نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرًا أعدَّه الصحافي آدم نوسيتر، مدير مكتب الصحيفة في العاصمة الأفغانية كابول، موضحًا الدور الذي يلعبه حاليًا وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان، الذي أصبح أداة ناجحة بالنسبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون؛ بسبب استجابته للدعوات المتزايدة لفرض قوانين أكثر صرامة عقب سلسلة الهجمات الإرهابية التي ضربت فرنسا.

استهل الكاتب تقريره مشيرًا إلى أن وزير الداخلية جيرالد دارمانان قد شنَّ حربًا على ما يَصِفه بـ«الإسلاموية»، والأقسام المخصصَّة للطعام الحلال في المحلات التجارية؛ إذ بدأ ما وصفه بـ«عملية واسعة النطاق» ضد 76 مسجدًا في فرنسا، وسعى إلى تجريم تصوير ضباط الشرطة. وكان الوزير قد صرَّح بأنه يُصاب بحالة من الضيق حدَّ الاختناق، حينما يسمع مصطلح «عنف الشرطة» ساخرًا من الدعوات المناهضة للأعمال الوحشية التي ترتكبها الشرطة، والتي بدأت في الولايات المتحدة، وتردد صداها في جميع أنحاء العالم.

لا يمكن أن يستغني عنه ماكرون

ويقف وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان في خضم أزمة سياسية ثلاثية الأبعاد، والتي تعصف بالمراحل الأخيرة من ولاية إيمانويل ماكرون الرئاسية، وهي: الإسلام، ووحشية الشرطة، وحرية الصحافة، لكن ليس هناك ما يشير إلى أن السيد دارمانان يرزح تحت أي ضغط.

Embed from Getty Images

وأشار الكاتب إلى أن السيد دارمانان، البالغ من العمر 38 عامًا، ظهر هذا الأسبوع على غلاف مجلة «باري ماتش»؛ وهي إشارة مؤكدة إلى أنه خرج من فقاعة باريس السياسية، ودخل إلى الضمير العام. وكان العنوان «التعميد بالنار»، وهو العنوان الرئيس في المجلة الأسبوعية الأكثر قراءةً، والذي يجمع بين الأخبار والتغطية الواسعة لأخبار المشاهير، وكانت إلى جانبه صورة مطروحة للوزير يبدو مُستغرقًا في التفكير.

لقد أصبح السيد دارمانان، الوزير المسؤول عن الشرطة الفرنسية، مذمومًا في أوساط اليساريين، ولا يثق به زملاؤه اليمينيون السابقون، ولا يمكن لماكرون أن يستغني عنه مطلقًا، في الوقت الذي يُطالب فيه غالبية الفرنسيين بفرض قوانين وقيود صارمة من أجل مواجهة ما يصفه الرئيس بـ«الإسلاموية» التي أعقبت سلسلة من الهجمات الإرهابية.

يقول بوريس فالود، الاشتراكي البارز في البرلمان الفرنسي، في إشارة إلى السيد دارمانان: «بالنسبة لإيمانويل ماكرون، (دارمانان) الضمان له في التيار اليميني» مضيفًا: «إن هناك مطالبات الآن لفرض النظام. أما في مجال الحريات العامة والدين، فإنه يترك وزيره كي يتصرف كيفما يشاء، حتى تحين اللحظة التي يوقفه فيها». وحتى الآن لم يأمره بالتوقف على نحو جدي.

نقطة التقاء مثاليَّة

ولفت الكاتب إلى أن ماكرون وجد في دارمانان الشرس والطموح نقطة التقاء مثاليَّة بين الرجل والظروف السياسية الراهنة، استجابةً لتحول فرنسا الحاد إلى اليمين. لقد قتل جهاديون مستقلون مواطنين فرنسيين. ووصل السيد دارمانان إلى هناك لتفتيش المسلمين المشتبه تورطهم في أعمال التطرف، واستجوابهم. والشرطة الفرنسية متهمة بالوحشية والعنصرية في سلسلة من حوادث العنف. والسيد دارمانان موجود للدفاع عنهم، ويُصر على أنهم بحاجة إلى معدات وظروف عمل أفضل فحسب.

حقوق إنسان

منذ شهرين
«بلومبرج»: وزير الداخلية الفرنسي المعادي للمسلمين.. من هو جيرالد دارمانين؟

وقال دارمانان خلال جلسة للبرلمان عُقدت الأسبوع الماضي: «نحن مدينون لهم بالاعتذار عن الطريقة التي وضعناهم بها في الشوارع أثناء قيامنا بعمل صعب للغاية». كما انتقد بقسوة مقطع الفيديو «الذي لا يمكن وصفه» لرجال الشرطة وهم يضربون منتج موسيقى أسود في باريس هذا الشهر، والذي انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، وجلب دعوات جديدة للتصدي لعنصريَّة الشرطة ووحشيتها، لكنه أصر أيضًا على أنه كان مجرد عمل «فردي». كما قال: «إن الشرطة تعاني في الغالب من نقصٍ في التدريب».

أداءٌ مشابه لأداء ماكرون

وبحسب التقرير أُقِيل وزير الداخلية السابق، كريستوف كاستانير، من منصبه خلال الصيف بعد أن ألمح إلى أن هناك عنصرية في جهاز الشرطة؛ مما أثار حفيظة النقابات. ومما لا شك فيه أن دارمانان لا يواجه مثل هذه المجازفة، ومن ثَم يجب عليه الآن الرد على غضب تلك النقابات من الرئيس ماكرون لجرأته على تقديم اقتراحات مماثلة خلال اللقاء الذي أجراه الأسبوع الماضي مع الموقع الإخباري، بروت، على شبكة الإنترنت.

Embed from Getty Images

وقد جاء أداء الوزير أمام البرلمان مهدئًا لنقابات الشرطة القوية، كما كان مطمئنًا لناخبي ماكرون الأساسيين من تيار اليمين، كما عبَّر عن احترامه لأولئك الذين أزعجهم العنف. وهذا الأداء لا يمكن أن يساعد إلا في تقدُّم ذلك المُتلوِّن السياسي (دارمانان)، ذلك الذي يعتقد كثيرون أن قصر الإليزيه الرئاسي هو هدفه النهائي. وفي بعض النواحي جاء أداء السيد دارمانان مشابهًا لأداء الرئيس ماكرون المتغير، حيث كان دائمًا ما يقف في منطقة رمادية بين اليسار واليمين.

وأضاف الكاتب أن السيد ماكرون كان حريصًا جدًّا على الاحتفاظ بالسيد دارمانان – الذي كان وزيرًا للعمل والحسابات العامة قبل تعيينه في منصب وزير الداخلية في يوليو (تموز) – لدرجة أن الرئيس تغاضى عن تهمة الاغتصاب الموجهة ضد الوزير عام 2009، والتي لم تزال قيد التحقيق.

وأخبر السيد ماكرون أحد المحاورين هذا الصيف أن «الأمر ليس من اختصاصه» أن يقرر ما إذا كان من الممكن إعادة فتح التحقيق. وفيما يخص اتصالاته مع السيد دارمانان، قال إن «هناك أيضًا علاقة تتسم بالثقة بينهما؛ علاقة رجل لرجل».

شخص يتكيف مع ظروفه بمثالية

وألمح الكاتب إلى أن هذه الكلمات وتعيين السيد دارمانان وزيرًا للداخلية أثارت غضب الحركات النسائية المناصرة للمرأة بفرنسا، وانتشرت المظاهرات لعدة أيام التي تلاشت وسط اللامبالاة العامة. وتشير وثائق المحكمة والشهادات في القضية إلى أن السيد دارمانان، قبل أن يصبح وزيرًا، استغل منصبه في السلطة للدخول في علاقات جنسية مع امرأة كانت تسعى للحصول على مساعدته الرسمية. واعترف السيد دارمانان بعلاقته بالمرأة، لكنه قال: إنها كانت بالتراضي بينهما.

وأضاف الكاتب إلى أن هذه القضية جرى تجاهلها إلى حد كبير، وحصل محامو الوزير مؤخرًا على تأجيل للمثول أمام المحققين. كما انتقل السيد دارمانان إلى مهمة فشلَ سلفه في القيام بها، وهي استرضاء جهاز الشرطة في الدولة التي تتمتع بأعلى نسبة لأعداد أفراد الأمن مقابل عدد السكان في أوروبا. وسيعرف ماكرون جيدًا ما يدين به للشرطة الوطنية الفرنسية؛ منها أن الأساليب الأكثر صرامة التي اتخذتها الشرطة نجحت في القضاء على احتجاجات حركة السترات الصفراء الشعبية ضد إصلاحاته السياسية التي هددت رئاسته عام 2018.

وذكر الكاتب ما قاله بيير ماثيو، مدير معهد الدراسات السياسية في مدينة ليل، حيث كان السيد دارمانان طالبًا، ويعرفه منذ عدة عقود: «دارمانان شخص يتكيف مع ظروفه بصورة مثيرة للإعجاب». وأضاف: «لذلك فَهِم أنه يجب أن يكون وزيرًا للشرطة، وألا يكون من الأشخاص الذين لهم علاقة بهم. إنه يستغل هذه الأزمة للحصول على مزيد من المزايا لصالح الشرطة أكثر مما حصل عليه كاستانير». وأضاف أن السيد دارمانان سيستخدم القيود المقترح تطبيقها على المواطنين الذين يصوِّرون ضباط الشرطة من أجل الحصول على مزيد من التمويل للشرطة.

توجُّههُ السياسي

ونوَّه الكاتب إلى محاولة النقاد جاهدين تحديد التوجُّه السياسي للسيد دارمانان، وهذا الأمر الغامض يؤكد مدى فائدة دارمانان بالنسبة لماكرون، الذي وقف هو نفسه على مسافة متساوية من اليمين واليسار على الساحة السياسة الفرنسية. هل دارمانان منحاز للتيار اليميني؟ أم إلى تيار الوسط؟ أم ينحاز قليلًا إلى التيار اليساري بسبب خلفيته العائلية المتواضعة؟

يقول السيد ماتيو: «من الصعب معرفة ما إذا كان مستبدًا أم لا. لكنني لا أعتقد أنه يختلف عن ماكرون».

ولا يُعد السيد دارمانان بالتأكيد من النخبة الاقتصادية أو التعليمية الذين يشغلون مناصب مساعدي الرئيس. وقد كان والده يدير مطعمًا صغيرًا في المنطقة الصناعية الشمالية، وكانت والدته عاملة نظافة في البنك المركزي الفرنسي. وحارب جد السيد دارمانان (جده لأمه مسلم من أصول جزائرية) مع الفرنسيين في حرب الاستقلال الجزائرية؛ اسمه الأوسط موسى (جيرالد موسى دارمانان).

Embed from Getty Images

لم يسمح مساعدو دارمانان بإجراء أي لقاءات معه، ولم يستجب ستة من زملائه البرلمانيين السابقين في حزب يمين الوسط الذي كان ينتمي إليه سابقًا لطلبات المقابلة، على الرغم من أن عددًا منهم قد عبَّروا عن شعورهم بالحنق تجاهه بسبب التخلي عنهم للانضمام إلى رَكْب السيد ماكرون.

يقول أحد كبار مساعدي السيد دارمانان في إحدى المقابلات: «إنه ينتمي إلى الطبقة العاملة، ويؤمن بفكرة أنه يجب عليك أن تتحدث إلى الناس أكثر. إنه تجسيد للطبقة العاملة المنتمية للتيار اليميني». وطلب المساعد عدم ذكر اسمه بموجب القواعد الأساسية السائدة في الوزارات الفرنسية.

وحتى اللحظة التي عينه فيها ماكرون لأول مرة عام 2017، كانت مؤهلاته السياسية لا تشوبها شائبة بالنسبة لليمين الفرنسي. وكان مديرًا لحملة الرئيس السابق نيكولا ساركوزي في محاولته الفاشلة لاستعادة منصبه في الانتخابات التي أُجريت عام 2017؛ عمدة مدينة توركوان، وهي مدينة صناعية قذرة تقع في الشمال، كما كان الممثل البرلماني عن حزب يمين الوسط الرئيس في فرنسا من قاعدته في الشمال.

دولي

منذ شهر
«ذي إنترسبت»: تصعيد ماكرون لصدام الحضارات لن يوقف الهجمات الإرهابية

لقد جاء خلفًا للسياسي كريستيان فانيست، الذي منحه بدايته السياسية بوصفه متدربًا، وأُجبر لاحقًا على الخروج من الحزب – قال السيد فانيست إنه استقال – بسبب كراهيته الصارخة للمثلية الجنسية. واغتنم السيد دارمانان الفرصة وترشح ضد فانيست وفاز. ولم يسامحه السيد فانيست مطلقًا.

يقول السيد فانيست: «إنه انتهازي، وبائس للغاية. لقد خانني، هذا كل شيء. كان يجب ألا تعض اليد التي أطعمتك».

واختتم الكاتب تقريره قائلًا: إن البعض الآخر لديه وجهة نظر أكثر دقة إلى حد ما. يقول النائب تشارلز دي كورسون أحد المنتمين إلى التيار الوسطي في البرلمان الفرنسي: «يحاول دارمانان اغتنام الفرص المتاحة في الوقت الحالي – للحصول على منصب. وماكرون يحاول استخدامه من أجل سحق التيار اليميني».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد