قالت نبيلة رمضاني في مقال لمجلة «فورين بوليسي» إن المثل القائل إن التاريخ يكتبه المنتصرون سيجري عكسه في حالة حرب الاستقلال الجزائرية، والمشروع الإمبراطوري الذي سبقها؛ فعلى الرغم من حصول الجزائر على استقلالها عن فرنسا، فإن المستعمر المهزوم لا يزال يسعى لإملاء تاريخ الأمة.

وفي الواقع – تشير نبيلة- مع اقتراب الذكرى الستين للهزيمة الساحقة لفرنسا عام 1962 (19 مارس (أذار)) فإن الدولة المسؤولة عن واحدة من أكثر الأحداث إثارة للاشمئزاز في التاريخ الاستعماري مصممة على التحكم في السرد.

دولي

منذ شهرين
«فاينانشال تايمز»: هل ينجح ماكرون في إصلاح ماضي فرنسا الاستعماري في الجزائر؟

محاولة ماكرون لم تصل إلى حد تقديم اعتذار رسمي من جانب بلاده عما اقترفته من مآسي أثناء احتلالها للجزائر طوال 132 عامًا خَلَت

تحقيقًا لهذه الغاية، أصدرت إدارة الرئيس إيمانويل ماكرون الأسبوع الماضي تقريرًا جديدًا عن ذكرى الاستعمار والحرب الجزائرية، ووضعت بحزم ختم الموافقة الرئاسية على وثيقة أعدها جانب واحد يرثى لها. تصف الوثيقة كيف ولماذا تظل العلاقة بين الجزائر وفرنسا مضطربة؟ وتقدم مقترحات للتحسين، بدءًا من تحسين صورة الاستعمار إلى إعادة القطع الأثرية المنهوبة من باريس إلى الجزائر باعتبارها وسيلة لتعزيز العلاقات الدبلوماسية الجزائرية الفرنسية.

تؤكد الكاتبة أن الوثيقة مثيرة للجدل بالفعل بسبب ما فشلت في التوصية به: تقديم اعتذار. على الرغم من فقدانهم جوهرة إمبراطوريتهم بعد أكثر من قرن من القهر المميت، بما في ذلك الجرائم المتواصلة ضد الإنسانية، يبدو أن الفرنسيين لا يعتقدون أنهم كانوا همجيين بما يكفي لإظهار أي ندم.

لننسى استخدام النابالم وغرف الغاز للقضاء على المدنيين، ومذبحة المتظاهرين الجزائريين في البلدات والمدن بما في ذلك باريس، واستخدام التعذيب المنهجي والإرهاب الذي ارتكبته منظمة الجيش السري (OAS) القومية المتطرفة، التي شكلها ضباط الشرطة والجيش الفرنسيون المعارضون لتحرير الجزائر. عند تقديم الوثيقة الجديدة المكونة من 146 صفحة، كان المتحدث باسم ماكرون مصرًّا على أنه «لن يكون هناك ندم أو اعتذار»، فالغرض السياسي الصريح من هذا البيان ظاهريًا منع استخدام التاريخ لإحداث المزيد من الانقسام. لكنها في الواقع تسمح لفرنسا بالتهرب من المسؤولية.

ماكرون يختار شخصية مثيرة للجدل لإعداد الوثيقة

تكشف خلفية معد الوثيقة المعين من قبل ماكرون عن سبب كونها أحادية الجانب، وهو المؤرخ بنجامين ستورا، أكاديمي في باريس وليس الجزائر العاصمة. علاوة على ذلك – تضيف الكاتبة – فهو ينحدر من عائلة هربت من الجزائر مع مئات الآلاف من المستعمرين الأوروبيين في عام 1962. ومثله مثل كل المليون مستوطن تقريبًا من أصل أوروبي، والذين عُرفوا باسم (الأقدام السوداء)، نزحت عائلة ستورا في النهاية بسبب العرب المسلمين والبربر الذين ما زالوا يسكنون الجزائر حتى يومنا هذا.

على الرغم من هذا، اعتبر ماكرون ستورا الباحث المناسب لإلقاء الضوء على موضوع مزعج لا يزال يؤثر في أولئك الذين يعيشون في أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة، وجاليتهم في فرنسا، والتي تقدر بنحو 800 ألف جزائري. تضمنت مهمة ستورا الأصلية أيضًا المساعدة في تحقيق «المصالحة بين الشعبين الفرنسي والجزائري»، ولكن وفقًا للأدلة حتى الآن، من غير المرجح أن يتحقق هذا الهدف.

بدلًا من الاعتذار والتعويضات وإمكانية الملاحقات القضائية، يبدو أن الرمزية والرغبة في التقليل من أهمية الجرائم التي لا توصف الباقية في الذاكرة الحية قد وجهت عمل ستورا. وهناك أيضًا الكثير من التزييف، بحسب الكاتبة.

يتضح هذا على الفور عندما يركز ستورا، في مقدمة وثيقته التاريخية المفترضة، ليس على وحشية الحقبة الاستعمارية، بل على الهجمات الوحشية الأخيرة التي نفذها الإرهابيون الإسلاميون في فرنسا. ويشير على وجه التحديد إلى الجرائم البشعة التي لا علاقة لها بالجزائر على الإطلاق، بما في ذلك قطع رأس مدرس مدرسة من قبل حامل جواز سفر روسي في إحدى ضواحي باريس، وثلاث عمليات قتل لرواد كنيسة كاثوليكية على يد مهاجر تونسي في مدينة نيس الجنوبية.

ومع ذلك – تستدرك الكاتبة – ووفقًا لمنطق ستورا المضلل، فإن مثل هذه الفظائع مرتبطة في الواقع بالجزائر الحديثة. ويشرح لاحقًا هذه الصلة غير المؤكدة، حيث كتب أن توعية الشباب المسلم عن «الاستعمار والحرب الجزائرية هي ضمانة ضرورية ضد انتشار الإرهاب الإسلامي».

هناك بالتأكيد قيمة هائلة في تدريس الحقائق عن الإمبراطورية الفرنسية. إن خضوع جزء كبير من أوروبا القارية تحت حكم نابليون بونابرت في بداية القرن التاسع عشر أمر حاسم لفهم فرنسا الحديثة، كما هو الحال بالنسبة للقمع الاستعماري لأجزاء أخرى من العالم في نقاط محورية أخرى. لكن التشويه لا يغتفر.

تاريخ

منذ 5 شهور
تاريخ فرنسا في قطع الرؤوس.. قصص من الاستعمار في أفريقيا

ما يفعله ستورا هو تكرار خطاب ماكرون المثير للجدل حول ما يسميه الرئيس «الانفصالية الإسلاموية». تحدث في أكتوبر الماضي عن «صدمات الماضي الاستعماري» لفرنسا – وخاصة الحرب الجزائرية – «مما يغذي الاستياء غير المعلن، الذي يُزعم أنه يؤدي إلى تطرف الشباب وإلى هجمات إرهابية».

يفترض هذا المجاز الشعبوي – الذي يظهر في نظريات المؤامرة اليمينية المتطرفة – أن الإرهاب الإسلامي اليوم مرتبط ارتباطًا مباشرًا بالجزائريين الغاضبين الذين تمسكوا بالعنف كما فعلوا عندما قاوموا الحكم الفرنسي، بعد أن اعتُبر المسلمون العرب أخلاقيًّا أدنى من المسيحيين.

تشير فرنسا الآن إلى أن نوع «الشياطين» الذين يرتكبون أعمالًا شريرة هم في الواقع مدفوعون بما حدث لآبائهم الجزائريين أو أجدادهم. وهذا ليس خداعًا إلى أقصى الحدود فخسب، ولكنه أيضًا انحراف عما فعله الفرنسيون بالجزائريين على مدى 132 عامًا، منذ أن غزوا وطنهم لأول مرة في 5 يوليو (تموز) 1830.

جرائم فرنسا التي تجاهلها ستورا

في هذا الصدد – تؤكد نبيلة – هناك الكثير من الأدلة التي يمكن أن يحققها ستورا. قُتل حوالي 45 ألف مدني جزائري في مدن سطيف، وقالمة، وخراطة، والمناطق المحيطة بها على مدار بضعة أيام في مايو (أيار) 1945 وحده. لقد ارتكبت فرنسا، بلد التنوير الذي ادعى أنه يسعى إلى «مهمة حضارية» في الخارج، نوع الإبادة الجماعية التي اشتهرت بها في الجزائر.

انضمت ميليشيات الأقدام السوداء إلى حمام الدم بعد أن تحول احتفال 8 مايو بيوم النصر في أوروبا، في نهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1945، إلى مظاهرة تطالب باستقلال الجزائر. ارتُكبت فظائع من كلا الجانبين، ولكن كالعادة كان للفرنسيين اليد العليا من حيث الأسلحة والهمجية المطلقة.

إنها نوع الإبادة نفسها التي حرض عليها المارشال توماس روبرت بوجود، الحاكم العام الفرنسي للجزائر في أربعينيات القرن التاسع عشر. تعهد بوجود في خطاب برلماني أن سياسة الأرض المحروقة سعت إلى إخضاع الجزائريين، وذلك بزرع عناصر ميليشيات الأقدام السوداء في أي مكان «توجد مياه عذبة وأرض خصبة…دون القلق بشأن من يمتلك هذه الأراضي». كان النازيون قد اخترعوا غرف الغاز قبل فترة طويلة، فملئت الكهوف بأبخرة ضارة من أجل خنق طبقة فقيرة مكروهة – و«إبادتهم عن بكرة أبيهم».

Embed from Getty Images

تحولت هذه الجرائم الجماعية إلى حرب شاملة في عام 1954 – تواصل رمضاني حديثها. ويقدر الجزائريون أنها أودت بحياة 1.5 مليون من مواطنيهم، بمن فيهم أولئك الذين يقاتلون مع جبهة التحرير الوطني. كان من بين القتلى رجال ونساء وأطفال قُتلوا بشكل عشوائي من خلال القصف الفرنسي.

كانت قنابل النابالم – الذي يشار إليه في المصطلحات العسكرية باسم «البراميل الخاصة» – جزءًا من الحمولات التي أُلقيت على المجتمعات المدنية، في حين كانت الطريقة الشائعة لإعدام مقاتلي العدو هي رميهم من الطائرات والمروحيات. كما استخدمت فرنسا الصحراء الجنوبية للجزائر أرضًا لتجارب نووية. هذا، بالإضافة إلى 11 مليون لغم أرضي زرعها الفرنسيون على مساحات شاسعة من البلاد، أدت إلى قتل وتشويه عشرات الآلاف من الجزائريين.

من بين 1.5 مليون فرد عسكري تم حشدهم طوال الحرب، فقد الفرنسيون حوالي 25 ألف جندي، بالإضافة إلى ما يصل إلى 3 آلاف من ميليشيا الأقدام السوداء وما يصل إلى 150 ألف من الجزائريين الذين تعاونوا مع المستعمرين.

وعلى الرغم من قتالهم مع فرنسا – تستدرك الكاتبة – فإن الكثير من هؤلاء انتهى بهم الأمر بتلقي معاملة وحشية، مثل جبهة التحرير الوطني. بعد الحرب، تخلى كثيرون عن الأعمال الانتقامية في الجزائر أو جرى اعتقالهم في معسكرات قذرة في فرنسا.

تاريخ

منذ 5 شهور
الإساءة للذات الديجولية.. كيف تعاملت فرنسا الديمقراطية حين انتقد فيلم قائدها؟

وقد نُقلت تكتيكات القمع الاستعماري من الجزائر إلى البر الرئيسي لفرنسا عندما جرى إطلاق النار على ما يصل إلى 300 جزائري شاركوا في مظاهرة سلمية مؤيدة للاستقلال، وضربوا وعُذبوا حتى الموت أو غرقوا في نهر السين بباريس، على مرأى من الجميع، بواسطة الشرطة في 17 أكتوبر 1961.

وصف المؤرخون هذه المذبحة بأنها «أكثر أعمال القمع دموية للاحتجاجات في أوروبا الغربية في التاريخ الحديث». والأدهى أنه لم تجر محاكمة واحدة على الإطلاق، ليسيطر الشعور بالظلم على الضحايا الناجين. اعتبر القوميون الرئيس شارل ديجول، الذي قاد فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية أثناء وجوده في المنفى، خائنًا لإقراره في عام 1959 بحق الجزائريين في تقرير المصير.

حتى عندما قام إرهابيو منظمة الجيش السري بتفجير قطار متجه من ستراسبورج إلى باريس، مما أسفر عن مقتل 28 مدنيًّا فرنسيًّا في يونيو 1961، لم يُفتح تحقيق فعال. تضمنت أهداف منظمة الجيش السري اغتيال ديجول نفسه – كانت هناك عدة محاولات اغتيال فاشلة، بما في ذلك هجوم بالبندقية على الرئيس في سيارته الليموزين سيتروين.

الوثيقة تهدف إلى تزييف الحقائق

بالإضافة إلى عدم وجود اعتذار – تقول الكاتبة – فإن التوصية الرئيسية في الوثيقة هي إنشاء «لجنة الذاكرة والحقيقة» – وهي لجنة سيرأسها ستورا، وستحاول إنتاج سرد نهائي لما حدث بالفعل.

لا يوجد شيء جديد حول هذه اللجان. أقامت جنوب أفريقيا واحدة لمحاولة تضميد جراح البلاد بعد الفصل العنصري. وقد اعتبرت جلسات الاستماع على نطاق واسع بناءة بسبب كيفية كشف الحقائق على التلفزيون المباشر. وقامت لجنة كورية جنوبية بالتحقيق في تاريخ مرعب، بما في ذلك عمليات الإعدام الجماعية والتعذيب والاختفاء القسري التي حدثت من عام 1910 إلى عام 1945 تحت حكم اليابان لكوريا ومن خلال الأنظمة الاستبدادية الكورية اللاحقة.

وقد استشهد ستورا بكلتا الحالتين بوصفها نماذج لبعثات تقصي الحقائق. ومع ذلك، ربما تكون هذه اللجان قد عجلت بالمصالحة أو أغلقت أبوابها – لكنها لم تحقق العدالة للضحايا وعائلاتهم.

فيما يتعلق بالمعلومات المتاحة حول الجزائر – تشير رمضاني – توقف ستورا عن عمله. كان جلادوا فرنسا محميين دائمًا. حتى عام 1999، ظلت الحكومة الفرنسية تسمي الحرب «عمليات للحفاظ على النظام» أو مجرد «أحداث». لذا، فإن المشكلة تكمن في الاعتراف بالأدلة الموجودة بدلًا من «العثور عليها». الفرنسيون لديهم المحفوظات الكاملة، لكنهم يخفونها.

منذ الاستقلال، أخفى الفرنسيون وثائق أرشيفية ولم تُحل هذه المشكلة المتعلقة بالملفات المصنفة كأسرار دولة. طلبت الحكومة الجزائرية من عبد المجيد الشيخي، المدير العام للمركز الوطني للأرشيف الجزائري، إجراء تحقيق خاص به إلى جانب ستورا واستعادة أرشيفهم الاستعماري بالكامل من باريس. يأتي جزء كبير من معارضة البحث الدقيق من أولئك الذين لديهم خلفية من حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف الذي أسسه جان ماري لوبان، وهو من قدامى المحاربين في الجزائر ارتبط اسمه بأعمال التعذيب وهو الآن عنصري مدان ومنكر للهولوكوست.

كان الهدف السياسي المبكر للوبان هو ممارسة الضغط نيابة عن طبقة الأقدام السوداء المستاءة بشدة التي استبدلت أنماط حياتها الاستعمارية بأسلوب أكثر تواضعًا في فرنسا. والآن يحتشد هؤلاء الذين ينتمون لليمين المتطرف خلف ابنة لوبان، مارين لوبان. أعادت تسمية الجبهة الوطنية إلى التجمع الوطني، لكنها لم تفقد أي كراهية تجاه الجزائريين.

كانت مارين لوبان المنافس الرئيسي لماكرون قبل فوزه بالرئاسة الفرنسية في عام 2017 وهناك الملايين من الناخبين الذين يشاركونها آراءها الرجعية. ليس سرًّا أن ماكرون، الليبرالي الوسطي يتجه بشكل متزايد إلى اليمين، يطمع في كثير من هؤلاء الناخبين، لا سيما في الفترة التي تسبق انتخابات أخرى لاختيار رئيس دولة في عام 2022.

وعلى الرغم من أن وثيقة ستورا تتظاهر بالاهتمام بالعدالة – تشدد الكاتبة – فإنها تعمل على تبييض الجرائم الاستعمارية؛ مما يظهر أن ماكرون يفعل كل شيء لمحاولة كسب مؤيدي لوبان. هذه هي حقيقة ماكرون. لقد زار الجزائر خلال حملته عام 2017 وقال إن الاستعمار كان «جريمة ضد الإنسانية»، مضيفًا: «إنه حقًا بربري وهو جزء من الماضي الذي نحتاج إلى مواجهته بالاعتذار لأولئك الذين ارتكبنا هذه الأعمال بحقهم».

وتقول نبيلة رمضاني في ختام مقالها: لا يفهم أحد كيف يتماشى هذا التصريح مع أحدث الكلمات من قصر الإليزيه – لكن التناقض بين عامي 2017 و2021 يكشف عن قدر كبير من الكوميديا السوداء المحيطة بماكرون عندما يتعلق الأمر بتحقيق أهدافه السياسية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد