نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية مقالًا مقتبسًا من كتاب «التحصين من الإدمان»، لمؤلفته المعلمه السابقة جيسيكا لاهي، التي عانت شخصيًا من إدمان الكحول، وحاولت جاهدة ألا تطلع أسرتها على سرِّها في ذلك الوقت. لكن بعد أن تعافت من الإدمان في عام 2013، تحوَّل تركيزها إلى حماية ولديها من مخاطِره، الجينية والبيئية.

تسلط الكاتبة الضوء في كتابها على المخاطر المتشابكة التي يتعرض لها الأبناء، خاصة في سن المراهقة، تلك الفترة التي يمر فيها الطفل بتحوُّلٍ جسدي وعاطفي مرهق، قد يستعصي على السيطرة، بالإضافة إلى القوانين المتساهلة مع الماريجوانا (في الولايات المتحدة)، ناهيك عن الانتقال من سكن لآخر وما يستتبعه من قطعٍ للعلاقات مع الأصدقاء الموثوقين وأولياء أمورهم الداعمين، وإقامة علاقات جديدة مع أصدقاء آخرين لا نعرف شيئًا عن عائلاتهم.

منوعات

منذ شهر
4 أنواع من الإدمان السلوكي رُبما لا تعرف أنها إدمان!

تعترف الكاتبة بأنها لم تستطع مساعدة ابنها في تكوين صداقات جديدة، ناهيك عن انتقاء العائلات الموثوقة التي ينتمي إليها هؤلاء الأصدقاء الجدد، لكنها استطاعت مساعدته على استعادة إحساسه بالسيطرة والأمل؛ من خلال منحه شعورًا بتقدير الذات والثقة في النفس.

والشعور بالثقة في النفس يعني – وفق تعريف عالم النفس ألبرت باندورا – إيمان المرء بقدرته على النجاح، وتنظيم أفكاره وعواطفه وحياته، والتعامل مع التحديات بطريقة إيجابية. وهذا الشعور هو الأساس للعديد من السمات الإيجابية الأخرى، مثل: المرونة والعزيمة والثبات والمثابرة. وهذا بالتحديد ما يمنح أولادنا شعورًا بالسيطرة والأمل، حتى عندما يبدو العالم من حولهم خارج نطاق السيطرة.

أما الأشخاص الذين يفتقرون إلى ما يكفي من الثقة في النفس فيميلون إلى التشاؤم والجمود والاستسلام بسرعة وتدني احترام الذات وإظهار العجز المكتسب والاكتئاب والشعور باليأس. وليس مصادفة أن الأشخاص الذين تظهر عليهم هذه السمات يصبحون أكثر عرضة للجوء إلى المخدرات والكحول للتخفيف من وطأة هذه المشاعر السلبية على أنفسهم.

أخطار الإدمان.. الضغوط من الأقران

تشدد الكاتبة على أهمية إجراء حوار مع الأولاد لمناقشة مخاوفهم وما يثير قلقهم؛ ذلك أن التواصل المفتوح بين الوالدين وأبنائهم يعزز من ثقة الأولاد في أنفسهم، ويساعدهم على مقاومة ضغط الأقران، بطرق مباشرة وغير مباشرة.

تستشهد الكاتبة بأبحاثٍ ترجح أن الطفل عندما يؤمن بقدرته على مقاومة الضغوط التي يمارسها أقرانه عليه، فإنه يقاوم ضغوطهم على أرض الواقع، علاوة على أنه يكون أكثر ميلًا للتحدث مع والديه حول تلك الضغوط عندما يمارسها أقرانه عليه.

Embed from Getty Images

على النقيض من ذلك، يتبين أن الأطفال الذين لا يشعرون بأنهم قادرون على مقاومة ضغوط الأقران؛ لا يميلون إلى التحدث إلى والديهم حول الأمور التي يقومون بها خارج المنزل. ويلفت التقرير إلى أن الافتقار إلى الثقة في النفس هو أحد العوامل التي تودي بالشخص إلى مستنقع المخدرات، وتؤدي إلى مخاطر صحية أخرى. ولكن عندما يكتسب الشخص شعورًا قويًا بالثقة في النفس، فهو بذلك يصبح أقوى في مواجهة هذه الأخطار.

تقدم الكاتبة بعض الطرق العملية التي يمكن للوالدين استخدامها لتعزيز تصوُّرات الأطفال عن ثقتهم في أنفسهم، ومساعدة الأطفال الذين يفتقرون إلى ما يكفي من الثقة في النفس على العودة إلى المسار الصحيح:

الخطوة الأولى: ابدأ بنفسك لتكون قدوة

تنصح الكاتبة بأن يقدم الآباء نموذجًا عمليًا لأطفالهم، فتقول: شكك في قناعاتك الراسخة بأنك لا تستطيع أبدًا، واستبدل بها قناعة جديدة مفادها أنك قد تستطيع ولو بعد حين. ثم اغرس هذه القناعة في أولادك؛ فهذا يساعدهم على الاعتقاد بأن الكفاءة ليست فطرية، بل مكتسبة، وغالبًا ما تكتسب بشق الأنفس.

الثناء وحده لا يكفي.. علم أطفالك المهارات

لا يكفي الثناء وحده لأن يكتسب طفلك شعورًا الثقة في نفسه، فهذا الإحساس بالكفاءة الذاتية يُكتَسب بالتجربة، الناتجة عن المحاولة والفشل وتكرار المحاولة حتى إحراز النجاح في نهاية المطاف.

كلِّف أطفالك بمهامٍ مناسبة لأعمارهم، تعلمهم كيفية مواجهة التحديات، وتمنحهم فرصة تذوق طعم النجاح. على سبيل المثال: علمهم كيف يصنعون وجبة عشاء متكاملة، وأفسِح لهم مجالًا للإبداع، وانظر ماذا يصنعون.

انثر بذور التفاؤل

التفاؤل لا يتوقف عند حد رؤية نصف الكوب الممتلئ، بل هو طريقة تفكير تؤثر بعمق على الصحة البدنية والعقلية. فالأطفال المتفائلون أكثر قدرة على مقاومة مشاعر العجز المكتسب والاكتئاب، في حين أن المتشائمين أكثر عرضة للاستسلام لمشاعر العجز، وبالتالي يكونون أكثر عرضة للوقوع فريسة لمجموعة واسعة من التداعيات الصحية السلبية، العقلية والبدنية.

Embed from Getty Images

تستشهد الكاتبة برأي عالم النفس مارتن سليجمان، مؤلف كتاب «الطفل المتفائل»، الذي يؤكد أن الأطفال المتشائمين دائما ما يرون عقبات لا حصر لها ماثلة في طريقهم، ويلقون باللائمة على أنفسهم. أما الأطفال المتفائلون، فهم على النقيض من ذلك، يؤمنون بأن الانتكاسات مؤقتة، ومحدودة التأثير، وناتجة عن سلوكيات يمكن تغييرها. ويوضح الدكتور سليجمان أن «التشاؤم مُعْدٍ، يكتسبه الأطفال من آبائهم ومعلميهم؛ لذلك فمن الأهمية بمكان أن يكون الآباء قدوة لأولادهم في المقام الأول».

خصِّص الإخفاقات وعمِّم النجاحات

مهِّد الطريق أمام أطفالك للوصول إلى واحة التفاؤل؛ من خلال تسليط الضوء على نجاحاتهم وتعميمها قدر الإمكان. فإذا أحرزت ابنتكَ نجاحًا في فصل الرياضيات يومًا ما، فساعدها على أن تصبغ حياتها كلها بهذا الشعور بالإنجاز.

بدلا من قول: «لقد أبليت بلاء حسنًا في فصل الرياضيات؛ لأنني كنتُ منتبهة»، لتتبنى مقولة: «إنني أبلي بلاء حسنًا في المدرسة؛ لأنني أنجز جميع واجباتي في الوقت المحدد». ساعدها على توسيع نطاق نجاحها، ليشمل ما هو أبعد من مجرد فصل دراسي واحد أو يوم مدرسي واحد.

كن محددًا في مدحك

عبارات الثناء الفضفاضة، على غرار «أحسنتَ صنعًا»، لا تجدي نفعًا في تعزيز الثقة بالنفس لدى الأطفال؛ لأنها لا تنطوي على معنى حقيقي. ركز بدلًا عن ذلك على عبارات الثناء المحددة التي تشيد بسلوك معين، وتعزز الممارسات التي تريد تشجيعها، على غرار: «كم أنا فخور بك لالتزامك بهذا المشروع حتى عندما تشعر بالإحباط». هذا النوع من الثناء الذي يركز على السلوك المطلوب تعزيزه، يلمس وترًا خاصًا لدى الطفل، ويقدم له إشادة إيجابية وواضحة.

لا تسرف في المديح

يوصي الخبراء بعدم الإفراط في المديح الذي يركز على سلوك محدد داخل الفصل الدراسي، وإتاحة الفرصة بموازاة ذلك لتصحيح سلوكيات الطفل، بنسبة (1 : 3) أو (1 : 4)، وهي نسبة حاولت المؤلفة الحفاظ عليها مع طلابها وأطفالها. وتظهر الأبحاث أن تحقيق هذه المعادلة يعزز السلوك الجيد، ليس هذا فقط بل يخلق أيضًا إحساسًا إيجابيًا يساعد الأطفال على تقبل النقد البناء عندما يصبح حتميًا.

الثقة في النفس.. أقوى حماية للطفل المراهق

تعود المؤلفة إلى تجربتها الشخصية فتقول: ربما كان الشعور بالثقة في النفس هو ما يحتاجه ابني أكثر حين انتقل إلى مدرسة جديدة، وليس فقط حمايته من تعاطي المخدرات؛ لأن الثقة في النفس هي ما يساعده في تحديد أهدافه وتحقيقها، وينزع من قلبه تهيُّب العقبات، ويغرس في نفسه الإيمان بقدرته على تجاوزها، ويقلل خوفه من الفشل، ويعده لمواجهة التحديات الجديدة بروحٍ تستشرف النجاح.

Embed from Getty Images

فهل كانت المؤلفة متيقنة من أن وسائل الوقاية التي أحاطت بها ابنها خلال فترة مراهقته ستكفي لتحصينه من اضطراب تعاطي المخدرات؟ بالطبع لا، لكنها توقن بأن تعزيز شعوره بالثقة في نفسه كان ضروريًا لبناء إحساسه بالكفاءة الشخصية وشعوره بالرفاهية والسعادة.

بعد مرور عامٍ على هذه الخطوة، صعدت المؤلفة وابنها إلى قمة الجبل الكائن خلف منزلهم لقطف التوت البري. قضيا ساعة أو نحو ساعة وهما يزحفان على أيديهم وركبهم، ويتبادلان أطراف الحديث حول كل ما يدور في ذهنيهما.

وفي خضم هذا الحوار المفتوح جلس ابنها على كعبيه، وألقى حفنة من التوت في فمه، واعترف بأنه سعيد. علاوة على ذلك، كان يتطلع إلى دخول عامه الثانية في المدرسة الثانوية. وبينما هما يجلسان سويًا، يتناولان التوت البري ويتأملان المناظر الطبيعية، شعرت الأم بأن العبء الملقى على عاتقها ينزاح، ولو لفترة مؤقتة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد