from Getty Images

في بعض الأحيان، كان الرجل هو من ينتقل إلى منزل المرأة، ويوجد نقش ساحر لمحاولات أحد الرجال الفاشلة للزواج. فقد حزم أمتعته مرتين بنيّة الانتقال إلى منزل حبيبته، ليُرفض عند عتبة الباب. يتحسر الرجل على قلة الاهتمام التي يلقاها، مدعيًا أنها لن «توفر كساء لظهره». وتتحسر الكاتبة بدورها لأننا قد لا نعرف أبدًا لماذا لم يحظ هذا الرجل بنهاية سعيدة: ما خلفية هذه العلاقة؟ ولماذا حاول الانتقال إلى منزلها ورُفض مرتين على التوالي، هل غيرت رأيها في اللحظة الأخيرة أم أنه أساء تفسير علاقتهما؟ قد لا نعرف أبدًا.

الزواج تحت التجريب

بالنسبة لغالبية السكان، لم يكن الزواج مُسجلًا، إذ يبدأ الزوجان بالعيش سوية ببساطة. تستثني الكاتبة الأزواج الأثرياء الذي كانوا غالبًا ما يبرمون العقود لتحديد التبعات المالية المترتبة على الطلاق. ما هو مثير للاهتمام أكثر الوثائق التي تصف الزيجات المؤقتة أو التجريبية: «ستكونين معي في منزلي بمثابة زوجة من اليوم الأول من الشهر الثالث من فصل الشتاء من السنة السادسة عشر، حتى اليوم الأول من الشهر الرابع من موسم الفيضان في السنة السابعة عشر».

عُرف هذا النوع من الزيجات المؤقتة باسم «عام الأكل» ومكّن الزوجين من تجربة الزواج، ما مكّن الزوجين من سلوك المخرج السريع في حال عدم إنجاب أطفال أو لقرارهما بعدم نفع هذا الزواج.

لا تختلف الحياة الزوجية في مصر القديمة كثيرًا عما هي عليه اليوم، كان للزوجين نفس الاهتمامات: التربية والتغذية وتوفير المأوى لعائلتهما. وحتى في أوج الحبّ الأول، كان المصريون القدماء يتصرفون مثل أي مراهق معاصر غارق في الحبّ. وتضرب الكاتبة مثالًا إحدى قصائد المملكة الحديثة التي يظهر فيها كيف كان الحبّ يعوّق صاحبه حتى عن القيام بأبسط المهام اليومية: «إنه يجعلني أتصرف بلا عقلانية.. ولا يسمح لي بارتداء الفستان ولا لف الشال علي».

وكان ينادي المتحابون بعضهم بالألقاب التحببية مثل «شبيهة القطة» أو «المرغوبة بشدة» (التي يُسعى خلفها كثيرًا) أو «حامية الطبع مثل الفهد/ة».

ومع ذلك، لم تكن جميع الزيجات المصرية القديمة مثالية، وتشير البرديات الطبية إلى كثرة استشارة الرجال للأطباء بسبب المشاكل الجنسية في حياتهم الزوجية. وردت العديد من الوصفات الطبية المخصصة للزوج لإغواء زوجته مثل: «خذ قشرة الرأس من فروة رأس شخص مقتول، وسبع حبات من الشعير مدفونة في قبر رجل ميت، واطحنها مع 10 من بذر التفاح. أضف دماء قرادة من كلب أسود، وقطرة دم من إصبع البنصر بيدك اليسرى وسائلك المنوي. اطحنها جميعًا لتشكل كتلة مُحكمة، وضعها في كوب من النبيذ.. ودع المرأة تشربه».

Embed from Getty Images

لا بد أن إقناع الزوجة غير المهتمة بشرب مثل تلك الجرعة سيكون صعبًا، ولكنهم اعتقدوا أنها لو شربته ستقع في حب زوجها مرة أخرى بلا رجعة. ومن ثم على الزوج أن يتابع للخطوة التالية الضرورية، وهي طحن بذور الأكاسيا (السنط) بالعسل و«فرك القضيب به والنوم مع المرأة»، وإذا لم ينجح ذلك كله يُنصح الرجل بخطوة أخرى: «افرك قضيبك برغوة فم الفحل ونَم مع المرأة».

لم يُقدّم المستوى نفسه من المساعدة الطبية للزوجة، إذ كان المصريون القدماء يعتبرون استشارة المرأة للطبيب في مثل هذه الأمور غير ملائم: «الزوجة هي الزوجة. لا ينبغي لها أن تمارس الحب. لا ينبغي لها أن تمارس الجماع». وهو ما تستدلّ الكاتبة منه على أن المرأة لم يكن من المفترض لها أن ترغب في ممارسة الجنس لأنها يجب أن تكون متاحة فقط لزوجها وبناءً على رغبته.

اكبح القلب المتعجل

فُسخت الزيجات لأسباب متعددة، أكثرها شيوعًا عدم إنجاب الأطفال أو الزنا. وبالرغم من أن المرأة «لا ينبغي أن ترغب في الجماع»، إلا أن الزنا اُعتبر «جريمة كبيرة –عادةً ما- توجد لدى المرأة». لا غرو في أن المذنبين بهذه التهمة من الجنسين على حد سواء. ارتكب الرجل والمرأة الزنا، وتمكن الرجال والنساء من الدفع للطلاق بسببه. شاع الزنا في مصر القديمة لدرجة ظهوره في كتاب الموتى ضمن ما يُدعى بـ«الاعتراف بالنفي»، والذي يدافع الميت به عن نفسه بنفيه القيام ما يُعتبر غير قانوني أو غير مقبول اجتماعيًا آنذاك. ويُصنف الزنا ضمن الفئة الأخيرة، وينصح نص «تعليمات آني» الأزواج الجدد بالقول: «ألجم القلب المتعجل. لا تلاحق امرأة؛ لا تدعها تسرق قلبك».

لم تلق هذه النصائح آذانًا مصغية في بعض الأحيان، ومن ذلك ما تذكره الكاتبة عن قصة أحد الفتية اللعوبين من دير المدينة واسمه بانيب (Paneb). اتهم بانيب بالزنا مع نساء مختلفات في القرية، بما في ذلك امرأة تدعى هونرو. كانت هونرو امرأة غير مخلصة لاثنين من الأزواج وقد طلقها كلاهما. وما هو مثير للدهشة وفقًا للكاتبة أن وابت زوجة بانيب لم تطلقه بدورها، رغم مآثره الجنسية خارج إطار الزوجية.

Embed from Getty Images

كان الطلاق يُمنح عمومًا عند الزنا، وإذا رغب الزوج يمكنه المطالبة بمعاقبة زوجته الزانية بشدة، وفي بعض الحالات تصل العقوبة للتشويه أو الإعدام. لكن الكاتبة تنوّه أن هذه العقوبات القاسية كانت حبكات للقصص الأدبية، لأن الطلاق في العالم الحقيقي كان أسهل وأكثر شيوعًا.

يمكن لكل من الرجل والمرأة الإقدام على الطلاق، يقول الرجل ببساطة «أطردك/أرميك خارجًا» أو تقول المرأة «أنا راحلة»، أو يقول أيّ من الزوجين: «أطلقك». وكان الطلاق عمومًا ببساطة الزفاف، تنتقل المرأة خارج منزل زوجها، عائدةً إلى منزل والديها أو حتى إلى منزل خاص بها.

لم يرتبط الطلاق بأي وصمة اجتماعية، ويمكن للرجل والمرأة الزواج مجددًا والاستمرار في تكوين الأسر الكبيرة. ومع ذلك، إذا كانت المرأة المطلقة أكبر من 30 عامًا، فمن غير المرجح أن تتزوج مرة أخرى. إذ كانت تُعتبر كبيرة السن ولا يرجح لها أن تنجب المزيد من الأطفال.

علوم

منذ سنتين
عمليات جراحية بأدوات فرعونية.. تعرف إلى قصة تميز المصريين القدماء في الجراحة

لا يعني هذا بالضرورة أنهن يصبحن مهمشات في المجتمع، إذ تتحدث الكاتبة عن وجود مجموعة من النساء غير المرتبطات اللواتي يعشن في دير المدينة، وقد صنفهن باحثون مختلفون على أنهن مطلقات أو غير متزوجات، إن لم يكنّ عاهرات، وإن لم تكن الأدلة قاطعة في كلتا الحالتين.

في وسط الحديث عن شؤون القلب، سواء في العالم الحديث أو مصر القديمة، تتبقى الكثير من المعلومات التي لا تُقيّد. إلى حدّ ما، نستطيع تكوين فكرة جيدة عن كيفية إدارة السكان القدامى لوادي النيل لعلاقاتهم ونهجهم تجاه الجنس والعلاقات، وإن لم تكن فكرة شاملة بالكامل، إلا أنها تدلّ على اقتراب التصرفات. لم يكن المصريون القدماء مختلفين تمامًا عنا عندما يتعلق الأمر بالعلاقات، لقد عاشوا وأحبوا وتزوجوا وطلّقوا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد