ما زال قرار حجب عددٍ من المواقع في مصر ودولٍ أخرى ساريًا بعد أسبوعين من بدء تنفيذه. أحد المواقع التي طالها الحجب هو موقع «مدى مصر» الإخباري. وعن ميلاد الموقع ورسالته وحجبه تكتب «لينا عطا الله»، رئيس تحرير مدى مصر وأحد مؤسسيه، في «نيويورك تايمز»، لتؤكد أن الحكومة المصرية لن تقضي على الصحافة المستقلة في مصر مهما حاولت.

«بينما نحن ننهي أعمال يومٍ آخر، في 24 مايو (أيار) بمكتب موقع «مدى مصر» الإخباري حيث أعمل، لاحظنا أمرًا غريبًا. لقد اختفى موقعنا من شبكة الإنترنت في مصر. بعد اختباراتٍ تقنية ومحادثات مع مستخدمي الإنترنت من مختلف مزودي الخدمة، أدركنا ما حدث: لقد حجبت الحكومة موقع مدى مصر».

تقول عطا الله أن مدى مصر خرج إلى النور في لحظة من الضبابية السياسية. يونيو (حزيران) 2013، حين كان الناس يتظاهرون ضد حكم الإخوان المسلمين. ثمَّ تدخل الجيش، وأطاح بالرئيس محمد مرسي وعيَّن حكومة انتقالية حتى انتخاب المُشير عبد الفتاح السيسي رئيسًا للجمهورية، بعد بضعة أشهر.

سمَّينا أنفسنا «مدى مصر». اخترنا «المدى» ليذكرنا باحتمالية أن نرى على مدى البصر بابًا للخروج من الأزمة، ولأن المدى هو أيضًا موضع الحجر الكريم على الخاتم. هو رمزٌ لأننا باقون، لن نذعن لإقصائنا بالعنف من الساحة السياسية.

وأضافت: «كان من بين ما خسرناه حق الاعتراض – أو الحق في أي تحرك يمثِّل انتقادًا للسياسات العامة. من اعتقالات إدارية موسَّعة لبعض المعارضين السياسيين، والمحاكمة العاجلة والأحكام الجماعية المشددة على آخرين، وجرائم القتل العشوائي للخصوم السياسيين، والترهيب الممنهج للنشطاء والصحافيين المستقلين والمدافعين عن حقوق الإنسان. قيود تشريعية على وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني. فرَّغت السلطات الساحة السياسية من كل اللاعبين، دافعة بهم إلى هامش المشهد السياسي».

إلى هذا الفراغ خطا عدد من الصحافيين في مصر، وبدؤوا في النشر عن كل ما سبق. سمَّينا أنفسنا «مدى مصر». اخترنا «المدى» ليذكرنا باحتمالية أن نرى على مدى البصر بابًا للخروج من الأزمة، ولأن المدى هو أيضًا موضع الحجر الكريم على الخاتم. هو رمزٌ لأننا باقون، لن نذعن لإقصائنا بالعنف من الساحة السياسية.

أما عن آلية الحجب فتقول عطا الله إنه بعد أربعة أعوام على التأسيس، من التغطية الإخبارية المستمرة والتقارير الاستقصائية وآلاف المقالات الكاشفة لما أصبحت عليه مصر، حُجِب مدى مصر. فيما لم يُعلن أحد مسؤوليته عن الحجب، الذي استخدم تقنية حقن حزم RST، التي تستخدمها الصين في حجب المواقع كجزءٍ من جدارها الناري سيئ السمعة. حزم RST عبارة عن أمرٍ بإعادة الاتصال يصدره طرفٌ ثالث، ما يمنع نقل البيانات عبر بروتوكول الإنترنت، وهو النظام الذي يصل الحاسوب بشبكة الإنترنت.

اقرأ أيضًا: أشهر 15 دولة مارست الحجب الكلي أو المؤقت لمواقع التواصل الاجتماعي

انتشرت الأخبار في وسائل الإعلام المحسوبة على النظام، التي اقتبست عن مصادر أمنية مجهولة أن السلطات قد أمرت بحجب عددٍ من المواقع في مصر لأنها تدعم الإرهاب وتنشر الأكاذيب – بحسب ما تقول الصحافية – إضافةً إلى مدى مصر، حُجب عددٌ من المواقع الأخرى، منها الجزيرة، وهافينغتون بوست عربي، وموقع صحيفة «البورصة» المالية المصرية، وشقيقه الصادر باللغة الإنجليزية «ديلي نيوز إيجيبت».

«لكن أحدًا لم يتواصل معنا من الحكومة».

في حين اتبع الموقع والقائمون عليه طرقًا قانونية تصفها عطا الله بالـ«دمثة»، أضافت الصحافية: «نُرسل شكاوى رسمية إلى شتى الجهات المعنية: الهيئة المشرفة على وسائل الإعلام المعينة من الحكومة، وأجهزة تنظيم الاتصالات الحكومية ومزودي خدمة الإنترنت في مصر. نسألهم: ماذا يعني حجب موقعٍ قانوني، دون إخطارٍ قانوني، في بلدٍ ما زال يتظاهر باحترام القانون؟ إن كان مبتغى الحكومة الحالي هو سلوك مسار التحكم في الإنترنت – بطرقٍ لم تفعلها في السابق حين بدا التضييق على الإنترنت مضرًا بالمصالح التجارية – فهل ستفعل ذلك متجاوزة القانون؟ أم أنَّها ستحافظ على بقايا مظهر دولة القانون؟».

نرغب لا شكَّ في الحرية. لكنَّنا في مدى مصر – ومجموعاتٍ أخرى كثيرة – تعلَّمنا كيف نزدهر في الشدائد. الدولة قوية، وستظل دومًا أقوى. لكننا نزداد قوة. نحن ننتمي إلى
كثيرين في مصر اليوم، لم ينفضوا ساعة الخسارة، لكنَّهم ظلوا في مخابئ
صنعها الفراغ السياسي.

لكن الأهم هو أننا ما زلنا ننشر محتوانا، على موقعنا ليقرأه الناس من خارج مصر، وعلى فيسبوك وجوجل درايف ليقرأه الناس في الداخل المصري – بحسب لينا عطا الله. لم تفتنا الكتابة لجمهورنا عن هجوم دموي نفذه تنظيم الدولة الإسلامية في الشهر الماضي، على حافلة تقل عمَّالًا مسيحيين متجهين إلى ديرٍ في صعيد مصر، أو عن مشروع قانون ربَّما يقضي على عمل المجتمع المدني، بالأخص في مجال حقوق الإنسان. لم نستطع سوى أن نحكي لقرائنا عن الحجب المستمر للمواقع الإخبارية المستقلة. لم نرغب في التوقف عن الاستقصاء وتعريف الناس بالأوضاع الجارية في البلاد، من الاقتصاد إلى صناعة الموسيقى إلى ميلاد فن الفيديو.

وفي أثناء نشر المحتوى على موقع محجوب عبر أغلب مزودي خدمة الإنترنت في مصر، تقول عطا الله إنهم يتعلمون كيفية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي استخدامًا أفضل، وكيفية التعامل مع مشاعر التضامن التي عبَّرت عنها شتى المجتمعات وصياغة بياناتٍ أكثر جاذبية تنقل آخر التطورات عن وضع موقعهم إلى العامة، وكيفية القيام بكل هذا دون حرمان أنفسهم من الاستمتاع. وتضيف: «ربَّما يتذكر الفنانون مجموعة الصور التي التقطتها الفنانة الإيرانية شيرين علي آبادي بعنوان (الحرية مملة، والرقابة ممتعة)».

اقرأ أيضًا: مترجم: حقوقية مصرية من منفاها: «مصر تشهد أوضاعًا كارثية وأتمنى العودة».

لست واثقة من أن حجب موقعنا والمواقع الأخرى هو الطريقة الأمثل لقطع تيار المعرفة، إنَّ حركتنا رشيقة. ورغم أن شبكة الإنترنت قد تحوَّلت من مساحة حرة إلى «عِزبة للحكومات» وكبرى الجهات الخاصة، إلا أنها لا تزال مكانًا ننبثق منه ونرجع إليه. هل تدري بذلك الأيادي الخفية التي تراودها فكرة حجب المواقع أو التوقيع على مثل تلك القرارات؟

ربَّما. ربَّما حجب المواقع أقرب إلى التلويح بقدرات الدولة. أقرب إلى استعراض للقوة: يخضع الآن للتحقيق محامٍ حقوقي ومرشح محتمل للرئاسة اختصم الحكومة مرارًا في ساحات المحاكم، بسبب «إشارة غير لائقة باليد» (لم يقُم بها أصلًا). أمَّا نشطاء الأحزاب السياسية ممن تجرؤوا على فتح باب النقاش حول المرشحين الرئاسيين المحتملين في انتخابات 2018 فيتعرَّضون للاعتقال. لكن ما قيمة الاستبسال في وقت الأزمات السياسية والأمنية؟

الدولة قوية، وستظل دومًا أقوى. لكننا نزداد قوة. نحن في مدى مصر ننتمي إلى كثيرين في مصر اليوم، لم ينفضوا ساعة الخسارة، لكنَّهم ظلوا في مخابئ صنعها الفراغ السياسي. وفي ساعات الأزمات، في أوقات الصدام المباشر مع بطش الدولة، هؤلاء المئات من الآلاف، وربَّما الملايين منَّا، لم تبتلعهم غياهب اليأس، وتمكنوا من ممارسة السياسة. وفي السياسة نميِّز لحظات التمكُّن ونتشبث بها، حتى وإن أحدقت بها الأزمات من كل جانب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد