نشرت صحيفة  «واشنطن بوست» تقريرًا للكاتب إيشان ثارور، تناول فيه المعركة الدائرة حاليًا بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والأهداف التي يريد كلا الرئيسين تحقيقها من وراء هذا التصعيد الخطابي.

صراع لا ينتهي

يستهل الكاتب، المهتم بالشؤون الخارجية والجغرافيا السياسية، تحليله قائلًا: قد يكون الزعيمان حليفَيْن في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لكن العلاقة بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لا تتسم بأي قدر من الود على الإطلاق. وعلى مدار العام الماضي، اختلف الرئيسان على نحو واضح على عدد من الجبهات، بدءًا من الحرب الأهلية الليبية، ومرورًا بالصراع بين أرمينيا وأذربيجان وانتهاءً بالنزاعات البحرية المتوترة في شرق البحر المتوسط. لكن ربما يكون الخلاف الأخير بينهما أكثر صور التصعيد حدة حتى الآن.

Embed from Getty Images

وخلال عطلة نهاية الأسبوع، أعرب أردوغان عن استيائه من التعليقات التي أدلى بها ماكرون حول الإسلام. وأعلن الرئيس الفرنسي مؤخرًا حملة مثيرة للجدل لتغيير ممارسة العقيدة (الإسلامية) داخل فرنسا، محذرًا من أن بعض المسلمين في البلاد يروِّجون لمعتقدات تحيد «عن قيم الجمهورية، وهو الأمر الذي يؤدي غالبًا إلى تكوين مجتمع معادٍ». واستدعى هذا الجهد تحركًا عاجلًا أكبر في أعقاب القطع الوحشي لرأس مدرس عرض على الطلاب رسومًا كاريكاتورية للنبي محمد. وعُرِضت هذه الصور على مبانٍ حكومية في بعض المدن الفرنسية في الوقت الذي أعربت فيه الأمة عن حزنها على المعلم المقتول.

وقد شجب أردوغان، الذي ينتقد النفاق الغربي بصورة متكررة ويسعى إلى حَمْل لواء الدفاع عن حقوق المسلمين خارج بلاده، عدم قبول ماكرون لحرية العقيدة. وتساءل أردوغان خلال كلمة ألقاها يوم السبت الماضي: «ما مشكلة هذا الشخص المسمى ماكرون مع المسلمين والإسلام؟». وأضاف: «يحتاج ماكرون إلى علاج نفسي وعقلي». وسبق لأردوغان أن هاجم القدرة العقلية للرئيس الفرنسي مباشرةً قبل عام مضى، بعد أن أعرب ماكرون عن رفضه للتوغل العسكري لأنقرة في شمال شرق سوريا. لكن هذه المرة، عجَّلت اللكمة التي وجهها أردوغان بصدور ردود فعل فرنسية، فسحبت العاصمة الفرنسية باريس سفيرها في أنقرة يوم الأحد الماضي.

غرَّد إيمانويل ماكرون باللغة العربية على حسابه على «تويتر» قائلًا:

«لا شيء يجعلنا نتراجع، أبدًا. نحترم كل أوجه الاختلاف بروح السلام. لا نقبل أبدًا خطاب الحقد وندافع عن النقاش العقلاني. سنقف دومًا إلى جانب كرامة الإنسان والقيم العالمية».

من ناحية أخرى، غرَّد جوزيب بوريل فونتيليس، الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية على «تويتر» قائلًا:

«كلام الرئيس رجب طيب أردوغان عن الرئيس إيمانويل ماكرون غير مقبول. ندعو تركيا إلى وقف دوامة المواجهة الخطيرة».

دعوة تركية لمقاطعة المنتجات الفرنسية

يقول الكاتب: يوم الاثنين الماضي، أعلن أردوغان التحدي. وفي خطاب متلفز، ناشد المسلمين مقاطعة البضائع الفرنسية تضامنًا مع إخوانهم في فرنسا، الذين قال إنهم: «تعرضوا لحملة إعدام مماثلة لتلك التي استهدفت اليهود في أوروبا قبل الحرب العالمية الثانية». وكان لدعوة أردوغان تأثير محدود في أماكن أخرى من العالم العربي. وأصدرت فصائل مختلفة في لبنان، التي يتابع ماكرون إصلاحها السياسي بشغف، تصريحاتٍ تدعو إلى إبداء احترام أكبر للحساسيات الدينية. وأدان مسؤولون في الأردن وباكستان ومصر وإيران الموقف الفرنسي ودفاع ماكرون عن الرسوم الكرتونية التي تُعَد عملًا كُفرِيًّا في الإسلام.

يقول الكاتب: لاحظتْ زميلتي، سارة دعدوش، أنه «بينما ظهرت فجأة بعض الوسوم [على وسائل التواصل الاجتماعي]، ومن بينها عبارات مثل «قاطعوا فرنسا» و«إلا رسول الله»، لم تحظَ الدعوات إلى المقاطعة والاحتجاجات المناهضة للفرنسيين بكثير من الانتباه. لكن البعض استمر في توزيع صور تذكر الشركات الفرنسية لمقاطعتها، مثل تيفال، وديور، وكارفور».

ودعا أردوغان إلى المقاطعة في يوم وصلت فيه العملة التركية، الليرة، إلى مستوًى قياسي منخفض، إذ بلغ سعر تداولها للمرة الأولى ثماني ليرات مقابل الدولار الواحد. وأشارت صحيفة «فاينانشيال تايمز» الأمريكية إلى أن: «السلطات التركية أنفقت حوالي 134 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية عشرة الماضية لدعم العملة المحلية، وفقًا لتقدير بنك جولدمان ساكس». وأضافت: «تسبب هذا الجهد في خسائر فادحة في احتياطيات البلاد من العملات الأجنبية، مما دفع وكالة التصنيف موديز الشهر الماضي إلى التحذير من أن أنقرة استنفدت تقريبًا الهوامش الوقائية التي من شأنها أن تسمح لها بتجنب حدوث أزمة محتملة في ميزان المدفوعات».

هل وجد أردوغان وماكرون ضالتهما المنشودة؟

تشير الصحيفة في تحليلها إلى أن التشابكات الخارجية التركية الأخيرة – بما في ذلك دعمها لأذربيجان في معاركها ضد القوات الأرمينية، والمواجهة المتوترة مع حكومتي اليونان وقبرص حول حقوق التنقيب عن الموارد والتنقيب في أجزاء من شرق البحر الأبيض المتوسط​​ – تمنح أردوغان وسيلة لتوجيه الطاقات القومية وسط تصاعد المشكلات في الداخل. ولا يُعد الخلاف مع ماكرون المرة الأولى التي يشتبك فيها أردوغان مع زعيم أوروبي غربي لإثارة مشاعر أنصاره.

وفي هذا الصدد، يقول جونول تول من معهد الشرق الأوسط لمجلة «توداي وورلد فيو»: «بغض النظر عن مدى إحباط الغرب من تحركات أردوغان التنمرية، لم تستطع الدول الغربية صياغة رد ذي مغزى من شأنه تغيير سلوك أردوغان». وتابع: «لذلك لا يرى أردوغان أي سبب لتغيير المسار. وطالما أنه يرى فرصًا لتلميع أوراق اعتماده القومية والإسلامية والنفخ في الكبرياء الوطني، فلن يلعب بصورة جيدة (على الساحة الدولية)».

Embed from Getty Images

ويرى الكاتب أن لدى ماكرون دوافع محلية واضحة أيضًا من وراء تصريحاته. إذ ربما تساعده تحركاته لتنظيم ممارسة الإسلام داخل فرنسا على تطويق صعود اليمين المتطرف الفرنسي المعادي للأجانب. في الوقت نفسه، ربما يدعم ظهوره بصفته خصمًا رئيسًا لأردوغان الصورة التي يرغب في رسمها لنفسه على أنه مدافع عن المصالح الأوروبية على المسرح العالمي. ولهذا، احتشد عديد من القادة الأوروبيين حول الرئيس الفرنسي في حالة غضب من خطاب أردوغان.

وفي هذا الشأن، يقول بنيامين حداد من المجلس الأطلسي لنشرة «تودايز وورلد فيو» الأسبوعية، التي تصدر عن صحيفة «واشنطن بوست»: «يرى ماكرون أن تركيا الاستبدادية والعدوانية على نحو متزايد تهدد الأمن الأوروبي… ويعتقد أنه يجب على الأوروبيين الرد».

خلاف خارجي لمصالح داخلية

وينقل الكاتب عن أسلي آيدينتاسباس، الباحثة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، قولها: «هذه هي المعركة التي يحلم بها كلاهما». وتابعت: «أن ماكرون وأردوغان وجدا في بعضهما البعض العدو المثالي. ويخدم هذا الخلاف كلا الزعيمين بطريقة غريبة، على المستوى المحلي ومن حيث التأثير الذي يحاولان إظهاره في الخارج».

ويقول كاتب التحليل: في الواقع، ربما يجدان أن مواجهة بعضهما البعض أكثر إرضاءً من مواجهة التحديات القائمة في دولهما. وربما يضطر أردوغان قريبًا إلى حساب عواقب تجاوز السياسة الخارجية بعد عام من المغامرات العدوانية في الدول المجاورة لتركيا. وفي غضون ذلك، يشرع ماكرون في مهمة خيالية إلى حد ما في الداخل.

وفي هذا الصدد، كتب الصحافي جيمس ماكولي قائلًا: «بدلًا من معالجة حالة الاغتراب والعزلة التي يشعر بها المسلمون الفرنسيون، لا سيما في الأحياء الضيقة أو ضواحي فرنسا الفقيرة – والتي يتفق الخبراء على نطاق واسع على أنها السبب الجذري الذي يترك البعض عرضة للتطرف والعنف – تهدف الحكومة إلى التأثير في ممارسة العقيدة التي يعود تاريخها إلى 1400 عام، ويعتنقها ما يقرب من ملياري فرد مسالم حول العالم، بما في ذلك عشرات الملايين في الغرب». وخلُص ماكولي إلى «أن ذلك حل غريب للمشكلة».

تاريخ

منذ شهر
تاريخ فرنسا في قطع الرؤوس.. قصص من الاستعمار في أفريقيا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد