أصبحت سيطرة الشرطة على الاحتجاجات في فرنسا قمعية وسافرة لدرجة أن الأمم المتحدة نفسها شجبت تلك التجاوزات، لكن بروتوكولًا جديدًا يُظهر أن إدارة إيمانويل ماكرون اختارت تحويل تكتيكات الشرطة العنيفة إلى قاعدة معمول بها.

نشرت مجلة «جاكوبين» صوت اليسار الأمريكي مقالًا لهاريسون ستيتلر، صحافي مستقل ومعلم مقيم في العاصمة الفرنسية باريس، ينتقد فيه تكتكيات الشرطة الفرنسية ضد المحتجين والتي سَعَت الحكومة إلى تقنينها خلال العقد الأخير، والالتفاف على توصيات هيئات قضائية فرنسية كبرى.

وفي مطلع مقاله، يصف الكاتب يومًا من أيام الاحتجاجات الفرنسية قائلًا: إنه مثل أي يوم سبت في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وقد توقف الحشد الذي يبلغ عدة مئات من الأشخاص على طول الشارع، ومن ثم يقوم ضباط الدرك بعتادهم أو قواتهم سيئة السمعة للسيطرة على الحشود عن طريق تثبيت الدروع للعصف بالمتظاهرين، الذين كان هتافاتهم «يا ماكرون، أعلِن استقالتك» يتلاشى داخل الأمواج الهادرة لعبارة «الكل يكره الشرطة»، ودون سابق إنذار، وعلى الرغم من المطلب الرسمي بأن تعلن شرطة مكافحة الشغب تحذيرًا باستخدام وشيك للقوة، يسقط وابل من قنابل الغاز المسيل للدموع وسط حشد من المتظاهرين؛ فيتفرق الحشد بحثًا عن نقطة خروج محتملة وسط شبكة من دروع مكافحة الشغب، في حين يتحدى عدد قليل من الشجعان الأدخنة الحارقة.

ومن وجهة نظر النقَّاد والمعجبين على حد سواء، تُعد مشاهد مثل هذه بمثابة أمثلة على النموذج الفرنسي «للحفاظ على النظام»، وقد يبدو من المبالغة تحديد أي منطق فرنسي بعينه ينص على استخدام قوة الدولة لتفريق مظاهرة شعبية، غير أن حكومة إيمانويل ماكرون الليبرالية ظاهريًّا تعرضت لانتقاداتٍ شديدةٍ من مجموعة من المنظمات الدولية للطريقة التي قمعت بها حركات الاحتجاج السياسي التي تخللت السنوات الأخيرة.

Embed from Getty Images

الأمم المتحدة تحتج

يلفت الكاتب إلى أنه في ذروة حركة السترات الصفراء في أواخر 2018 و2019، حذَّر المجلس الأوروبي الحكومة من خطر – واحتمال عدم قانونية – استخدام الرصاص المطاطي الذي استخدم على نطاق واسع، والذي أدَّى إلى تشويه عشرات المتظاهرين. وفي إدانة نادرة للديمقراطية الغربية، أصدرت ميشيل باشليت، مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، دعوة موجهة للحكومة الفرنسية للجوء إلى الحوار الاجتماعي بدلًا من الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت التظاهرات الكبيرة أصغر حجمًا على الأرض – وهي أحد الآثار الجانبية للجائحة وتذكير بالمخاطر الحقيقية للنزول إلى الشوارع. لكن هيئة الرقابة التابعة للحكومة الفرنسية لا تزال تدق ناقوس الخطر، فقد نشرت هيئة الدفاع عن الحقوق (Défenseur des droits (DDD، وهي هيئة للحريات المدنية يُعيِّن الرئيسُ مديرَها، تقريرًا في 29 نوفمبر (تشرين الثاني)، عن تكتيكات الشرطة للسيطرة على الحشود الكبيرة والاحتجاجات. وعبَّرت الهيئة عن أسفها، بلغة معتدلة يتسم بها أمين المظالم العام قائلةً: «يبدو أن الجهات الفاعلة (المؤسساتية) الفرنسية لا يمكنها التعامل مع المتظاهرين إلا من خلال إطار المواجهة».

دولي

منذ 4 شهور
هل تشهد فرنسا حملة «إبادة نساء» تحت رعاية الدولة؟

ثم يمضي الكاتب إلى أن هذا التقرير الأخير اعتمد على استنتاجات لجنة مستقلة نشرت نتائجها في يوليو (تموز) 2021 ولخَّصها بنفسه. وبمقارنة أساليب السيطرة على الحشود الفرنسية مع تلك التي تستخدمها الدول الأوروبية الأخرى، لاحظ علماء الاجتماع وعلماء السياسة الذين أعدوا الملف أنه في السنوات الأخيرة، أصبحت إحدى الممارسات الشائعة لقوات الشرطة الفرنسية أن «تَعتبر الحشد عنصرًا عنيفًا بطبيعته».

وكان الهدف من صياغة البروتوكول الوطني للحفاظ على النظام (SNMO)، الذي يعني تقنين وزارة الداخلية لبروتوكول سيطرة الشرطة على الحشود الكبيرة، هو الرد على مثل هذه الانتقادات. وبدأ هذه العملية كريستوف كاستانير، وزير الداخلية بين عامي 2018 و2020، وهي الفترة التي شهدت ذروة الحركات الشعبية التي ميزت مرحلة ما قبل الجائحة من رئاسة ماكرون.

ومع ذلك، إذا كان هذا يمثل – بلا شك- استجابة خادعة تجاه دعوات وقف التصعيد، فإن نتائج البروتوكول الوطني للحفاظ على النظام كانت خادعة أيضًا، ونُشرت النسخة الأولى في سبتمبر (أيلول) 2020، ولم ترقَ إلى مستوى آمال دعاة الحريات المدنية وحرية التعبير، وصِيغَت بالكامل داخل التسلسل الهرمي (هيراركية) لوزارة الداخلية، ولذلك حُجِب ذلك البروتوكول عن النقاش العام الذي بدأ عندما تصدرت مشاهد استخدام القوة المفرطة للشرطة ضد المتظاهرين عناوين الأخبار، ولكن على الرغم من أن الوثيقة واجهت معارضة، فإن النسخة الجديدة التي صدرت في 16 ديسمبر (كانون الأول) لم تكن أفضل بكثير؛ إذ دعت إلى تطبيع الإجراءات القمعية المتزايدة التي اتخذتها الشرطة بالفعل في الممارسة العملية.

حشد الشرطة

في الواقع، يُعد البروتوكول الوطني للحفاظ على النظام نتاجًا للتعبئة المكثفة لنقابات الشرطة بقدر ما هو استجابة حكومية للنقاش الوطني حول عنف الشرطة، يقول الكاتب إنه حتى قبل عمليات الإغلاق الصارمة المتعلقة بكوفيد-19 في البلاد اعتبارًا من مارس (آذار) 2020، كانت قوات الشرطة منهكة، حيث امتدت ساعات العمل الإضافية للاستجابة لوتيرة الاحتجاجات المحمومة، كما تراكمت الرواتب المتأخرة. وسعى مشروع قانون «الأمن الشامل» المثير للجدل الذي قُدِّم في أواخر عام 2020، بعد أسابيع من المسودة الأولية للبروتوكول الوطني، من بين أمور أخرى، إلى فرض عقوبة على تصوير ضباط الشرطة بقصد إلحاق الأذى بهم. وانتقد دعاة الحريات المدنية هذا القانون بشدة، وكذلك انتقده المجلس الدستوري في مايو (أيار) 2021.

Embed from Getty Images

ويوضح الكاتب أنه في الشهر نفسه، وقبل أسابيع من إصدار القضاء أول تحدٍّ للبروتوكول الوطني، نظم الآلاف من ضباط الشرطة الفرنسية مسيرة خارج الجمعية الوطنية انتقدوا فيها ظروف العمل، وتراخي النظام القضائي، وتبني وسائل الإعلام موضوع عنف الشرطة، وتحدث ضباط الشرطة الحاضرون ضد ما عَدَّوه افتقارًا عامًّا للاعتراف بعملهم، وهي الشكوى التي وصفها الكاتب بأنها غريبة، لا سيما وأنها أثيرت في فعالية حضرتها شخصيات قيادية من كل الأحزاب الوطنية الكبرى، باستثناء حزب فرنسا الأبية الذي يقوده جان لوك ميلينشون.

ولذلك، ليس من المستغرب بالمرة، بحسب الكاتب، إقرار البروتوكول الوطني لمجموعة التكتيكات القمعية، إلى حد كبير، التي طورتها الشرطة منذ منتصف عام 2010، لا سيما تحت مسمى الحيطة الواجبة والتدقيق الذاتي، تلك التكتيكات التي تتراوح بين استخدام الرصاص المطاطي، والقنابل اليدوية الصاعقة، ونشر وحدات أكثر عدوانية مثل حشود من الجنود الذين يركبون دراجات نارية، بالإضافة إلى تكتيكات قانونية جديدة مثل توجيه الاتهام الفوري ومحاكمة المتظاهرين المشتبه في تخطيطهم لارتكاب أعمال عنف، كما جرى أخيرًا تقنين «النموذج الفرنسي» ليصبح سياسة حكومية.

مجلس الدولة يعترض

وينوِّه الكاتب إلى أنه في قرارٍ صدر في يونيو (حزيران) 2021، أدانت أعلى محكمة إدارية في فرنسا، وهي مجلس الدولة، الصياغة الأولى للبروتوكول الوطني، وبينما أقرت المحكمة صحة البِنية الأوسع للوثيقة، ألغى القُضاة المواد التحريمية في النص التي تتعلق بحقوق الصحافيين في الاحتجاجات، من بينها متطلبات تعريف الصحافيين بأنفسهم بوضوح، وارتداء قطع واقية، ومغادرة المنطقة بمجرد صدور أمر الفض، وانتقدت المحكمة كذلك تكتيك الفخ (kettling) – وهو تكتيك تقوم بموجبه حشود من شرطة مكافحة الشغب بمحاصرة حشد من المتظاهرين في حين تمنع الناس من الهروب – وهو ما وصفه الكاتب بأنه انتكاسة، على الورق على الأقل، لوزارة الداخلية.

وأُعيد إصدار النسخة الثانية المعدلة قليلًا من البروتوكول الوطني في 16 ديسمبر، وكان من المفترض أن تتضمن أوجه قلق المحكمة بشأن حريات الصحافة وحرية التعبير، ومعظم أوجه التراجع اللَّبقة القليلة التي جادتْ بها قريحة وزارة الداخلية والتي تتعلق بحقوق الصحافيين، الذين لن يكونوا مطالبين بمغادرة موقع الاحتجاج وسيكونون مطالبين بتقديم أوراق اعتماد بسيطة كي يتسنى لهم المراقبة والتحرك وسط قوات الشرطة وخلفها، وهذه التعديلات، إلى جانب التعديلات التجميلية لتكتيك الفخ، تكذب روح النص الذي لا يزال يسعى إلى تطبيع التكتيكات القمعية التي جرى تطويرها على مدى نصف العقد الماضي، حيث كان على قوات الشرطة الفرنسية التكيف مع عهد متجدد من الاحتجاج الاجتماعي والتعبئة.

Embed from Getty Images

وعلقت آن صوفي سيمبير من منظمة العفو الدولية في فرنسا قائلة: «إنه لأمر مخزٍ، كان من الممكن أن يكون هذا البروتوكول الجديد وسيلة لفتح صفحة جديدة، للوصول إلى الأسباب الجذرية لحقيقة أن الطريقة التي ندير بها الاحتجاجات أدَّت إلى إصابة آلاف الأشخاص، وقد أقرَّ أول بروتوكول وطني التكتيكات التي جرى تطويرها خلال شتاء 2018 و2019، وهذه المراجعات لا تغير من الأمر كثيرًا».

شيطنة المتظاهرين

يوضح الكاتب أن البروتوكولات الرسمية شيء مستقل بذاته، بينما تعتمد الممارسة الفعلية لعمل الشرطة على الأرض اعتمادًا أكبر على مدى شعور ضباط الشرطة بأنهم مخولون للتصرف، لقد جرى شحن إحساس الشرطة الفرنسية باتساع صلاحياتهم من خلال حملة إعلامية ضد من يُطلق عليهم «casseurs كاسير»، وتعني حرفيًّا «مُحطِّمون»، واصطلاحًا تشير إلى عصابات من العدميين العنيفين الذين يتسللون إلى المظاهرات للتشاجر مع الشرطة وتخريب المتاجر الكبرى، وحذَّر كاستانير منهم في مقطع فيديو نُشِر على مواقع التواصل الاجتماعي في 11 يناير (كانون الثاني) 2019، في اليوم السابق لجولة جديدة من احتجاجات المتظاهرين ذوي السترات الصفراء.

ومن المثير للدهشة، بحسب الكاتب، أن مصطلحًا غير علمي مثل «كاسير» (محطِّمين) جرى استخدامه دون علامات اقتباس في الإصدار الأخير من البروتوكول الوطني، كما لو كان وسيلة جادة لشرح التوترات المتصاعدة في التظاهرات الشعبية. وتعد «كاسير» (محطِّمين) كلمة بديلة في الفرنسية تشير إلى العدو الخارج عن القانون تمامًا، ويشير الكاتب إلى أن الهامش الكبير من المناورة والتأويل الذي انطوى عليه أحدث بروتوكول وطني يصيغه أولئك المكلفون «بالحفاظ على النظام»، هو أمر يقلق المدافعين عن الحريات المدنية، الذين يخشون أن قليلًا من التغيير في ثقافة عمل الشرطة الفرنسية.

صحة

منذ سنة واحدة
محظورة في الحروب.. ما مخاطر أدوات الشرطة لفض الاحتجاجات؟

على سبيل المثال، يتلف أحدث بروتوكول وطني بلباقة على الحظر الذي فرضه مجلس الدولة على نصب فخاخ للمتظاهرين. وتنص الوثيقة على أنه «من أجل تجنب استخدام وسائل إنفاذ القانون التي يمكن أن تشكل مخاطر أكبر لإلحاق الأذى بالأشخاص، قد يكون من الضروري محاصرة مجموعة من المتظاهرين لمنع العنف الخطير والوشيك ضد الأشخاص والممتلكات ووضع حد له».

وإذا بدا أن وزارة الداخلية تستهزئ بمجلس الدولة، فإن الوثيقة توضح توافر «مَخرج خاضع للسيطرة»، وأنه لا يمكن استخدام الفخ إلا خلال «فترة زمنية محددة وضرورية». وبالمثل، يجري تشجيع ضباط الشرطة على «التواصل بانتظام» مع المتظاهرين المحاصرين من أجل «إبلاغهم بالموقف». ومن غير المستغرب أن يختتم هذا البند بالنص على إعطاء حرية مطلقة لضباط الشرطة: «يجب إعادة تقييم إمكانية إتاحة الفرصة (للمتظاهرين) لمغادرة المنطقة المغلقة باستمرار مع حسن التمييز في ضوء استمرار التهديد أو الاضطرابات التي بررت تنفيذ هذا التكتيك». 

استخدام القوة

وقالت آن صوفي لمجلة جاكوبين: «كل شيء يتجه نحو استخدام القوة، وتُقدَّم الاحتجاجات على أنها مخاطرة، وتتحمل الشرطة مسؤولية تأمين الاحتجاجات، لضمان سلامة المتظاهرين، وهُمِّش هذا الدور الإيجابي بالكامل، ومن الواضح أن (الحفاظ على النظام) هو جانب من جوانب أي احتجاج، لكن جعله مركزيًّا كما هو اليوم، في سياق التوترات الكبيرة بين قوات الشرطة والمتظاهرين، ليس هو ما نحتاجه».

Embed from Getty Images

وفي الواقع، وبغض النظر عن دقة النقاط الواردة في بروتوكول الشرطة، فإن الشيء الأكثر إثارة للقلق هو الفلسفة التي يقوم عليها البروتوكول الوطني الجديد من البداية إلى النهاية. وتبرهن قنابل الغاز المسيل للدموع، والرصاص المطاطي الذي يفقأ العين واستخدام تقنيات جديدة مثل الطائرات المسيَّرة، والاعتقال الفوري للأفراد المشتبه فيهم، ونصب الفخاخ للمتظاهرين من أجل التحريض على العنف، ومن ثم تبرير التفريق القسري للمظاهرة… أن وزارة الداخلية أصبحت أجرأ، كما أن المشكلة لا تكمن ببساطة في الترسانة الهائلة من الأسلحة والتكتيكات العدوانية الجديدة التي اكتسبتها أجهزة الشرطة الفرنسية خلال السنوات الأخيرة.

ويختتم الكاتب المقال بقوله: ووفقًا لكاتبي البروتوكول، فإن وجود «عناصر ثورية ومثيرة للفتنة» و«أفراد جيدي التنظيم متطرفين في عنفهم» هو الذي «يشكك بجدية في حرية التظاهر والقدرة على ضمانها»، وفي العالم المقلوب رأسًا على عقب الذي قدَّمه البروتوكول الوطني، يعد المتظاهرين أنفسهم هم أكبر تهديد للحق في التظاهر والاحتجاج.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد