كتب توماس إليسون، الحاصل على درجة الماجستير في الأدب، تقريرًا نشره موقع «ذا كوليكتور»، الذي يُغطي العلوم الإنسانية والفن والتاريخ والفلسفة، يستعرض فيه تاريخ استخدام السحر في مصر القديمة، بدءًا من علاج الناس من الأمراض وحماية الأطفال والنساء، وصولًا إلى السحر الأسود المؤذي.

استهل الكاتب تقريره بالإشارة إلى أن السحر في مصر القديمة كان جزءًا لا يتجزأ من طقوس شفاء المرضى؛ إذ مارسته آلهة مصر القديمة والكهنة المُدَربين، بالإضافة إلى الفراعنة والسحرة وعامة الناس، باستخدام تعويذات ونصوص مقدسة.

تاريخ

منذ سنة واحدة
مهاجرون أم غزاة؟ هذا ما نعرفه عن الهكسوس محتلي مصر القديمة

وكان أكثر أنواع السحر شيوعًا هو ما يستخدم للحماية من قوى الشر والوقاية من الأمراض والخطر، سواء كان هذا الشر لدغة أفعى أو مرضًا عضالًا، أو حتى جيشًا غازيًا. ومع أن السحر في مصر القديمة ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالطب والعلاج، فقد استُخدم أيضًا بغرض إلحاق الأذى، مثل إلقاء اللعنة أو السحر الأسود.

الإله حكا: سحر الكون والآلهة المصرية

يرصد الكاتب أشهر الآلهة المصرية القديمة التي ارتبطت بالسحر وممارسته، ومن بينها حكا؛ الذي اعتقد المصريون القدماء بألوهيته. ويُشير لفظ «حكا» أو «حكع» إلى كلمة مصرية قديمة تعني السحر، وتشير إلى القوة السحرية الخارقة التي اعتقد المصريون القدماء أنها خلقت الكون وتغلغلت فيه. وتُترجم كلمة «حكا» إلى: «استخدام الكا (أحد أجزاء الروح التسعة)».

ويشير لفظ (كا) في الديانة المصرية القديمة إلى الروح الإلهية الحامية للإنسان. وهي جانب من جوانب روح الإنسان أو الإله، يمكن أن تعيش بعد موت الجسد في صورة أو تمثال. وكانت قوة «حكا» متاحة لتستخدمها الآلهة المصرية والكهنة والسحرة وعوام الناس، في ممارسات متنوعة لأغراض الخير أو الشر.

يُلفت الكاتب إلى أن السحر يمكن تعريفه تعريفًا فضفاضًا على أنه فعل خارق للطبيعة بهدف إحداث أي تغيير. وبحسب عالم المصريات جوريس بورجوتس، يمكن تفسير السحر بمفهومه الواسع على أنه «نظام للتعامل مع الحالات غير المنطقية». ووفقًا للأسطورة المصرية، قاتَلَ الإله «حكا» اثنتين من الأفاعي وقضى عليهما. وبعد ذلك، أصبحت هذه الأفاعي جزءًا من رمز «حكا»، الذي يتضمن ثعبانين فوق الرأس، أو ثعبانين متشابكين مع زوج من الأذرع المرفوعة.

Embed from Getty Images

أطلق الأطباء المصريون على أنفسهم «كهنة حكا». ولجأ إليهم عامة الناس طلبًا لمساعدتهم بالسحر في علاج الأمراض أو الوقاية منها ومن الطفيليات أو مشكلات الجهاز التنفسي، التي كانت شائعة في الصحراء المصرية. وكان يُجمع بين الممارسات الطبية والطقوس السحرية والتعويذات من أجل شفاء المرضى. وآية ذلك أن ظهرت صور عديد من الآلهة والفراعنة المصريين على الألواح القديمة والتماثيل والجعارين وهم يحملون صولجان «حكا» الذي يرمز إلى القوة السحرية المستخدمة في أغراض الشفاء.

نوعان من السحر

يُنوه الكاتب إلى أن مصر القديمة كان فيها نوعان من السحر: السحر الوقائي والسحر الدفاعي النافع، أو السحر «الأبيض» والسحر «الأسود» المؤذي، والذي قد يُمارس على شكل لعنات وتعويذات. ويُستخدم السحر النافع عادةً بهدف الشفاء والحماية. وقد يُمارس أيضًا لإلقاء تعويذات الحب وحماية الأطفال الصغار أو النساء أثناء الولادة، أو مرافقة شخص ميت أو يحتضر في رحلته عبر العالم الآخر. ومع ذلك، يُمكن استخدام السحر أيضًا لأغراض مؤذية ضد الأعداء في شكل لعنة أو تعويذة.

وكانت معظم الآلهة المصرية التي مارست السحر تهدف إلى حماية الناس. ويعتقد أنها كانت تجذب قوى حميدة وتصد الأرواح الشريرة، عن طريق شحن بعض الأشياء بسحر معين. ومارس المصريون القدماء السحر الأسود أو استحضار أرواح الموتى، ولكن أشيع على نطاق واسع الاعتقاد بأن السحر سيرتد بالأذى على الشخص الذي يستخدمه بنوايا خبيثة في شكل لعنة.

يوضح الكاتب أن الفراعنة عرفوا السحر قبل أن يعرفوا الكتابة. لكن فيما بعد استخدمت الكتابة الهيروغليفية لتحقيق النتائج المرجوة من السحر. وقد ارتبط السحر ارتباطًا وثيقًا بالكتابة منذ أن عرفه الكهنة من خلال دراسة النصوص المقدسة القديمة وقراءة العزائم والتعويذات.

كتاب الموتى

وصفت روزالي ديفيد، وهي عالمة مصريات بريطانية، في كتابها «الدين والسحر في مصر القديمة» الصادر عام 2002، كتاب الموتى بأنه يحتوي على بعض التعويذات التي قدَّمت «تدابير سحرية لضمان قيامة الأموات وسلامتهم في العالم الآخر». وفي النهاية، كان يقصد بالتعويذات إرشاد شخص ميت خلال الدوات (العالم الآخر في الأساطير المصرية القديمة) أو العالم السفلي. وكان السحر ضروريًّا للحماية من الشياطين والآلهة المصرية الشريرة وأي مخاطر موجودة في العالم السفلي.

Embed from Getty Images

وألمح الكاتب إلى أن هناك اعتقادًا بأن نص كتاب الموتى كتبه الكهنة على مدار ألف عام أو نحو ذلك. ووُضِعَ الكتاب في نعش أو غرفة دفن الموتى. وتبدأ عديد من النصوص بكلمة رو، والتي تعني طريقة كلام أو تعويذات. وتوجد في كتاب الموتى أكثر من 190 تعويذة.

الإله «شيد»: المخلص

ينتقل الكاتب للحديث عن إله يُدعى «شيد»، المعروف بالمخلص، وهو الذي يحمي الناس من الأمراض والأخطار، خاصة من الحيوانات البرية. وكان كثيرًا ما يُصوَّر على أنه أمير أو طفل ينقذ الناس من الحيوانات التي شكلت تهديدات في مصر القديمة، من بينها الثعابين والتماسيح والعقارب والأسود.

وكان «شيد» إلهًا ذائع الصيت في عصر المملكة المصرية الحديثة، التي يعود تاريخها إلى الحقبة الممتدة من القرن السادس عشر إلى القرن الحادي عشر قبل الميلاد. وكان يحمي الناس من السحر الأسود، ويُصور عادةً في النقوش القديمة جنبًا إلى جنب مع الإله الرضيع حورس.

الإله توتو

يُلقي الكاتب الضوء بعد ذلك على الإله «توتو» وهو أحد آلهة الحماية المصرية في العصر المتأخر، من عام 664 إلى 332 قبل الميلاد. وكان يُصوَّر عادةً في نقوش المعابد واللوحات الدينية والتماثيل على هيئة أبو الهول، وأحيانًا بأجنحة الصقر، وغالبًا ما يكون له ذيل على شكل أفعى الكوبرا، ورأس بشري أو تمساح.

وكان أبو الهول يرتبط غالبًا بشخصية الملك وآلهة الشمس. وفي التاروت، يمكن تفسير أبو الهول على أنه ممثل للحكمة والحياة العاطفية. وكان دور الإله توتو الأساسي هو: حماية الناس أثناء الليل من الشرور، وكان الناس يستحضرون سحر الإله توتو لتحصين أنفسهم من الأرواح الشريرة، فيما يعرف بـ«السحر الدفاعي».

الإلهة وادجيت

تابع الكاتب أن الإلهة «وادجيت» كانت من أوائل الآلهة المصرية الحامية التي ظهرت في أوائل عصر ما قبل الأسرات الفرعونية. وكان يُترجم اسمها إلى «الإلهة الخضراء». ووفرت مع الإلهة نخبت الحماية لأرض مصر العليا والسفلى قبل توحيدهما.

وكانت «وادجيت» تُصوَّر على أنها الكوبرا المتمردة التي تحمي من الثعابين والأخطار الأخرى. وكانت تعالج الناس من لدغات الثعابين وتبصق سم الكوبرا على أي شخص يُهدد الفرعون أو القبر الملكي.

Embed from Getty Images

ويمكنها أيضًا التحكم في الحرارة والنار. واعتقد المصريون أنها تحمي النساء عند الولادة، وأنها حامية للإله الرضيع حورس. وكانت «عين وادجيت»، المعروفة أيضًا باسم عين حورس أو عين رع، رمزًا قويًّا للحماية، ولذلك كانت تستخدم بكثرة في التمائم.

إيزيس

ينتقل الكاتب للحديث عن إيزيس، أحد أشهر الآلهة في مصر القديمة. وكان من ضمن واجباتها مرافقة الموتى إلى الحياة الأخرى والحماية من لدغات الثعابين والعقارب. كما كانت الأم المقدسة للفرعون وتزوجت من شقيقها أوزوريس. وكان المصري القديم يستخدم سحر الإلهة إيزيس في شكل تعويذات شفاء لمساعدة البشر والآلهة الأخرى.

الإله بِس

أما الإله «بِس» فكان اسمه يقترن عادةً بنظيره الأنثوي بسيت، اللذان كانا من الآلهة الحامية التي يعتقد أنها تجلب الحظ السعيد إلى منازل المصريين القدماء. وكان يُعتقد أيضًا أنها تحمي النساء والأطفال عند الولادة. وقد يكون «بِس» من أكثر الآلهة المصرية الفاتنة بسبب فحولته رغم صغر حجمه.

معابد الآلهة المصرية

يختتم الكاتب تقريره بالإشارة إلى أن هناك آلهة مصرية أخرى استخدمت السحر أيضًا، مثل: «تحوت» إله الحكمة عند الفراعنة، والذي شارك في كتابة نصوص علاجية، وأيضًا «سلقت» الإلهة العقرب التي كانت تساعد في الشفاء من لسعات العقارب. وكان هناك أكثر من ألفي إله من الآلهة المصرية القديمة. ولا غروَ أن يكون السحر كما الدين جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية في مصر القديمة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد