سياسة «الضغط الأقصى» التي انتهجها ترامب جعلت الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أقوى. والآن، يتعين على بايدن رسم مسار جديد؛ حسبما يخلُص مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي» بقلم الاقتصادي الفنزويلي والمدير التنفيذي للتحالف الفنزويلي، وهي مجموعة سياسية معنية بالأزمة الإنسانية في فنزويلا، خورخي جرايساتي، والرئيس التنفيذي لمنظمة طلاب من أجل الحرية، التي تعمل في أكثر من 100 دولة، وولف فون لاير.

تغيير جذري في النهج الأمريكي تجاه فنزويلا

في شهر أغسطس (آب) 2017، كانت فنزويلا تخوض غمار أكبر موجة احتجاجات في التاريخ الحديث؛ إذ ظلت المسيرات تخرج باستمرار طيلة 100 يوم متتالية. في ذلك الوقت، كان ثمة اعتقاد على الصعيد الوطني بأن الشباب المتظاهرين لن يعودوا إلى ديارهم حتى تستعاد الديمقراطية، على الرغم من أعمال القمع الوحشية التي ارتكبها نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا (مثل قتل قوات الأمن أكثر من 100 متظاهر في ذلك العام)، بحسب الكاتبين جرايساتي ولاير.

تجاوبًا مع هذه التطورات؛ غيَّرت إدارة ترامب جذريًّا نهج الولايات المتحدة تجاه الأزمات الاقتصادية والسياسية في فنزويلا. وفي محاولة لدعم المتظاهرين؛ بدأ الرئيس الأمريكي آنذاك، دونالد ترامب، تطبيق عقوبات صارمة ضد إدارة مادورو، معتقدًا أن مثل هذه الإجراءات ستسرع الانتقال السياسي في فنزويلا من خلال خنق النظام ماليًّا.

نظام مادورو أقوى من أي وقت مضى

يعقب الكاتبان قائلين: لكن بعد أربع سنوات، لا يمكن أن يكون الوضع السياسي في فنزويلا أكثر إحباطًا مما هو عليه الآن. فاليوم، يبدو نظام مادورو أقوى من أي وقت مضى. وفي غضون ذلك، يبدو أن المجتمع المدني الفنزويلي منكسر لدرجةٍ يتعذر إصلاحها بعد سنوات من القمع الاقتصادي والسياسي على يد نظام دفع ثمانية من كل عشرة فنزويليين إلى خط الفقر المدقع، وأدى إلى هروب ما يقرب من 6 ملايين إلى المنافي، وترك أكثر من 7 ملايين فنزويلي بحاجة إلى مساعدات إنسانية، بما في ذلك العلاج الطبي، والمأوى، والصرف الصحي، والغذاء.

باختصار؛ لم تفشل العقوبات في إحداث تغيير في النظام فحسب، بل يبدو أيضًا أنها تزامنت مع ترسيخ قوة مادورو. يستعرض الكاتبان أسباب ذلك:

المستهدف الأمريكي: تغيير النظام في فنزويلا

منذ عام 2006، تفرض الولايات المتحدة عقوبات على النظام الفنزويلي؛ بسبب انتهاكاته المزعومة لحقوق الإنسان، ومخططاته لغسيل الأموال، وعلاقاته مع الجماعات غير النظامية والدول الاستبدادية. خلال فترة إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، حظرت الولايات المتحدة بيع الأسلحة لفنزويلا، بحجة أن سلف مادورو، هوجو شافيز، لم يكن «يتعاون بالكامل مع جهود الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب».

Embed from Getty Images

ومع ذلك، لم يكن الهدف الواضح لسياسة الولايات المتحدة تجاه فنزويلا هو تغيير النظام إلا بعد أن بدأ ترامب سياسة «الضغط الأقصى» ضد نظام مادورو. اعتمدت الضغوط القصوى على استخدام العقوبات لتفكيك الائتلاف الداعم للنظام.

على وجه التحديد، اعتقد صناع السياسة أن نقص الموارد الناتج من العقوبات سيؤدي إلى فقدان مادورو السيطرة على مجموعات المصالح الرئيسية، من الجهات الفاعلة المحلية مثل النخبة التجارية والعسكرية الفنزويلية، إلى الحلفاء الدوليين مثل روسيا والصين. وعلى الرغم من أن هذه حجة معيارية للدفاع عن سياسة العقوبات، فإن صحتها محل نقاش كبير في الأوساط الأكاديمية. ومع ذلك، اعتقدت إدارة ترامب أن ثمة فرصة سانحة لتعزيز الديمقراطية في فنزويلا، وحاولت انتهازها.

3 أنواع من العقوبات الأمريكية على فنزويلا

لإطاحة مادورو من السلطة، طبقت إدارة ترامب أو عززت ثلاثة أنواع مختلفة من العقوبات على فنزويلا:

بدأت أولى هذه العقوبات الموسعة في أغسطس (آب) 2017. بهذه العقوبات منع ترامب الحكومة الفنزويلية من الوصول إلى النظام المالي الأمريكي؛ وهو قرار خلق مجموعة إضافية من التحديات المالية للدولة الفنزويلية المفلسة بالفعل.

قبل العقوبات، كانت الحكومة الفنزويلية وشركة النفط الحكومية «PDVSA» قادرتين على الوصول إلى أسواق الديون والمؤسسات الأخرى. في عام 2017، على سبيل المثال، اشترى بنك «جولدمان ساكس» 2.8 مليار دولار من سندات شركة «PDVSA»، مما ضخ أموالًا نقدية في شرايين الشركة.

دولي

منذ سنة واحدة
«واشنطن بوست»: بدعم أمريكي.. كيف فشلت خطة «إلقاء القبض» على مادورو؟

في ظل لوائح ترامب الجديدة، اختفت مثل هذه الخيارات. في عام 2019، اتخذ ترامب قرارًا بتجميد الحسابات المصرفية للحكومة الفنزويلية في الولايات المتحدة، ومنع جميع الكيانات الأمريكية من الانخراط في معاملات مع حكومة مادورو دون إذن مسبق من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة.

النوع الثاني من العقوبات التي فرضها ترامب على فنزويلا كان عبارة عن سلسلة من الإجراءات الخاصة بالصناعة ضد شركة «PDVSA». بدأت هذه العقوبات في يناير (كانون الثاني) 2019، عندما منعت وزارة الخزانة الأمريكية وصول شركة «PDVSA» إلى ممتلكاتها في الولايات المتحدة، بما في ذلك شركة «CITGO» التابعة لها، والتي تمتلك سادس أكبر شبكة مصافي في الولايات المتحدة.

في الشهر نفسه، منعت وزارة الخزانة جميع الكيانات الأمريكية من الانخراط في معاملات مع شركة «PDVSA». وفي وقت لاحق من عام 2019، حظرت الولايات المتحدة في النهاية جميع الشركات (الأجنبية أو الأمريكية) من الانخراط في أي عمل مع شركة «PDVSA».

نتيجة لهذه العقوبات، انهارت صادرات شركة «PDVSA» النفطية إلى مستويات لم تشهدها فنزويلا منذ ما يقرب من قرن؛ من حوالي 1.5 مليون برميل يوميًّا في ديسمبر (كانون الأول) 2018، إلى حوالي 390 ألف برميل يوميًّا في يونيو (حزيران) 2020.

Embed from Getty Images

النوع الثالث من العقوبات التي طبقتها إدارة ترامب هو الحظر المفروض على الأفراد. بموجب هذا النوع من العقوبات تجمد الحسابات المصرفية وأصول الأشخاص المرتبطين بنظام مادورو.

على الرغم من أن الولايات المتحدة قد طبقت عقوبات فردية من قبل، فإن إدارة ترامب وسعت نطاقها إلى حد كبير. بحلول نهاية فترة رئاسة ترامب، كانت وزارة الخزانة الأمريكية قد فرضت عقوبات على أكثر من 160 فنزويليًّا أو على صلة بالفنزويليين، بما في ذلك الجنرالات وقضاة المحكمة العليا ومادورو نفسه.

في المجمل، كانت كل هذه العقوبات غير فعالة سياسيًّا. فلا يزال نظام مادورو في السلطة، ليس هذا فحسب، بل يبدو أيضًا أنه أقوى مما كان عليه في عام 2017، عندما كان يواجه احتجاجات جماهيرية. ويرجع ذلك إلى أن مادورو كان قادرًا على التكيف مع كل إجراءٍ استهدفه مرارًا وتكرارًا.

كيف تغلب مادورو على العقوبات الأمريكية؟

منذ بداية الثورة الاشتراكية في فنزويلا، استغل النظام عائدات شركة «PDVSA» لإحكام قبضته على مجموعات المصالح الرئيسية في البلاد، بما في ذلك تمويل البرامج الاجتماعية للفقراء، والإعانات الاقتصادية التقديرية للطبقة العليا.

في عام 2003، على سبيل المثال، فرض تشافيز قيودًا على العملة أدت إلى تباينات واسعة بين أسعار الصرف الرسمية وأسعار الصرف في السوق السوداء. ودُعِمَ سعر الصرف الرسمي باستخدام عائدات «PDVSA». ونتيجة لذلك، فتحت موارد «PDVSA» الطريق أمام الفساد وهروب العملة بأكثر من 20 مليار دولار سنويًّا، خلال الفترة من 2003 إلى 2011.

وبالتالي كان من المفترض أن يمثل انهيار صادرات النفط الفنزويلية تهديدًا خطيرًا لبقاء نظام مادورو. لكن النظام كان قادرًا على التكيف من خلال إيجاد مصادر دخل بديلة للنخبة الساعية إلى الريع.

وفقًا لوزارة العدل الأمريكية، تتمثل إحدى طرق التكيف التي يتبعها مادورو في تورط حكومته في العديد من الأعمال غير القانونية، من التعدين غير القانوني إلى الاتجار بالمخدرات. في الوقت نفسه، اتبع مادورو ما يسمى تحريرًا اقتصاديًّا «على الطراز السوفيتي» في فنزويلا. أي إنه فتح بعض أجزاء الاقتصاد الفنزويلي، من اقتصاد الخدمات إلى قطاع النفط في البلاد، بهدف فتح فرص أعمال جديدة للنخبة في البلاد. وفي الوقت نفسه، لا يزال باقي الاقتصاد يخضع لرقابة مشددة.

أحد الأمثلة على هذه العملية هو شركة «PDVSA» نفسها. وفقًا لـ«S&P Global Platts»، فإن نظام مادورو الآن «يدعو رؤوس الأموال الوطنية والدولية الخاصة لإدارة عجلة أعمال النفط في البلاد».

Embed from Getty Images

كما تراجع النظام عن تطبيق شبكته الواسعة والخانقة من لوائح السوق، من حصص الإنتاج والتجارة إلى ضوابط الأسعار التعسفية والعالمية. في المقابل، تمكنت النخبة الفنزويلية من فتح شركات تجارية صادرها نظام مادورو أو أفلسها منذ سنوات.

في المجمل، يمكن للمرء أن يجادل بأن تخفيف قبضة مادورو عن الاقتصاد الفنزويلي الخاضع للسيطرة كان نتيجة إيجابية للعقوبات. على الرغم من أن هذا صحيح، فإنه لم يكن الهدف المقصود من العقوبات.

علاوة على ذلك، فإن الانتعاش الاقتصادي الحقيقي الذي سيؤدي إلى اقتصاد صحي مستدام لا يمكن أن يأتي إلا من إصلاح السوق الحقيقي – من الأسفل إلى الأعلى – وليس من خلال الإصلاحات التي جعلت أصدقاء مادورو مسؤولين عن جميع القطاعات المهمة.

عدو أمريكا صديقي.. خبرات الأنظمة الاستبدادية

بالإضافة إلى إيجاد مصادر بديلة للدخل، عزز نظام مادورو قوته من خلال تعلم كيفية الالتفاف على عقوبات ترامب. أي إنه تعلم كيفية العمل خارج نطاق النظام المالي الأمريكي، وعلى وجه التحديد، كيفية التغلب على العقوبات المفروضة على الأنشطة التجارية لشركة «PDVSA». للقيام بذلك، بدأ نظام مادورو في الاستفادة من علاقاته مع الأنظمة الاستبدادية المتمرسة في التحايل على العقوبات الأمريكية وتعزيز هذه العقوبات.

على سبيل المثال، أدى الحظر العالمي الذي تفرضه الولايات المتحدة على التعامل مع شركة «PDVSA» إلى تجفيف صادرات فنزويلا، وحرمان فنزويلا نفسها من الوقود، مما تسبب في نقص مزمن على مستوى البلاد. وأصيب الاقتصاد الفنزويلي المنهك بالفعل بالجمود.

ومع ذلك، طلب نظام مادورو المساعدة من طهران، التي أرسلت شحنات سرية لتعزيز إنتاج النفط والوقود المنهار في شركة «PDVSA». استطاعت تلك الشحنات الالتفاف على العقوبات الأمريكية لأنها توجهت إلى فنزويلا بالمرور حول القرن الأفريقي مع إيقاف تشغيل أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بالسفن؛ مما يجعل من المستحيل على أنظمة التتبع اكتشاف مواقعها حتى وصولها إلى وجهتها. في المقابل، لم تمنح فنزويلا إيران السيطرة على المصافي الرئيسية لشركة «PDVSA» فحسب، بل عززت أيضًا مشاركة إيران في الاقتصاد الفنزويلي ككل.

كما دخل مادورو في شراكة مع بكين، التي تشتري الآن معظم نفط فنزويلا، كل ذلك من خلال سلسلة من «الشركات الوهمية»؛ أي الشركات التي ليس لها أي سجل حافل أو ملكية واضحة. ثم تستأجر هذه الشركات ناقلات مجهولة لنقل الحمولة عبر القرن الأفريقي، على غرار الخطة الإيرانية.

Embed from Getty Images

بدأت مخططات الشحن الصينية خلال النصف الثاني من عام 2020، لكن وثائق من داخل شركة «PDVSA» تُظهِر أن الصين مسؤولة بالفعل عن ثلاثة أرباع جميع صادرات الشركة. في فبراير (شباط)، على سبيل المثال، اشترت بكين حوالي 500 ألف برميل من النفط يوميًّا من فنزويلا، مما زاد صادرات البلاد من النفط إلى 700 ألف برميل يوميًّا في ذلك الشهر. كان هذا أعلى مستوى له في عام واحد.

العقوبات ليست هدفًا.. بل أداة ضغط

بالنظر إلى نجاح مادورو حتى الآن، فمن المنطقي أن يستمر في التحايل على العقوبات الأمريكية؛ مما يجعلها أقل فعالية يومًا بعد يوم. وهي نتيجة مألوفة لمن يتابعون الوضع في إيران. على الرغم من انهيار صادرات النفط الإيرانية فور فرض الولايات المتحدة عقوبات على طهران في مايو (أيار) 2018، فإنها تبيع الآن أكثر بكثير؛ من 600 ألف برميل يوميًّا في فبراير (شباط) 2020 إلى 1.7 مليون برميل يوميًّا في فبراير من هذا العام. وعلى غرار حالة فنزويلا، تشتري الصين غالبية صادرات إيران، بما يقرب من مليون برميل يوميًّا.

اقتصاد الناس

منذ سنة واحدة
«نيويورك تايمز»: العاصمة تزدهر.. هل انتهت الثورة في فنزويلا؟

يواجه الرئيس الأمريكي جو بايدن أحد خيارين: إما أن تستمر الولايات المتحدة في إستراتيجيتها الحالية، التي يؤكد الكاتبان أنها لن تؤدي إلى تغيير النظام، بل ستوفر لمادورو فرصة دعائية مناسبة، وتدفع فنزويلا إلى الاقتراب من الأنظمة الاستبدادية الأخرى. وإما أن تبدأ إدارة بايدن في تطبيق العقوبات وفق منهجية إستراتيجية.

في تلك الحالة، يتعين على فريق بايدن التوقف عن النظر إلى العقوبات على أنها غاية في حد ذاتها، بل أداة ضغط للتفاوض مع نظام مادورو بشأن حقوق الإنسان والحريات الاقتصادية. وإذا نظرت إدارة بايدن إلى العقوبات بهذه الطريقة، يمكن استخدام العقوبات لتحسين الحقوق الفردية للشعب الفنزويلي. وإلا فليتوقع بايدن استمرار الأزمات في فنزويلا، وربما زعزعة الاستقرار على نطاق واسع في المنطقة، حسبما يحذر الكاتبان في ختام مقالهما.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد