قال جيروم توبلانا في تحليل نشرته مجلة «فورين بوليسي» إن فرنسا دعمت الديكتاتور الراحل إدريس ديبي غير عابئة بانتهاكات حقوق الإنسان في تشاد، وقد آن الأوان لتغيير هذا النهج.

وأوضح توبلانا أنه كان قد التقى الرئيس الراحل مرتين: في 2014 ضمن المنتدى الأول في دكار للسلام والأمن، وهو الحدث الذي أصبح يقام سنويًّا الآن ويجمع بين فرنسا وحلفائها الأفارقة الذين يحاربون الإرهاب في منطقة الساحل. وقد تواجد وقتها زعماء تحالف جي-5 (موريتانيا ومالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد). برز ديبي كالملك؛ فجيشه هو الأقوى في المنطقة، ويقدم الدعم للقوات الفرنسية في مالي.

اللقاء الثاني كان في عاصمته الصحراوية – أم جرس – شمال شرقي تشاد. عندما تقلد ديبي رتبة بارزة في الجيش في الثمانينيات، انتقل العديد من أفراد جماعته العرقية – الزغاوة – إلى العاصمة الحقيقية إنجامينا. في أوائل الألفية الجديدة، كانت مدينة أم جرس متواضعة للغاية، فقرر ديبي بناء بلدة جديدة، واستهل ذلك ببناء منزل لنفسه، ثم تبعه أفراد جماعته.

دولي

منذ شهر
«ستراتفور»: كيف سيؤثر مقتل الرئيس التشادي في منطقة الساحل الأفريقي؟

يؤكد توبلانا أن طائرة إيطالية مخصصة لعمليات نقل القوات نقلته وضيوف آخرين إلى المطار الذي شيده ديبي، الذي يبلغ طوله ميلين وبني في الصحراء. ثم سافر إلى المدينة على أطول طريق أسفلتي في الصحراء التشادية – بطول 10 أميال بنته شركة مملوكة للدولة سابقًا تنتمي الآن لعائلة الرئيس.

كما جاء السفير الفرنسي. كونه الدبلوماسي الوحيد الموجود في أم جرس كان علامة على المكانة المميزة، وكذا العبء الذي لا تزال باريس تعيشه – بعد 61 عامًا من استقلال مستعمرتها السابقة. على مدار 30 عامًا من حكم ديبي، تجاهلت باريس مطالب المعارضين للتغيير الديمقراطي، واصفة المعارضين غير المسلحين بالضعفاء وغير الناضجين، والذين اختاروا حمل السلاح على أنهم إرهابيون ومرتزقة. في المقابل، قام ديبي بإقراض قواته المجهزة تجهيزًا جيدًا بشكل متزايد للقيام بعمليات ضد الإرهاب في منطقة الساحل. كان على صانعي الملوك الفرنسيين أن يشيدوا بـ«صاحب الجلالة» – كما سمي ديبي، الذي نصب نفسه سلطان المنطقة، في أم جرس.

بدايات متواضعة

يقول توبلانا إنه داخل مجتمع الزغاوة الذي ينتمي إليه، على امتداد الحدود بين تشاد والسودان، عانى ديبي طويلًا من التهميش من أحد زعماء الممالك القديمة، الذي أصبح أبناؤه جزءًا من النخب التشادية والسودانية في فترة ما بعد الاستعمار. اشتهر ديبي بأنه مثير للمتاعب في المدرسة، ولما أصبح شابًّا صُنف ضمن فئة قادة الحرب العصاميين.

Embed from Getty Images

وبعدما أصبح رئيس أركان زعيم المتمردين حسين حبري، الذي تولى السلطة في عام 1982، نجح حبري في استعادة شمال تشاد، التي احتلتها ليبيا والمتمردون التشاديون المتحالفون معها. على عكس ما يُقال، لم يستطع ديبي لعب الدور الرئيسي في هذا الانتصار – فجرى إرساله بعد ذلك إلى مدرسة عسكرية في باريس، حيث يقال إنه أصبح صديقًا لضباط فرنسيين.

ساهم الانتصار على الزعيم الليبي معمر القذافي في وحدة تشاد الوطنية – يشير توبلانا – لكن نظام حبري كان يهيمن عليه بشكل متزايد قبيلة جوران، التي نظمت عمليات القمع العنيفة للمجتمعات الأخرى التي ينحدر منها المعارضون، مما أسفر عن مقتل الآلاف من الشعب. وبصفته رئيسًا لأركان الجيش ثم مستشارًا عسكريًا، شارك ديبي في القمع في جنوب تشاد، لكنه تغاضى أيضًا عن اعتقال أفراد من مجتمع الزغاوة الذي ينتمي إليه.

في عام 1989، عندما شعروا أن دورهم سيأتي أيضًا، شن ديبي وزميله حسن جاموس تمردًا. قُتل جاموس، وهرب ديبي مرعوبًا إلى السودان، حيث استقبله سياسيو الزغاوة السودانيون. كان بعضهم قد دعم الانقلاب الذي أوصل عمر البشير إلى السلطة مؤخرًا: فرتبوا دعمًا لحركة الإنقاذ الوطني بقيادة ديبي من المجلس العسكري الإسلامي العسكري في السودان. والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن المتمردين التشاديين حصلوا أيضًا على دعم ليبيا، ثم فرنسا.

كان الداعمون الثلاثة أعداء لكن لديهم مصلحة مشتركة في الإطاحة بحبري، الذي يعتبرون قربه من الولايات المتحدة تهديدًا لهم. اعتبرت باريس الولايات المتحدة منافسًا يحاول أن يطأ قدمه في فنائها الخلفي الأفريقي – وهو نفس السبب الذي دفع فرنسا إلى دعم نظام الهوتو الذي مارس الإبادة الجماعية في رواندا.

دولي

منذ شهر
«المونيتور»: صراع تركي مصري على النفوذ في تشاد

في عام 1990، بعد ما لا يزيد عن عام من القتال، زحف ديبي إلى نجامينا. إن وعده باستبدال حبري بالحكم الديمقراطي (كانت كلماته الأولى بعد تنصيبه رئيسًا هي: لا أجلب لكم الذهب ولا المال ولكن الحرية) جلب له دعمًا واسعًا من المجتمعات التي عانت من القمع ومن المعارضين في المنفى الذين اعتقدوا أن ديبي لا ينوي البقاء في السلطة.

لقد فهم ديبي حقبة ما بعد الحرب الباردة – يؤكد توبلانا – فعرف أن عليه تقديم تنازلات لدعوات الغرب للديمقراطية في أفريقيا. أنشأ لجنة تحقيق في جرائم حبري (التي أدى تقريرها إلى الحكم بالسجن المؤبد على الديكتاتور السابق من قبل محكمة دولية في عام 2016)، وسمح بتشكيل عشرات الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وثار غضبه عندما أهانته الصحف المعارضة. وفي عام 1993، نظم أيضًا مؤتمرًا وطنيًا صاغ دستورًا ديمقراطيًا.

الانقلاب على الديمقراطية

بدأت الوعود تتلاشى سريعًا. على مر السنين، اختير قادة في المعارضة والشخصيات الموهوبة لشغل المناصب. وأصبح محامي حقوق الإنسان جان برنارد باداري والصحفي التلفزيوني المعروف حسن سيلا المتحدثين باسم الحزب الحاكم والحكومة؛ وتوقف الممثل الكوميدي الشعبي هيكل زكريا عن السخرية من جيش ديبي ليصبح وزيرًا للشباب وعقيدًا حقيقيًا. وعين المخرج السينمائي محمد صالح هارون وزيرًا للثقافة لفترة وجيزة. اختفت شخصيات أكثر تهديدًا، مثل المدافع عن حقوق الإنسان جوزيف البهيدي وزعيم المعارضة ابن عمر محمد صالح، على أيدي قوات الأمن.

Embed from Getty Images

أما بالنسبة لـ«الذهب والمال» الذي لم يعد بهما – يضيف توبلانا – فقد ظلت تشاد في قاع مؤشرات الترتيب الاقتصادي كافة. بدأ ديبي في استخدام أموال النفط لشراء أسلحة لمحاربة المتمردين، بما في ذلك أبناء عمومته، الإخوة إرديمي، في مثال رائع على لعنة النفط.

وفي عام 2016 في أم جرس، لم ينكر أقارب ديبي قلقهم. كانت أسعار النفط منخفضة جدًا لدرجة أنه لم يكن يستحق الاستخراج من باطن الأرض، وكانت أسعار الذهب مرتفعة جدًا لدرجة أن حتى قوات النخبة في أم جرس كانت تنشق للعمل في تعدين الصحراء. مع إحباط مجتمع ديبي نفسه، لاحت جميع أسباب الإطاحة به في الأفق بالفعل.

بعد بضعة أسابيع، حدثت فضيحة أكبر عندما اتهمت تلميذة تبلغ من العمر 17 عامًا العديد من أبناء قيادات النظام بالاغتصاب. أدى ذلك إلى تعبئة غير عادية على وسائل التواصل الاجتماعي واحتجاجات في جميع أنحاء تشاد. يؤكد توبلانا أنه حضر المؤتمر الصحفي الذي عقدته الناجية في باريس. هناك، من بين شخصيات معارضة مختلفة، تعرف على محمد مهدي، الذي كان يتنقل بين فرنسا، حيث كان لاجئًا، وليبيا، حيث كان زعيمًا للمتمردين.

في داكار، طلب ديبي من الفرنسيين أن يقودوا تدخلاً دوليًا ضد الإرهابيين الذين انتشروا، حسب قوله، عبر ليبيا منذ اغتيال الناتو للقذافي في عام 2011. ووفقًا لمهدي، رأى التحالف الهش الذي يسيطر على غرب ليبيا طلب ديبي كإعلان حرب. فأجروا اتصالات على الفور مع المعارضين التشاديين، وتم إرسال مهدي إلى ليبيا لاستعادة السيطرة على المتمردين التشاديين غير المنظمين الذين بقوا على قيد الحياة كبنادق مأجورة في ليبيا. ثم عاد بعد أيام قليلة. هناك، فرض نفسه زعيمًا لمتمردي جوران بشكل جزئي فقط؛ حيث قاد مهدي واحدة فقط من ثلاث مجموعات: جبهة التغيير والوفاق في تشاد (FACT).

في عام 2017، عندما وصلت الحرب بين حكومة طرابلس والمشير خليفة حفتر إلى وسط ليبيا، حيث مقر جبهة التغيير والوفاق في تشاد، اتخذ مهدي قرارًا غريبًا. فعندما دخل حفتر المنطقة – يكشف توبلانا – بدلًا من الانسحاب مع حلفائها الليبيين، بقيت الجبهة وتفاوضت على اتفاق عدم اعتداء مع الوافدين الجدد. على عكس المتمردين التشاديين الآخرين، وجدت قوات مهدي نفسها محاصرة على نفس الجانب من الصراع الليبي الذي تدعمه تشاد وفرنسا. لم يكن مهدي متفائلًا، كما شعر بالضغط الفرنسي. وفي العام نفسه جمدت باريس أصوله المالية متهمة إياه بـ«التحريض على الأعمال الإرهابية وتسهيلها».

ومما زاد من مرارة مهدي، أن المرسوم اتخذ في عهد الرئيس الفرنسي آنذاك فرانسوا هولاند – وهو عضو مثله في الحزب الاشتراكي الفرنسي.

فرنسا تساعد ديبي في حربه

في عام 2012، وهو العام الذي انتُخب فيه هولاند، سيطرت الجماعات الجهادية على شمال مالي، فقرر الرئيس الجديد التدخل. لقد احتاج إلى حلفاء أفارقة، وكان ديبي على استعداد لإقراض قواته – التي تعتبر الأفضل إن لم تكن الوحيدة القادرة. نسي الرئيس الاشتراكي رفاقه التشاديين وتم إبرام الصفقة. فوجد ديبي ريعًا ماليًا وسياسيًا أفضل من النفط. وقيل إن أول أنصار ديبي في باريس هم زملاؤه الضباط، ليتبنى وزير دفاع هولاند جان إيف لودريان وجهات نظرهم. في عام 2017، تخلى لو دريان عن الاشتراكيين لدعم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وأصبح وزيرًا للخارجية وتأكد من الحفاظ على سياسة باريس المؤيدة لديبي.

وعلى الرغم من الإشادة بالجيش التشادي في الخارج – يواصل توبلانا كلامه – فإن المعارضة تنامت داخل تشاد. عندما أعلن يايا ديلو دجيرو، ابن عم ديبي، أنه سيرشح نفسه لمنصب الرئيس ضد «مارشال تشاد» في فبراير، جرى نشر الدبابات لاعتقاله، فقاوم وهرب.

وفي 11 أبريل، أعيد انتخاب ديبي بنسبة 80% المعتادة. في اليوم نفسه، بعد أن أبلغت قوات الجبهة فرنسا رغبتها في حياد باريس، غادرت ليبيا متوجهة إلى تشاد، وهي مجهزة على نحو مفاجئ بما يقرب من 300 شاحنة مدججة بالسلاح.

Embed from Getty Images

ومع قيام الطائرات الفرنسية بتزويد قوات ديبي بمعلومات استخبارية ثمينة – يقول توبلانا – جرى اعتراض المتمردين على بعد 180 ميلًا من العاصمة التشادية. كانت الخسائر فادحة على كلا الجانبين، حيث قتل العديد من الجنرالات التشاديين. ذهب الرئيس البالغ من العمر 68 عامًا إلى الجبهة لحشد قواته كما فعل في كثير من الأحيان. وفي 20 أبريل، أعلن عن وفاته متأثرًا بجروح أصيب بها في المعركة. لكن رواية أخرى متداولة: لقد أصيب بالجروح خلال مشاجرة مع لواء ساخط، قتل هو الآخر، بحسب الكاتب.

على الرغم من سنوات من التوقعات الرهيبة، بدت كل من دائرة ديبي المقربة وفرنسا غير مستعدين لنهاية تحالفهما. تولى السلطة مجلس عسكري انتقالي يتألف من 15 رجلًا من جهاز الأمن التابع لديبي ويرأسه ابنه محمد «كاكا»، وهو جنرال في الثلاثينيات من عمره يزعم أن والده صادق عليه وهو على فراش الموت. في الواقع – يكشف توبلانا – كان انقلابًا: علق المجلس العسكري الانتقالي الدستور وحل البرلمان والحكومة. ورفض عروض وقف إطلاق النار والمحادثات من قبل المتمردين ووصفهم بـ«الإرهابيين وقوى الشر وأتباع الظلام».

اعترفت فرنسا على عجل بالمجلس العسكري الانتقالي. وبرر لو دريان خرق الدستور «لأسباب أمنية استثنائية». في جنازة ديبي في نجامينا، أكد ماكرون أن فرنسا «لن تدع أي شخص يهدد استقرار تشاد» قبل دفن جثة «صديقه المخلص» في أم جرس. ووسط إشاعات عن عودة 1200 جندي تشادي في منطقة «الحدود الثلاثة» بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو إلى ديارهم، كانت فرنسا قلقة من أن انتقال السلطة سيجعل الجيش التشادي غير قادر على التدخل في الخارج. لكن كاكا طمأن باريس في أول خطاب ألقاه: على الرغم من «طيور نذر الشؤم والرسائل الكاذبة»، فإن تشاد ستفي بالتزاماتها. حتى سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، ليندا توماس جرينفيلد، أدلت بكلمات لطيفة بحق الديكتاتور المتوفى.

دولي

منذ شهر
«الدكتاتور الشجاع».. إدريس ديبي رئيس تشاد الذي قُتل في ساحة القتال

قُمعت الاحتجاجات في جميع أنحاء تشاد، التي شهدت حرق الأعلام الفرنسية، مما أسفر عن مقتل ستة على الأقل. وأشار الاتحاد الأفريقي إلى ضرورة احترام الدستور. تراجع ماكرون بشكل أخرق: فقد أدان قمع الاحتجاجات ورفض توريث المنصب. بدأت فرنسا في تسمية المجلس العسكري الانتقالي بـ«الطغمة الحاكمة» وطالبت بتعديل ميثاقه.

لفترة طويلة – يشير توبلانا – ظلت رؤية فرنسا قصيرة النظر وعسكرية بحتة: فلم تكن تشاد أكثر من مجرد مزود للقوات للحروب الإقليمية. وقد استخدم ديبي ذلك للتشبث بالسلطة.

قد يكون موته المفاجئ أخيرًا فرصة للحوار والتغيير. يمكن أن تساعد باريس إذا كانت مستعدة لتحويل دعمها العسكري غير المشروط إلى ضغط سياسي. إذا جددت فرنسا مع المجلس العسكري الجديد نفس الصفقة التي أبرمتها مع ديبي – مقاتلون مقابل دعم سياسي ومالي وعسكري – فإنها ستفوت نقطة التحول التي طال انتظارها، بأن يصبح التغيير الديمقراطي في تشاد حقيقة واقعة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد