تتذكَّرون بالطبع تلك الصورة؛ الرئيس أوباما جالس في إحدى زوايا غرفة العمليات مع فريق الأمن الوطني، بمن فيهم هيلاري كلينتون التي وضعت يدها على فمها، ويشاهدون بثًا مباشرًا من المُجمَّع الذي كانت تجري فيه عملية قتل “بن لادن” في باكستان. هذه لحظة ماكيافيللية، فهناك قائد سياسي يخاطر المخاطرة القصوى التي تلازم ممارسة السُلطة، وينتظر الآن حُكم القَدَر. يعلم أنَّ رئاسته ستنتهي إذا فشلَت المهمة، بينما إذا نجحَت، لن يشُكّ أحدٌ ثانيةً في رغبته في المخاطرة بكل شيء.

وهي لحظة ماكيافيللية من ناحية أخرى، فهي مثال على موقف تتطلَّب فيه الضرورة العامة أفعالًا قد تدينها الأخلاق الخاصة والقِيَم الدينية بوصفها غير عادلة وغير أخلاقية. نُطلِق على هذه اللحظات ماكيافيللية لأنَّ كتاب الأمير الذي كتبه نيكولو ماكيافيللي في عام 1513 كان أول ما كشف عن العالم الأخلاقي للسياسة والفجوة بين الضمير الخاص ومتطلبات الأفعال العامة.

ظلَّت صراحة كتاب الأمير الفجَّة فضيحةً لخمسمائة عام، أُدرِج الكتاب في القائمة البابوية للكتب الممنوعة في عام 1559، واستُهجِن مؤلِّفه الذي لُقِّب بماكيافيللي الشرير على دور المسرح الإليزابيثية في لندن. لم يخفت الغضب مع الوقت، فقد علَّم ليو شتراوس؛ أعظم المُنظِّرين السياسيين المحافظين المعاصرين طُلَّابه بجامعة شيكاغو في الخمسينيات أن يعتبروا ماكيافيللي «مُعلِّم الشر». كانت فكرة ماكيافيللي الاستفزازية الراسخة هي الحفاظ بجُرأةٍ في ميدان السياسة على الفكرة القائلة بأنَّ الأفعال الشريرة لا تُصبح شريرة إذا كانت المصلحة العامة المُلحَّة تُحتِّمها.

تتجدَّد هذا العام في الذكرى الخمسمائة للكتاب جهود مضنية للتخفيف من حدِّة هذه الرسالة. هناك أربعة كتب جديدة تقول إنَّنا بحاجةٍ إلى فهم الزمن الذي صنع ماكيافيللي لكي نستطيع فهم صراحته القاسية، زمن السياسة المتشابكة العنيفة في إيطاليا بين عامي 1498 عندما تولَّى منصبًا مسؤولًا كبيرًا بفلورنسا، و1527 عندما توفي. يُعيد آلان رايان ماكيافيللي إلى سياقه المُخضَّب بالدماء، انهيار الجمهورية الفلورنسية وسقوطها. يضع فيليب بوبيت ماكيافيللي في مكانة المُنظِّر الأكبر للدولة الحديثة الأولى، وأول مُفكِّر يفهم أنَّه إذا لم تعُد السُلطة شخصية ولم يعُد يمارسها حاكم قروسطي، فيجب تفسيرها أخلاقيًّا بأخلاقيات عامة جديدة تستند إلى عقل الدولة أو ragion di stato.

يريدنا موريتسيو فيرولي أن نفهم أنَّ «الأمير» لم يكُن سبيلًا مُنحرفًا سوداويًّا كما يبدو، ولكنَّه مناشدة وطنية لأي سياسي مُخلِّص بأن ينهض وينقذ إيطاليا من الغُزاة الأجانب ومن حُكَّامها قصار النظر. تدعم سيرة كورادو فيفانتي الذاتية الفكرية صورة ماكيافيللي باعتباره طليعة – قد أُسيء فهمها- لحركة الانبعاث الإيطالي، إذ طالب باستعادة النظام الجمهوري الإيطالي قبل إعادة توحيد الولايات الإيطالية للمرة الأخيرة بأربعة قرون.

يبذل كل هؤلاء الكُتَّاب جهودًا كبيرة للتأكيد على أنَّ «ماكيافيللي الشرير» كان في الحقيقة كاتبًا لامعًا ورفيقًا جيِّدًا ووطنيًّا شغوفًا. ويؤكِّدون جميعًا على أنَّ التزامه الأخلاقي الأقصى كان الحفاظ على الحياة الحُرَّة لدولة مدينة فلورنسا والجمهوريات الإيطالية الأخرى. ويبرز شخص الرجل بالتأكيد في خطابه الرائع الذي كتبه إلى صديقه فرانشيسكو فيتُّوري في عام 1513 بعد طرده من منصبه والإلقاء به في السجن وتعذيبه. (اتُّهِم ماكيافيللي خطأً بالتآمر ضد آل ميديتشي الذين كانوا قد هزموا الجيش الفلورنسي وأطاحوا بالحكومة الجمهورية في العام السابق). يصف ماكيافيللي في الخطاب أيامه الوحيدة بعد إطلاق سراحه من السجن، التي يقضيها في صيد الطيور في ملكيته الصغيرة، وشرب الخمر في الحانة المحلية، ثم العودة إلى المنزل ليلًا إلى مكتبه، وارتداء ثياب المحاكم والقصور والتناجي مع محاكم القدماء المَهيبة.

تضع هذه الدراسات الجديدة المذهلة ماكيافيللي في سياق عصره، ولكنَّها تغفل السؤال عن سبب أنَّ الاتجاه والاندفاع اللاأخلاقيين (كما يقول آلان رايان) ما يزالان استفزازيين بصورةٍ دائمة في عصرنا. لم يكُن ماكيافيللي أول المُنظِّرين الذين قالوا بفكرة أنَّ السياسة عمل وحشي، يتطلَّب أن يفعل القادة أمورًا قد تمقتها ضمائرهم الخاصة بشدة. يمكن القول إنَّ الجميع يعلم أنَّ السياسة أحد مجالات الحياة التي يضع فيها المرء روحه على المحك.

الأمر الصادم على نحوٍ مُتميِّز فيما يتعلق بماكيافيللي هو عدم اهتمامه بذلك، فلم يكُن يعتقد فقط أنَّه على السياسيين فعل الشر باسم المصلحة العامة، ولكن أنَّه ليس عليهم القلق بشأن ذلك أيضًا. بمعنى آخر، لم يكُن مهتمًّا بما يدعونه المُفكِّرون المعاصرون مشكلة الأيادي القذرة.

يصف مايكل وولزر الفيلسوف الكبير بجامعة برينستون – مستوحيًا من جان بول سارتر- شعور امتلاك أيادٍ قذرة في السياسة بأنَّه الضمير المُذنِب الذي على الفاعلين السياسيين أن يتعايشوا معه عندما يقومون بأفعال تتطلَّبها الضرورة العامة، ولكن ترفضها المبادئ الأخلاقية الخاصة. ويقول وولزر: «ها هو السياسي الأخلاقي، نعرفه بأياديه القذرة». يعتقد وولزر أنَّنا نريد لساستنا أن يكونوا خادمين مُعذَّبين يسهرون ليلًا يصارعون التضارب بين المبادئ الأخلاقية الخاصة والخير العام.

لم يعتقد ماكيافيللي ببساطة أنَّ على السياسيين الانزعاج بشأن أياديهم القذرة، ولم يعتقد أنَّهم يستحقون المدح بسبب الوساوس الأخلاقية أو آلام الضمير. ربما كان ليتفق مع آل سوبرانو في مقولة «يفعل المرء أحيانًا ما يجب عليه فعله»، ولكن لم يكُن كتاب الأمير ليبقى طوال هذه المدة إذا لم يكُن سوى تبرير لرجال العصابات. غالبًا ما تكون القسوة غير المُبرَّرة عمليةً لرجال العصابات، أما في السياسة فمن الواضح أنَّ ماكيافيللي كان يفهم أنَّها أسوأ من الجريمة، فهي خطأ. على عقل الدولة ضبط اتجاه كل سياسي إلى مجالات مشكوك في أخلاقيتها، فاحتمال أن يكون القائد الذي ترشده الضرورة العامة قاسيًا وخبيثًا أقلَّ من ذلك الذي يرشده الوعظ الديني. لا بد من القول إن أخلاقيات ماكيافيللي كانت غير مبالية بالمبادئ المسيحية وتنتقدها بشدة، وكانت لها أسباب جيدة، فمَن يؤمن بأنَّ الله إلى جانبه قادرٌ على فعل أي شيء.

كان ماكيافيللي كذلك يفهم أنَّ السياسي لا يمكنه مراوغة القانون مثل رجل العصابات، فالقانون مهم لأنَّ رأي المواطنين مهم في الجمهوريات، وإذا وضع الأمير نفسه فوق القانون كثيرًا سيعزله الشعب من منصبه. لم يكُن ماكيافيللي ديمقراطيًّا ولكنَّه كان يفهم أنَّ الغضب الشعبي في أزِقَّة مدينته وحاراتها قد يُنهي حُكم الأمير نهايةً دمويةً. إذا كان ماكيافيللي نصح الساسة بالرياء وادِّعاء امتلاك فضائل لا يمارسونها في حياتهم الخاصة، فذلك لأنَّه كان يعتقد أنَّ الناس في الأزِقَّة والحارات يهتمُّون بما إذا كان الأمير قد أحلَّ السلام والأمان أكثر ممَّا إذا كان شخصًا صادقًا أو أمينًا.

يبدو كل ذلك سوداويًّا فقط إذا فشلنا في رؤية واقعيته العميقة. أدرك آلان رايان في كتابه رأي ماكيافيللي في الخيال الأخلاقي المعاصر عندما يقول: «تنبُع قوة كتاب الأمير من إصراره على الحاجة إلى قبول واضح للأمر الواقع الذي يكون عليه البشر، في مقابل هراء الوعظ بما ينبغي أن يكونوا عليه».

ما يزال الوضوح الأخلاقي أمرًا مُقوِّيًا في حقبةٍ مثل حقبتنا، التي يُخفي فيها الساسة العنفَ الضروري للحياة السياسية وراء خطاب القِيَم الأُسرية والمبادئ المسيحية ويدعون المواطنين إلى الشعور بألمهم عند اتِّخاذهم قرارات صعبة. ما زلنا ننجذب إلى ماكيافيللي لأنَّنا نشعر بمدى نفاد صبره على الهراء الأجوف المُماثِل في عصره، ومدى عزيمته على مواجهة مشكلة تشغلنا مثله، وهي متى يكون العنف ضروريًًا في عالم السياسة وبأي قَدْرٍ؟

أصرَّ على أنَّه عند الحاجة إلى اتِّخاذ قرارات سياسية صعبة أو خطيرة، لن يفيد الإحسان المسيحي ولا التعاطف الشخصي ببساطة، يجب أن يكون مركز الاهتمام في السياسة هو سلامة الجمهورية فقط. فاتِّباع الأصوات الداخلية المُتذمِّرة أو تغيير الاتجاه عند معارضة الوُعَّاظ على الخطوط الجانبية ضعفٌ، وإذا وضع تردُّدك الجمهوريةَ في خطر فهو ضعف خسيس. كانت أخلاقيات ماكيافيللي تُقدِّر الحسم القضائي في السياسة في مقابل السعي البائس وراء الاستقامة.

إذًا إذا عُدنا إلى غرفة العمليات والقرارات التي يتَّخذها الرؤساء فيها، فيخبرنا كتاب الأمير أنَّ المسألة ليست إذا ما كان يحق لإنسان أن يتَّخذ مثل تلك القرارات المُريعة. إنَّ جوهر السُلطة – حتى في الديمقراطيات- هو استخدام العنف لحماية الجمهورية. ولكن من المهم لروح الجمهورية ألَّا يكون العنف المُستخدَم دفاعًا عنها غير مُبرَّر، فالعنف لديه ليس قيمة أخلاقية تُقدِّر الأفعال في ذاتها، يمدح ماكيافيللي القيود عندما تخدِم الجمهورية. ربما حتى يُستحسَن على سبيل المثال أن يُعلِّق الرئيس قرار إرسال صواريخ بحرية إلى سوريا إذا لم يستطِع تمييز هدفٍ واضحٍ أو هدفٍ إستراتيجي مُبرَّر.

ولكن ما يرفض مدحه هو الناس الذين يُقدِّرون ضمائرهم وأرواحهم أكثر من مصالح الدولة، وما لا يغفره هو المظاهر العامة للتردُّد. ليس علينا اختيار قادة يتعذَّبون ويقلقون بشأن مغامرات السُلطة الأخلاقية التي يمارسونها باسم الشعب، علينا اختيار قادة ينامون بعمق بعد القيام بمخاطرات قُصوى بفضائلهم الخاصة، فهم يفعلون ما يجب فعله. سيكون السؤال الذي سيسأله ماكيافيللي عن الرئيس الحالي هو: هل هو ماكيافيلليٌّ بالقدر الكافي؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد