قد يبدو الرئيس الروسي أقوى من أن يُقهَر، لكن سقوط رفيقه البيلاروسي قد يشير إلى ما سيحدث له في المستقبل.

نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية مقالًا لكريس ميلر، أستاذ مساعد في كلية فليتشر ومدير برنامج أوراسيا في معهد أبحاث السياسة الخارجية، حول ألكسندر لوكاشينكو، رئيس روسيا البيضاء، وكيف أنه يمثل مستقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وذلك اعتمادًا على أوجه التشابه المتعددة في البرامج السياسية التي يطرحها كلاهما.

وفي مستهل مقاله، ذكر الكاتب أن إعلان فوز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في التصويت الوطني الذي جرى الأسبوع الماضي لتعديل دستور البلاد، والسماح لنفسه بالترشح لدورتين رئاسيتين جديدتين، لم يكن مفاجأة في حقيقة الأمر.

ويتمتع بوتين بسجل حافل بالفوز في الانتخابات، بفضل عوامل عديدة تتمثل في مزيج من شعبيته الحقيقية والخداع الانتخابي، والأهم من ذلك كله، ضمان عدم السماح لبدائل حقيقية بالترشح أمامه في الانتخابات.

يضيف المقال: لقد أخذ هذا الاستفتاء الأخير الانتخابات في عهد بوتين إلى أعماق جديدة من العبثية. وكانت الفروع المعنية في الحكومة الروسية قد اعتمدت التعديلات الدستورية بالفعل بحلول وقت إجراء التصويت.

ولذا، كان الغرض الوحيد من التصويت هو التعبير عن وجهة النظر حول التعديلات التي أجراها بوتين بالفعل. وبحسب الإحصاء الرسمي لعدد الأصوات، صوَّت 78% من الروس الذين شاركوا في التصويت لصالح التعديلات.

دولي

منذ شهر
«واشنطن بوست»: كيف يبدو حكم بوتين بعد التعديلات الدستورية الأخيرة؟

لم يعد هناك عقبات قانونية

وأوضح الكاتب أن أحد التفسيرات هو أن التصويت أظهر نقاط القوة لدى آلة بوتين السياسية. وعلى الرغم من تفشي جائحة كوفيد-19 المدمرة، وتراجع أسعار النفط، والانكماش الاقتصادي الشديد، تمكن الكرملين من إقناع 65% من الروس أو إجبارهم على المشاركة في التصويت، والغالبية العظمى منهم صوَّتت بالموافقة على التعديلات.

وبغض النظر عن الأدلة على أن التزوير الفج كان متفشيًّا هذه المرة على نحو أكبر من الانتخابات السابقة، أو أن الكرملين عرض جوائز لجذب الناس إلى صناديق الاقتراع (أُجريت سُحبات يانصيب تراوحت جوائزها من الفوز بكوبونات تسوق حتى الفوز بسيارة أو شقة)، تُظهِر القدرة على حث عدد كبير من الناس على الحضور والمشاركة في تصويت لا طائل من ورائه مطلقًا، أن الحكومة ما تزال تحتفظ بقدرتها على حشد جزء كبير من الشعب الروسي.

يعلق الكاتب على هذا المشهد قائلًا: بعد عدة أشهر من التخبط والتعتيم أثناء تفشي فيروس كورونا في جميع أنحاء روسيا، يمكن للكرملين أن يدَّعي أنه يتمتع بالكفاءة في تنظيم انتخابات مفترضة على الطريقة الروسية التقليدية.

Embed from Getty Images

والآن لا يواجه بوتين أي عقبات قانونية إذا قرر، وعلى الأرجح سيقرر، البقاء في الكرملين حتى عام 2036. والموعد التالي للانتخابات التي سينافس فيها بوتين على كرسي الرئاسة غير محدد حتى عام 2024، ويمكنه أن يحكم روسيا لدورتين أخريين مدة كل منها ست سنوات.

وسيسمح هذا له بالبقاء رئيسًا وهو في الثمانينيات من عمره، مما قد يجعله أكبر زعيم روسي سنًّا خلال قرن من الزمان. وصحيح أنه يلزمه الفوز بالفعل بالأصوات في انتخابات 2024 و2030 الرئاسية، ولكن إذا كان قد نجح في هذا الاستفتاء العام، فيجب أن نفترض أنه يمكنه أيضًا الفوز في تلكما المعركتين الانتخابيتين.

على الأقل هذه هي الحجة التي يقدمها خبراء العلاقات العامة في الكرملين. إذ ما يزال بوتين يتمتع بشعبية إلى حد ما، حتى وإن انخفضت نسبة شعبيته انخفاضًا كبيرًا عن أعلى معدل وصلت إليه فيما مضى بعد أن ضمَّت روسيا شبه جزيرة القرم في عام 2014.

ولا يكاد يوجد أي منافسين لبوتين يمكن الاعتماد عليهم، والسبب في ذلك يرجع إلى حد كبير إلى أن المنافسين المحتملين يواجهون قضايا قانونية مُلفَّقة والسجن، فضلًا عن العنف.

وما يزال العرض الذي يقدمه الكرملين بشأن القومية إلى جانب الإنفاق الاجتماعي شائعًا إلى حد ما، حتى وإن كانت الفجوة بين الوعود المقطوعة والواقع المعيش تتسع على نحو متزايد عندما يتعلق الأمر بمستويات المعيشة.

«البعبع» التاريخي

ولفت الكاتب إلى أن الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والحنين إلى ماضي الاتحاد السوفيتي والسياسات القمعية، كان مزيجًا قويًّا في روسيا وأجزاء أخرى من فضاء (دول) ما بعد الاتحاد السوفيتي.

ولكن في الدولة السوفيتية السابقة – روسيا البيضاء – هناك شيء يمضي على نحو خاطئ على غرار ما يحدث في روسيا. إذ يتنافس رئيس روسيا البيضاء، ألكسندر لوكاشينكو، في الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها في 9 أغسطس (آب) بعد الحملة التي أظهرت بالفعل مدى عمق عدم شعبية حكومته.

وقد يفوز في الانتخابات، على الأرجح عن طريق اعتقال منافسيه (اعتُقِل بالفعل إيفان تيرتل؛ أكبر منافس للرئيس في الانتخابات القادمة)، لكنه لا يستطيع أن يشكك في الإحصائيات التي تفيد بأن 3% فقط من السكان يدعمونه، كما أوضح استطلاع رأي قبل أن يحظر لوكاشينكو الاقتراع.

Embed from Getty Images

وأشار الكاتب إلى أن لوكاشينكو ظل في السلطة منذ عام 1994، ولذلك لا يمكن أن نعزو مشكلاته إلى قلة المهارات السياسية. وعند مقارنته بالقادة الأوروبيين الآخرين، كان أسلوبه في التعامل مع فيروس كورونا – الذي أنكر خطورته وأوصى بأخذ علاجات مثل الفودكا وقيادة الجرارات – أحمقَ على نحو متفرد، مما أدى إلى تقويض شعبيته.

لكن جذور معضلة لوكاشينكو أعمق من ذلك؛ فبعد 26 عامًا قضاها في حكم روسيا البيضاء، تبدو وعوده الاقتصادية جوفاء، وتضاءلت أهمية الصورة الرمزية لعصر الاتحاد السوفيتي، وحتى تهديدات القمع يبدو أنها تفقد قوتها.

يتابع الكاتب: من السهل أن ندرك لماذا لم تعد وعود لوكاشينكو بتحقيق مستويات معيشية أفضل غير فعالة؛ إذ تتخلف روسيا البيضاء، على غرار روسيا، أكثر من أي وقت مضى عن مصاف جيرانها مثل بولندا ولتوانيا؛ بسبب فترة الركود الاقتصادي التي تعمَّق فيها تفشي الجائحة.

والحنين إلى ماضي الاتحاد السوفيتي له حدود أيضًا، إذ يمضي عصر الاتحاد السوفيتي بخطى وئيدة ليكون جزءًا من التاريخ. وقطع لوكاشينكو عددًا من الأميال السياسية غير العادية في الرثاء لانهيار الاتحاد السوفيتي والأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي تلت ذلك.

لكن ذلك كان قبل 30 عامًا تقريبًا، وقد وُلِد أكثر من ربع السكان في روسيا البيضاء بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. ولذا، فإن إلقاء اللوم على هذا البعبع التاريخي من منطلق أنه المتسبب في مشكلات بيلاروسيا اليوم يُعد أمرًا صعبًا.

بيلاروسيا..تشابه كبير بين البلدين

ونوَّه الكاتب إلى أن الانهيار في مستويات دعم لوكاشينكو سيؤدي إلى تغيير السياسة في روسيا البيضاء، حتى لو نجح الديكتاتور العجوز في الاستمرار في الحكم من خلال سجن منافسيه واعتقالهم.

وبالنسبة لبقية دول العالم، يكتسب ما يحدث في بيلاروسيا أهمية أكبر بصفته يوفر لمحة عن مستقبل روسيا المحتمل. فلا يوجد بلد يشبه روسيا أكثر من روسيا البيضاء. وربما يكون لوكاشينكو أشهر السياسيين الأجانب في روسيا. ويعتقد ربع الروس أنه يجب أن تصبح روسيا البيضاء وروسيا دولة واحدة.

وأكد الكتاب أن هناك اختلافات بين البلدين بالطبع، أبرزها وضع روسيا كقوة عظمى، الأمر الذي يمكِّن بوتين من التظاهر بالوطنية مع أنه يعمل لمصلحته الخاصة بطريقة لا يستطيع أي رئيس بيلاروسي فعلها على الإطلاق.

Embed from Getty Images

لكن أوجه التشابه المتعددة في البرامج السياسية التي يطرحها لوكاشينكو وبوتين – الوعود بزيادة الإنفاق الاجتماعي، والحنين إلى ماضي الاتحاد السوفيتي، وتكتيكات الرجل القوي – تعني أن مصير لوكاشينكو مهم للغاية بالنسبة لمستقبل روسيا.

وإذا كان لوكاشينكو يعتمد على القمع على نحو أكبر للاحتفاظ بالسلطة، فإن ذلك سيقوِّض ادِّعاء بوتين بأن وعودهم السياسية المشتركة تحظى بشعبية كبيرة. وإذا أُطِيح لوكاشينكو من السلطة، فسيكون ذلك سابقة خطيرة للغاية بالنسبة لبوتين الذي يتطلع إلى قضاء 16 سنة أخرى في السلطة.

واختتم الكاتب مقاله قائلًا: يجب أن تتعلق آمال الكرملين على أن يستعيد لوكاشينكو مصداقيته بطريقة أو بأخرى، حتى لا تتدهور شعبيته وتصل إلى أعماق سحيقة، ويسحب بوتين معه إلى هذه الأعماق.

سياسة

منذ شهر
«بلومبرج»: بوتين يستعرض القوة العسكرية في الوقت الذي يعزل فيه ترامب أمريكا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد