نشر «معهد الشرق الأوسط» مقالًا جديدًا في السلسلة المكونة من أربعة أجزاء بالتعاون مع شبكة «الباروميتر العربي» لتحليل نتائج الدورة السادسة من استطلاعات الشبكة البحثية، وتنظر الباحثتان انتصار فقير، مديرة برنامج شمال أفريقيا والساحل في معهد الشرق الأوسط، وعائشة سليمان، المساعدة البحثية في البرنامج، في نتائج الاستطلاع الخاصة بآراء شعوب منطقة المغرب العربي تجاه الجهات الفاعلة الخارجية.

تستهل الكاتبتان مقالهما بالإشارة إلى أن الصين وروسيا عززتا تدريجيًّا نفوذهما في المنطقة المغاربية خلال السنوات الأخيرة. وتعمل القوَّتان – الوافدتان الجديدتان نسبيًّا على المشهد الإقليمي – موازنةً بأوروبا والولايات المتحدة، على بناء علاقات تجارية وأمنية ودبلوماسية أقوى مع بلدان المغرب العربي، مثل: المغرب، والجزائر، وتونس. ومع ذلك لم تُترجم هذه العلاقات بعد إلى قبول أو دعم شعبي واسع.

عربي

منذ شهرين
«الباروميتر العربي»: الجزائريون أكثر تفاؤلًا بالمستقبل رغم الجائحة وتأثيرها الاقتصادي

وقد استخدمت روسيا، الحليف التاريخي للجزائر، والصين دبلوماسية اللقاحات خلال جائحة كوفيد-19 في محاولة منهما لكسب المزيد من المشاعر الإيجابية العامة، وخاصة عند موازنة موقفهما بموقف حلفاء المنطقة التقليديين والولايات المتحدة. ومع ذلك فإن الدعم الشعبي لهاتين الجهتين الفاعِلتين الجديدتين لم يزل منخفضًا نسبيًّا، بما يتسق مع مستويات القبول المنخفضة تجاه جميع الجهات الفاعلة الخارجية الأخرى، بما في ذلك أوروبا والولايات المتحدة.

وفيما يخص منطقة متنوعة وديناميكية، تُظهر النتائج باستمرار القليل من الاهتمام بالدور الذي تلعبه الجهات الخارجية. وعلى الرغم من أن الحكومات قد تكون مهتمة بتوسيع الروابط الاقتصادية والأمنية في مختلف أنحاء العالم، يركِّز سكان المنطقة إلى حد كبير على الديناميكيات المحلية، الأمر الذي يشير أيضًا إلى أنهم يرون أن الحلول لمشكلاتهم تأتي من الداخل إلى حد كبير.

الصين وروسيا

ومع ذلك، وبحسب ما تضيف الكاتبتان، سَعَت الصين وروسيا إلى استخدام دبلوماسية اللقاحات لزيادة وصولِهما ونفوذِهما في المغرب، والجزائر، وتونس. ولعب لقاح سينوفارم الصيني ولقاح سبوتنيك الروسي دورًا حاسمًا في مساعدة الجزائر وتونس على ضمان توفير المزيد من اللقاحات لتلبية حاجة شعبيهما. وكافح كلا البلدين لإطلاق حملات تطعيم واسعة النطاق، وكانت أغلب اللقاحات التي تمكنت الدولتان من الحصول عليها في البداية (والذي لم يحدث لكليهما حتى عام 2021) من سينوفارم وسبوتنيك. وفي صيف عام 2020 وعد الرئيس الصيني شي جين بينج أثناء اتصال مع العاهل المغربي الملك محمد السادس بإعطاء الأولوية لتوفير اللقاحات للدول النامية. كذلك قدمت روسيا وعودًا طموحة من جانبها.

وفي صيف عام 2021، ومن خلال مبادرة كوفاكس العالمية، تمكنت الجزائر وتونس من تأمين لقاحات أخرى، بما في ذلك أسترازينيكا وفايزر-بيونتيك. ومع ذلك خلال ذروة نقص اللقاحات، كان بإمكان الجزائر وتونس الاعتماد في الغالب على اللقاحات الروسية والصينية، على الترتيب. وعلى الرغم من قدرة المغرب على بدء حملة التطعيم في وقت سابق بالاعتماد على لقاحات أسترازينيكا مستفيدة من علاقتها القوية بالمنتجين الأوروبيين، إلا أنها لم تزل أيضًا تعتمد اعتمادًا كبيرًا على لقاح سينوفارم.

Embed from Getty Images

ولكن على الرغم من هذه الجهود، فإن الوافِدَيْن الجديدين إلى الساحة المغاربية لم يحْظَا بدعم واسع أو ساحق. ووفقًا لاستطلاع الباروميتر العربي الذي أجري في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، فإن 60% من الجزائريين الذين شملهم الاستطلاع كان لهم رأي إيجابي للغاية أو إيجابي إلى حد ما تجاه الصين. وتظهر نتائج استطلاع المتابعة الذي أجري في شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان) 2021 أن 65% من الجزائريين المستطلعين أبلغوا عن وجهة نظر إيجابية للغاية أو إيجابية إلى حد ما، وهي زيادة ضئيلة إلى حد ما نظرًا للدور الصيني في توفير اللقاحات. وعلى الرغم من تنامي روابط الصين بالجزائر منذ سنوات وتعزيزها بمبادرة الحزام والطريق، فإن علاقتها ومشاركتها مع البلدان الأفريقية، بما فيها الجزائر، لم تزل محفوفة بالمخاطر.

وأشار المقال إلى أن هذا التغيير متَّسق أيضًا بين مَنْ شملهم الاستطلاع في المغرب. وأظهرت نتائج استطلاع أكتوبر 2020 أن 55% من المستجيبين ينظرون إلى الصين نظرة إيجابية للغاية أو إيجابية إلى حد ما، وارتفعت هذه النسبة إلى 62% في استطلاع شهري مارس وأبريل 2021. وفي تونس أيضًا، زادت نسبة القبول للصين بين مَنْ شملهم الاستطلاع من 53% في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 إلى 59% في مارس وأبريل 2021. وفي حين سَعَت الحكومتان المغربية والتونسية إلى جذب مزيد من الاستثمارات من الصين، فقد واجهتا عقبات في هذا الصدد. وفي المغرب، واجهت اتفاقيات تصنيع اللقاح الصيني تأخيرًا قبل إطلاقها. أما في تونس، فقد زودت الصين البلاد بجرعات لقاح كوفيد، ولكن كلا البلدين لديهما تاريخ من الانتكاسات في مجالات أخرى من التعاون، بما في ذلك الاستثمارات في البنية التحتية.

ومن جانبها حظيت روسيا، التي تُعد تاريخيًّا حليفًا وثيقًا للجزائر، وخاصة في مجال الأمن وشراء الأسلحة، بنسبة قبول بلغت 52% بين الجزائريين الذين شملهم استطلاع أكتوبر 2020. وفي تونس والمغرب، كانت النسب المئوية أقل، إذ بلغت 43%. أما في ليبيا، حيث يحتدم الصراع الداخلي منذ سنوات، وحيث أصبحت روسيا طرفًا في الصراع من خلال مجموعة فاجنر، فقد كان تصنيفها الإيجابي هو الأدنى بنسبة 25%.

الولايات المتحدة

وأوضحت الكاتبتان أن المشاعر تجاه الولايات المتحدة، الدولة التي تتمتع ببصمة تاريخية أكبر في المغرب العربي من روسيا أو الصين، كانت أقل تفضيلًا إلى حد كبير. وفي أكتوبر 2020، كان لدى 24% من الجزائريين المستطلعين نظرة إيجابية تجاه الولايات المتحدة. وفي عينة المغرب وتونس، كانت نسبة قبول الولايات المتحدة عند 28% و21%. وأظهر استطلاع المتابعة الذي أجري في شهري مارس وأبريل 2021 تحسنًا في النظرة إلى الولايات المتحدة بين التونسيين والجزائريين، إذ اعتبر 38% من التونسيين و31% من الجزائريين الولايات المتحدة أكثر تفضيلًا.

وقد يعكس هذا مواقف أكثر إيجابية بعد انتخاب الرئيس جو بايدن، موازنةً بدونالد ترامب، الذي كان تفضيله في بلدان المغرب العربي منخفض للغاية. وكان التغيير في المواقف داخل عينة المغرب أكبر كثيرًا. لقد تحسنت المواقف تجاه الولايات المتحدة كثيرًا من 38% إلى 64%، وهو ما يعكس على الأرجح اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية.

Embed from Getty Images

وفيما يخص تونس والمغرب، تقدِّم الولايات المتحدة مبالغ كبيرة من المساعدات والاستثمارات الأجنبية موازنةً بالصين. ومن المحتمل أن تكون المواقف المواتية تجاه الصين أعلى بسبب التصور بأن المشاركة الصينية لا تُعرِّض سيادة دولة ما للخطر، كما لا يُنظر إليه على أنه تدخُّل بالطريقة ذاتها التي يُنظر بها أحيانًا إلى المشاركة الأمريكية.

وفي نوفمبر 2020 عَدَّت نِسَبٌ أعلى من المغاربة والجزائريين والتونسيين الذين شملهم الاستطلاع أن التنمية الاقتصادية الأمريكية تشكل تهديدًا «خطيرًا» أو «مهمًا» لأمنهم القومي موازنةً بالتنمية الاقتصادية الصينية. ومن بين المستطلعين، يرى 64% من الجزائريين و61% من التونسيين و46% من المغاربة أن التنمية الاقتصادية الأمريكية تشكل تهديدًا موازنةً بـ50% من الجزائريين، و47% من التونسيين، و40% من المغاربة، الذين يرون التوسُّع الاقتصادي للصين بالطريقة نفسها.

وقبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر 2020، أظهرت نتائج استطلاع أكتوبر 2020 تفضيلًا منخفضًا للسياسة الخارجية للرئيس ترامب آنذاك. ومن بين من شملهم الاستطلاع، كانت المشاعر تجاه سياسة ترامب الخارجية وتأثيرها على المنطقة العربية أقل إيجابية من تلك التي تجاه الرئيس الصيني شي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقال 12% من الجزائريين، و15% من المغاربة، و6% من التونسيين: إن قرارات ترامب في السياسة الخارجية كانت «جيدة للغاية»، أو «جيدة». وبالموازنة عَدَّ 42% من المستطلعين في الجزائر، و39% في المغرب، و30% في تونس، قرارات الرئيس شي بشأن السياسة الخارجية «جيدة للغاية»، أو «جيدة» للعالم العربي، بينما يرى 43% من الجزائريين، و32% من المغاربة، و33% من التونسيين، الشيء نفسه بشأن قرارات بوتين في مجال السياسة الخارجية.

وعلى الرغم من أن هذه الأرقام أعلى موازنةً بنِسَب التفضيل تجاه الولايات المتحدة، فإنها جميعًا منخفضة نوعًا ما؛ مما يعزز فكرة أن تركيز كثيرين في المنطقة ينصب على الديناميكيات والتطلعات المحلية بدلًا عن دور أية جهة خارجية بعينها.

أوروبا

وتلفت كاتبتا المقال إلى أن الحلفاء الأوروبيين التقليديين، الذين لديهم مصلحة مباشرة في استقرار بلدان المغرب العربي وازدهارها، ولذلك لديهم علاقات أوثق كثيرًا مع دول المغرب العربي، لم يتمكنوا من دعم هذه البلدان أثناء الجائحة. ويرجع ذلك جزئيًّا إلى كفاحهم لتلبية احتياجاتهم الخاصة من المعدات الطبية واللقاحات.

عربي

منذ 3 شهور
هكذا يضر إعلان القطيعة بين المغرب والجزائر بالمنطقة المغاربية

وعلى سبيل المثال تفاوتت المشاعر العامة تجاه فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة في البلدان الثلاثة، وربما توفر انعكاسًا أكثر دقة لحالة العلاقات والتعاون مع الشركاء المغاربيين. ومن بين المغاربة الذين شملهم الاستطلاع في مارس وأبريل 2021، كان لدى 59% وجهة نظر إيجابية تجاه فرنسا، مما يعكس تاريخًا طويلًا من التعاون والدعم بين الشريكين. وهذا بالموازنة مع 46% من التونسيين و32% فقط من الجزائريين المستطلعين، وهو ما يعكس علاقة الجزائر المشحونة بالتوتر تاريخيًّا مع القوة الاستعمارية السابقة. وفي حالة المغرب وتونس فإن هذه الأرقام ليست أقل كثيرًا من تلك الخاصة بالصين وروسيا.

وإذا كانت روسيا والصين تتطلعان إلى إحداث تأثير أكبر بين مواطني دول المغرب العربي، فإن الطريق أمامهما لم يزل طويلًا، بحسب ما يختم المقال.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد