نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تحليلًا للكاتب إيشان ثارور، المتخصص في الشؤون الخارجية والجغرافيا السياسية، سلَّط فيه الضوء على الأوضاع في لبنان بالتزامن مع الذكرى السنوية الأولى لانفجار مرفأ بيروت، مؤكدًا أن مقامرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في لبنان باءت بالفشل وكانت بلا طائل وعديمة الجدوى.

انفجار مرفأ بيروت.. الذكرى الأولى

استهل الكاتب تحليله بالتذكير بما شاهده العالم في لبنان قبل عامٍ من رعبٍ وفزعٍ بعدما مزَّق انفجار هائل مرفأ بيروت، وامتد تأثيره إلى سائر أنحاء العاصمة اللبنانية. وأسفر الانفجار عن تدمير منازل سكان بيروت بأعداد لا حصر لها، ومنها منزل زملاء الكاتب من الصحافيين، وتحطيم نوافذها من جرَّاء حريق شبَّ في أحد مخازن مرفأ بيروت، وكان به مخزون ضخم من مادة نترات الأمونيوم التي أغفلتها السلطات اللبنانية وغضَّت الطرف عنها. وخلَّف الانفجار وراءه أكثر من 200 قتيل وآلاف الجرحى ودمار في أجزاء كبيرة من مدينة بيروت، بالإضافة إلى خسائر وأضرار تُقدر قيمتها بـ5 مليارات دولار.

عربي

منذ شهر
في ذكرى انفجار مرفأ بيروت.. هذا أهم ما وصلت إليه التحقيقات حتى الآن

يقول الكاتب إن الانفجار، الذي حدث في يوم 4 أغسطس (آب) ويُعد واحدًا من أكبر الانفجارات غير النووية التي شهدها العالم في التاريخ الحديث، يمثل التجسيد الأكثر عمقًا لسلسلة من الأزمات والكوارث التي تعاني منها هذه الدولة الصغيرة، بدايةً من أزمات اللاجئين ومرورًا بالإدارة المخزية لشؤون الحكم، ووصولًا إلى الفوضى المالية التي أصبح الاقتصاد اللبناني بسببها في حالة سقوط حر. وكان لبنان على الدوام على حافة الانهيار، وفي يوم ساطع الشمس من العام الماضي، عندما كانت سحابة وردية عالية في جو السماء تلوح في الأفق فوق شاطئ بيروت، بدا لبنان وكأنه ينزلق نحو تلك الحافة.

ماكرون المُنقذ!

ويُوضح الكاتب أنه بعد وقوع الانفجار، سارع شخصٌ ما بكل وضوح إلى عرض مساعدته وإنقاذ البلاد. إذ وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المستعمرة الفرنسية السابقة بعد مرور يومين فقط على الانفجار. وقُوبل بترحابٍ شديدٍ من سكان بيروت الغاضبين من نُخَبهم السياسية التي أدَّى فسادها وإهمالها الواضحان إلى وقوع الكارثة. وفي زيارته الثانية بعد أسابيع قليلة فحسب، اختار ماكرون الذهاب أولًا إلى فيروز، المطربة اللبنانية الشهيرة التي يُنظر إليها على أنها رمز لتوحيد الشعب اللبناني أكثر من أي شخص آخر اختارته الفصائل السياسية المتناحرة. وتحدث الرئيس الفرنسي إلى محطة تلفزيونية محلية بعدما قدَّم لفيروز وسام جوقة الشرف، وهو وسام الاستحقاق الأعلى في فرنسا، قائلًا إن: «فيروز تُمثل قصصَ الحب التي لطالما حلم بها لبنان وأحبَّها».

Embed from Getty Images

ووعد ماكرون بتقديم المساعدة والدعم لدفع الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي يحتاج إليها لبنان بشدة. وزرع شجرة الأرز (الرمز الوطني للبلاد) وأعلن عن «نهضة جديدة» في لبنان. وخلال مقابلته مع مجلة «بوليتيكو» الأمريكية، أعاد الرئيس الفرنسي صياغة جملة كتبها الفيلسوف الماركسي الإيطالي أنطونيو جرامشي، قائلًا إن: «الجديد يُواجه صعوبة في الظهور والإعلان عن نفسه، بينما يواصل القديم محاولاته للبقاء. وينبغي لنا أن نجد طريقًا للخروج من الأزمة، وهذا ما أحاول فعله». 

ماكرون يستسلم للأمر الواقع في لبنان

واستدرك الكاتب قائلًا: بيد أن ماكرون، الذي نصَّب نفسه راعيًا لميلاد لبنان جديد، بعد شهور لم يكن لديه الكثير ليقدمه. وسريعًا ما أحاطت السخرية بمقامراتِه؛ إذ سَخَر مراقبون من ماكرون لأنه يحظى بشعبية في بيروت أكبر بكثير من شعبيته في العاصمة الفرنسية باريس، والتي يُواجه فيها اختبارًا قاسيًا للاحتفاظ بالسلطة في انتخابات العام المقبل. وبالفعل، بدا بوضوح أن تأثيره محدود عندما تناحرت الفصائل السياسية اللبنانية، وفشلت في تشكيل حكومة جديدة في الموعد النهائي المحدد بحلول منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي. وفي لبنان حاليًا، يتولى نجيب ميقاتي، رجل الأعمال والملياردير اللبناني، رئاسة حكومة تسيير الأعمال، وهي الحكومة الرابعة منذ وقوع انفجار مرفأ بيروت.

وأعرب ماكرون مرارًا وتكرارًا عن خيبة أمله في النخبة السياسية اللبنانية التي قدَّمت مصالحها الشخصية الضيقة على المصلحة العامة للبلاد. وصبَّ ماكرون جام غضبه على جماعة «حزب الله» تحديدًا، الفصيل الشيعي اللبناني القوي الذي تربطه صلات وثيقة بإيران، والمتحالف مع الرئيس المسيحي الماروني ميشال عون. لكن الرئيس الفرنسي لا يتمتع إلا بنفوذ ضئيل يمارسه على هذه الأطراف الفاعلة، وفي النهاية فرض ماكرون عقوبات هزيلة على عددٍ من السياسيين اللبنانيين المرتبطين بادِّعاءات الفساد.

وفي هذا الصدد، يستشهد الكاتب بما صرَّح به سمير جعجع، أحد السياسيين المؤثرين المناهضين لحزب الله والقائد العسكري السابق، لصحيفة «فاينانشيال تايمز» بشأن محادثات الرئيس الفرنسي في بيروت العام الماضي، قائلًا إن: «ماكرون رد على 1001 سؤال. لكنني لم أستطع الحصول على شيء ملموس من إجاباته. لأن كل ما أراده ماكرون هو أن يكون لطيفًا مع الجميع حتى يتوصَّل إلى اتفاق».

وبعد أشهرٍ، أبدى ماكرون درجةً من القبول بالأمر الواقع والتسليم له نوعًا ما؛ إذ قال في يونيو (حزيران) الماضي، إننا: «ما زلنا نولي لبنان الاهتمام، لكن لا يمكنني تغيير هؤلاء الذين يهيمنون على نظام الحكم فيه بكل عيوبه وأزماته. وأتمنى أن يعود إلى البلاد حسُّ المسؤولية التي كانت مفقودة منذ عدة أشهر، لأن الشعب اللبناني يستحق ذلك». ومع ذلك، سيستضيف ماكرون مؤتمرًا آخر في باريس لتمويل لبنان المُثقل بالديون.

أموال ماكرون تنقذ النخبة السياسية الفاسدة

ويُشير الكاتب إلى أن انفجار مرفأ بيروت أثار ردود فعلٍ اجتماعيةٍ عنيفةٍ، مع اندلاع موجة جديدة من الاحتجاجات التي تعصف بالبلاد. وحاولت منظمات المجتمع المدني اللبناني وغيرها من المنظمات غير الربحية على حدٍّ سواء سد الثغرات التي خلَّفتها الحكومة الفاشلة، مع المطالبة بضرورة تحقيق الإصلاح السياسي الشامل للنظام الذي يُعد أحد الثمار النَّكِدة للانقسامات العِرقية والدينية بعد الحرب الأهلية الدموية التي شهدتها البلاد.

Embed from Getty Images

وفي السياق ذاته، يرى بعض المحللين أن دخول ماكرون في الصراع السياسي اللبناني منح النخبة السياسية اللبنانية بعض الغطاء. يقول نزار غانم، المؤسس المشارك لمركز أبحاث «تراينجل كونسالتينج» اللبناني للاستشارات، لمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية في وقتٍ سابقٍ من هذا الصيف: إن «التدخل الفرنسي منح النخبة السياسية الوقت اللازم للقضاء على الزخم الذي اكتسبته الاحتجاجات بعد الانفجار. وفي الوقت الراهن، تستمر معاناة الشعب اللبناني، ويريد الفرنسيون تقديم المساعدة، ولذلك سيوفرون بعض الأموال لحل بعض المشكلات، ولن تنقذ هذه الأموال سوى السياسيين أنفسهم، وسنظل في الحلقة المفرغة والدوامة نفسها».

انهيار لبنان.. وتيرة متسارعة

ويخلص الكاتب إلى أن لبنان يعيش أسوأ أيامه بعد مرور عامٍ على انفجار مرفأ بيروت. وأشار ثارور إلى ما كتبه نادر درغام الأسبوع الماضي أن «انهيار لبنان يسير بوتيرة متسارعة. وفقدت العملة اللبنانية أكثر من 90% من قيمتها، ما أدَّى إلى إفقار الملايين. وأصبح الحصول على الغذاء والدواء أمرًا نادرًا. ونفد الوقود في لبنان بالكامل تقريبًا، ما شلَّ حركة النقل وترك الأثرياء أنفسهم، الذين لديهم القدرة على شراء المولدات، لا يستطيعون تشغيلها».

عربي

منذ شهرين
«نيويورك تايمز»: كيف تسبب رياض سلامة في انهيار الاقتصاد اللبناني؟

وفي الوقت نفسه، شاهد كثير من أبناء الطبقة الوسطى في لبنان مدخراتهم في البنوك تتبخر أمام ناظريهم بالتزامن مع انهيار الليرة اللبنانية، ورحل آلاف من العائلات من البلاد في صورة نزوح جماعي جزئي. ويعاني هؤلاء الذين اختاروا البقاء في البلاد من النقص المزمن في الوقود والكهرباء. وأفادت منظمة «أنقذوا الأطفال» أن هناك حوالي مليون شخص في بيروت، أي نسبة 15% من إجمالي سكان لبنان، لا يستطيعون تحمل تكاليف السلع الأساسية، مثل الطعام والمياه ومواد النظافة.

ويختتم الكاتب تحليله بالإشارة إلى أن البنك الدولي أعلن في يونيو (حزيران) أن الأزمة الاقتصادية والمالية في لبنان تُعد واحدةً من أسوأ الأزمات التي يشهدها العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر. كما حذَّر من أن «الجمود السياسي المستمر وغياب السلطة التنفيذية التي تعمل بكامل طاقتها» سيؤدي إلى مزيدٍ من تقويض «السلام الاجتماعي الهش أصلًا» في لبنان.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد