بعد الحكم الصادر عن المحكمة العليا في البرازيل، برئاسة القاضي إدسون فاشين، يوم الاثنين الماضي، بإبطال إدانة الرئيس الأسبق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (75 عامًا)؛ زالت العقبة التي حالت دون ترشح السياسي اليساري الشهير للانتخابات الرئاسية السابقة، على الرغم من تقدُّمه في استطلاعات الرأي، مما مهد الطريق أمام اليميني الشعبوي جايير بولسونارو لدخول القصر الرئاسي.

وفَتْح الباب أمام لولا دا سيلفا، الذي كان رئيسا للبلاد من 2003 إلى 2011، لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة المقرر إجراؤها في عام 2022؛ أصابت الطبقة الحاكمة في البرازيل بالذعر، لكنها في المقابل فتحت نافذة محتملة على التغيير، ومنحت بعض الأمل للعمال البرازيليين الذين يرزحون تحت وطأة المصاعب الاقتصادية وجائحة كوفيد-19، حسبما يرصد المؤرخ بنيامين فوغل في مقاله المنشور على صفحات مجلة «جاكوبين».

في حيثيات الحكم الأحدث، أوضح القاضي فاشين أن المحكمة الابتدائية في مدينة كوريتيبا ليس لديها السلطة القانونية لإدانة لولا دا سيلفا، مؤسس حزب العمال البرازيلي. صحيحٌّ أن هذا القرار لا يسدل الستار على القضية تمامًا، إذ لا يزال يتحتم إعادة محاكمة الرئيس السابق أمام محكمة اتحادية في العاصمة برازيليا، إلا أنه يؤثر بعمق في المشهد السياسي البرازيلي.

سياسة

منذ 3 سنوات
مترجم: لولا دا سيلفا مثالًا.. ماذا يحدث فعلًا عندما يحاكم الرؤساء بتهم فساد؟

ومن المفارقات أن حكومة حزب العمال البرازيلي هي التي أقرت قانون Ficha Limpa (لائحة نظيفة)، الذي يحرم السياسيين المدانين بارتكاب جرائم، أو عُزِلوا من منصبهم، من الترشح لأي منصب بالانتخاب؛ لتمر الأيام حثيثًا ويُصَاب زعيمهم بالسهم الذي أطلقوه.

أدين لولا دا سيلفا بتهمة غسيل الأموال والفساد في عام 2016؛ لحصوله على شقة تطل على شاطئ البحر – يؤكد كاتب المقال أن الرئيس السابق لم يسكنها مطلقًا – كرشوة من شركة هندسية متورطة في قضية فسادٍ كبرى، وبموجب حكم الإدانة قضى لولا 580 يومًا في السجن، قبل إطلاق سراحه في استئناف نوفمبر (تشرين الثاني) 2019. 

لم تكن القضية المرفوعة ضد لولا دا سيلفا تستند إلى مُسوِّغ قانوني قويّ، لكن ذلك لم يمنع القاضي سيرجيو مورو من إصدار قراره بالإدانة، ويرجع ذلك – بحسب المقال  – إلى أن القاضي كان يتواطأ مع المدّعين – بالمخالفة للقانون – من أجل تلفيق التهمة للزعيم العمالي السابق.

Embed from Getty Images

وجاءت إدانة لولا دا سيلفا تتويجًا للتحقيق البرازيلي التاريخي Operação Lava Jato (عملية غسيل السيارة)، ولكن كاتب المقال يستدرك قائلًا: لدينا الآن دليل واضح على أن المدعين العامين والقضاة تآمروا صراحة على سجنه، لمنعه من خوض انتخابات 2018، التي انتهت بصعود اليميني المتطرف جايير بولسونارو.

وبعد الحكم الأخير الذي قضى بعدم اختصاص محكمة الإدانة، أعلن الفريق القانوني الذي يمثل لولا دا سيلفا على تويتر أن «القرار الصادر اليوم يؤكد عدم كفاءة القضاء الفيدرالي في كوريتيبا، وهو اعتراف بأننا كنا دائمًا على صواب في هذه المعركة القانونية الطويلة». 

بيدَ أن هذه القضية الملحمية لم تضع أوزارها بعد، ولا يزال لولا دا سيلفا بحاجة إلى الحصول على تأييد من المحكمة العليا لهذا الحكم، وحتى لو حدث ذلك، يمكن لمحكمةٍ أخرى إدانته ثانية. لكن الأهم في الوقت الحالي هو أن لولا دا سيلفا، المنتمي ليسار الوسط، عاد إلى الساحة السياسية.

لولا دا سيلفا في مواجهة جايير بولسونارو

يرصد المقال الأصداء الواسعة لعودة لولا دا سيلفا إلى الساحة السياسية في جميع أنحاء البرازيل، ويستشهد بأحدث استطلاعات الرأي التي تكشف أنه لا يزال «السياسي الأكثر شعبية في البرازيل»، حتى بعد سجنه، والتشهير الإعلامي المستمر ضده منذ سنوات. وعلى الرغم من أنه قد لا يتمتع الآن بمعدلات التأييد التاريخية التي كان يتمتع بها بعيد ترك منصبه، فإن حزب العمال الذي ينتمي إليه لا يزال أكبر حزب في البلد.

في استطلاع رأي نُشرت نتائجه مؤخرًا في صحيفة «أو استاداو دي ساو باولو» قال 50% من المشاركين إنهم سيصوتون بالتأكيد أو على الأرجح لصالح لولا دا سيلفا، مقابل 38% قالوا إنهم سيمنحون أصواتهم لبولسونارو. كما أن معدل رفض الناخبين للرئيس السابق الذي يبلغ 44% لا يزال أقل من كافة المرشحين المحتملين الآخرين، مثل حاكم ولاية ساو باولو، اليميني جواو دوريا، والمذيع التلفزيوني لوتشيانو هاك. بل كان لولا دا سيلفا هو الوحيد، من بين المرشحين العشرة الذين شملهم الاستطلاع، الذي تفوَّق على بولسونارو.

يشير المقال إلى أن الذعر بدأ يدب في أوصال يمين الوسط في البرازيل؛ لأن فرصهم الانتخابية ستتضاءل بسرعة. فعلى الرغم من معارضتهم الرسمية لبولسونارو، فإن العديد منهم يفضلون أن يحظى الرئيس اليميني المتطرفي بفترة ولاية ثانية بدلًا عن صعود حكومة يقودها حزب العمال. ولقد بحث «المعتدلون» بلا جدوى عن شخص ما – ماكرون برازيلي – يمكنه أن يتظاهر بأنه زعيم الجبهة الديمقراطية العريضة ضد بولسونارو، بينما يتبع الأجندة الاقتصادية نفسها التي يتبعها رئيس البرازيل الحالي.

دولي

منذ سنة واحدة
«ذي أتلانتك»: تعرف إلى مؤسس اليمين المتطرف في البرازيل وملهم الرئيس بولسونارو

ورغم كل ما تقوله المعارضة المعتدلة عن الديمقراطية، يستبعد المقال أن يدعموا مرشح يسار الوسط في الجولة الثانية ضد بولسونارو. فلم يكتفِ أنصار الوسط في البرازيل بإطاحة الرئيسة السابقة ديلما روسيف من منصبها في عام 2016، بل ساعدوا أيضًا في انتخاب بولسونارو حين خاض منافسة ضد مرشح حزب العمال فرناندو حداد. بل إن بعض الشخصيات الذين طُرِحَت أسماؤهم كمرشحين محتملين، مثل: وزير الصحة السابق لويس هنريك مانديتا، الذي خدم في حكومة بولسونارو، وآخرون مثل: دوريا وهاك؛ دعموا بولسونارو في انتخابات عام 2018.

وبولسونارو نفسه تجاهل هذه الأنباء، وقال: «أعتقد أن الشعب البرازيلي لا يريد حتى أن يكون لديه مرشح مثل هذا في عام 2022، ناهيك عن التفكير في إمكانية انتخابه». لكن الكوارث التي تسببت فيها حكومة بولسونارو يمكن أن تجعل الكثيرين ممن صوتوا ضد حزب العمال في انتخابات 2018، أو أبطلوا أصواتهم، ينظرون إلى لولا دا سيلفا باعتباره مرشحًا بديلًا يمكن انتخابه في عام 2022. 

ومن المؤشرات ذات الدلالة التي يرصدها التقرير، عقب صدور حكم إبطال إدانة لولا دا سيلفا: انخفاض سوق الأسهم البرازيلية بنسبة 4%، وتراجع قيمة الريال البرازيلي إلى أدنى مستوياته القياسية مقابل الدولار. وهذا يوضح أن المستثمرين لم يكونوا قلقين كثيرًا بشأن الأعداد الرهيبة للوفيات الناجمة عن كوفيد-19 في البرازيل، مقارنة بقلقهم من عودة لولا دا سيلفا التي أثارت حالة من الذعر التام.

بولسونارو في مواجهة كورونا.. استجابة كارثية

شهد الأسبوع الماضي أكبر عدد من الوفيات الناتجة عن الإصابة بفيروس كورونا المستجد منذ تفشي الجائحة في البرازيل، مع تسجيل 1910 حالة وفاة يوم الخميس وحده. وسجلت البرازيل أكثر من 265 ألف حالة وفاة و11 مليون حالة إصابة. ونتيجة لذلك، تتكدس غرف العناية المركزة في جميع أنحاء البلد بسرعة، وتنفد اللقاحات في المدن، ويبدو أن عدم كفاءة الحكومة تطلق عنان الفيروس خارج نطاق السيطرة.

Embed from Getty Images

وحذرت وزارة الصحة من أن عدد الوفيات في البرازيل قد يصل إلى 3 آلاف حالة يوميًا خلال الأسابيع المقبلة، وحتى الآن لا توجد حملة وطنية لتلقيح المواطنين. ويحذر خبراء الصحة من أن التقاعس عن احتواء الجائحة في مثل هذا البلد الكبير يمكن أن يهدد حملة التطعيم العالمية للوقاية من فيروس كورونا المستجد، خاصة وأن الفيروس يتحور وتظهر منه سلالات جديدة.

وفي مقابل استجابة بولسونارو الكارثية لأزمة كوفيد-19، يسلط التقرير الضوء على حقيقة أن لولا دا سيلفا حقَّق أعظم ازدهار الاقتصادي في تاريخ البرازيل، وعلى الرغم من ذلك فإن أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة، والكثير من وسائل الإعلام السائدة، وأنصار الوسط في البرازيل، لا يفتأون يضعون لولا دا سيلفا وبولسونارو في السلة نفسها، ويصورونهما على أنهما وجهان لعملة واحدة، وهي سياسة يغذيها العداء لليسار الذي، بحسب الكاتب، يوحد المعارضة البرازيلية المحترمة والقوى التي تدعم بولسونارو.

التهديد العسكري

العامل الذي يتجاهله الجميع، لكنه يفرض نفسه بقوة على المشهد البرازيلي هو: كيف سيكون موقف الجيش؟ ففي كتابٍ صدر مؤخرًا، اعترف قائد القوات المسلحة السابق، إدواردو فيلاس بواس، بأنه حاول هو وغيره من كبار الجنرالات ممارسة الضغط على المحكمة العليا عبر تغريدات «تويتر»، في الليلة التي سبقت صدور الحكم الذي كان سيحدد ما إذا كان لولا دا سيلفا سيُسجن ويحرم من الترشح لانتخابات 2018. وكان لولا دا سيلفا يتصدر كافة استطلاعات الرأي في ذلك الوقت متقدمًا بهامش كبير على بولسونارو. 

ويخدم أكثر من 6 آلاف من أفراد القوات المسلحة في حكومة بولسونارو، ويقود ضباط الجيش حملة البرازيل لمواجهة كوفيد-19. لكن تحت القيادة الكارثية لوزير الصحة الجنرال إدواردو بازويلو، فشلت وزارة الصحة البرازيلية في تأمين اللقاحات والمعدات الطبية الأساسية، وبددت وقتها في الترويج لعلاجات مستخلصة من زيت الثعابين، بينما كان المواطنون يقضون نحبهم في الشوارع، والأكسجين ينفد في المدن الكبرى. وعلى الرغم من ارتداء القوات المسلحة البرازيلية ثوب حراس الديمقراطية والاعتدال فإن الجيش أقوى مؤيدي بولسونارو ، ولا يكاد يخفي مشاعره المعادية للديمقراطية في السنوات الأخيرة.

قضية «لافا جاتو»

على القاضي مورو أن يواجه العواقب القانونية لتحويله قضية «مكافحة فساد» إلى حملة لملاحقة المعارضين السياسيين. وهذا الحكم الذي صدر قبل أيام، وإن كان لا يحمله مسؤولية تصرفاته السيئة، فإنه قد يعرضه للمساءلة في قابل الأيام، حسبما يأمل كاتب المقال.

ربما يكون هذا الحكم هو المسمار الأخير في نعش تحقيق «لافا جاتو» الذي أغلق رسميًا في يناير (كانون الثاني). وبعدما اعتقد القاضي مورو أنه تمكن أخيرًا من اقتناص صيده الثمين، لولا دا سيلفا، لا يستبعد المقال أن تقضي هذه القضية نفسها على مسيرته السياسية. 

لقد أوصل مورو بولسونارو إلى السلطة تحت شعار «مكافحة الفساد»، وكان يعتقد لفرط غطرسته أنه لا يمكن المساس به. وهو يعمل الآن في شركة محاماة تقدم خدمات لشركة أوديبريخت التي اضطلعت بدور محوريّ في تحقيق «لافا جاتو».

يؤكد المقال أن حملة مكافحة الفساد في البرازيل تحولت إلى حملة ذات دوافع سياسية، انتهكت سلطة القانون، وشلت اقتصاد البرازيل، وضمنت انتخاب أسوأ رئيس في تاريخ البلد. ويستشهد بدراسة حديثة أجراها أكبر اتحاد نقابي في البرازيل، خلصت إلى أن «لافا جاتو» قد تكلف الاقتصاد خسارة استثمارات تصل إلى 30 مليار دولار، و4.4 مليون وظيفة؛ لأنها شلت بشكل أو بآخر قطاعات البناء والبترول بأكملها في البرازيل طيلة سنوات.

Embed from Getty Images

بدأت حملة «لافا جاتو» كتحقيقٍ، لكنها تحوَّلت إلى كيان قوي داخل الدولة البرازيلية، سعى إلى تنفيذ أجندته السياسية الخاصة. وفي هذا الصدد تمكنت بمساعدة رأس المال، ودعم وزارة العدل، وصناعة مكافحة الفساد الدولية، ووسائل الإعلام، من امتلاك القوة الكافية لتدمير الحكومات. 

وترتب على انتخاب بولسونارو، باعتباره مرشحًا لمكافحة الفساد، إغلاق قضية «لافا جاتو»، ونسف بروتوكولات مكافحة الفساد، وهو الرجل الذي استخدم منصبه على نحوٍ صارخ لحماية عشيرته وإثرائها. رغم كل هذا، لم يواجه بولسونارو حتى الآن أي حملة جديدة لمكافحة الفساد؛ ذلك أن القوى التي خرجت إلى الشوارع ضد حكومة حزب العمال بسبب الفساد أصبحت الآن في الغالب غير مبالية بحقيقة أن بولسونارو يحكم البلد ضمن ائتلافٍ مع أكثر القوى فسادًا على الساحة السياسية البرازيلية، والمعروفة باسم centrão (الوسط الكبير). وزعماء هذا الوسط المتحالفون مع بولسونارو يسيطرون الآن على كل من مجلسي النواب والشيوخ في الكونجرس البرازيلي.

ومع ذلك فإن إرث «لافا جاتو» يمتد إلى ما هو أبعد من البرازيل. ويستشهد كاتب المقال بما كتبه في مجلة جاكوبين الشهر الماضي حول تعهد إدارة بايدن بجعل مكافحة الفساد محورًا في أجندة سياستها الخارجية، والنموذج الذي يدور في أذهانهم يعتمد على «لافا جاتو». وقد فعَّلت وزارة العدل الأمريكية هذا النموذج من التحقيق؛ ما يمثل انتهاكًا محتملًا للمعاهدات الدولية والقانون البرازيلي. 

دولي

منذ سنة واحدة
«واشنطن بوست»: هل يخسر بولسونارو منصب رئاسة البرازيل بسبب كورونا؟

وكان موقع إنترسبت أول من كشف عن الطبيعة الإجرامية لتحقيق «لافا جاتو»، وأكدتها لاحقًا المحكمة العليا في البرازيل؛ لكن ذلك لم يلهم كثيرين في صناعة مكافحة الفساد الدولية، أو أروقة السياسة الخارجية الأمريكية، الذين ما زالوا يطرحون هذا التحقيق على الطاولة باعتباره نموذجًا يُحتذى لمحاربة الفساد.

صحيح أن انتخابات 2022 في البرازيل لا تزال على بعد عام ونصف، لكن ساحة المنافسة السياسية أصبحت أكثر وضوحًا منذ الآن؛ فلا يزال حزب العمال هو أكبر قوة انتخابية في البرازيل – حسبما يؤكد الكاتب في ختام مقاله – وما لم يتسبب المزيد من الخداع القانوني في إبقائه بعيدًا عن السلطة، فسيكون لدى لولا دا سيلفا فرصة لحشد ما يكفي من القوى لإنقاذ البلد من بولسونارو.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد