الواقعية السحرية (أو واقعية السحر) هي نهج أدبي ينسج عالمًا يتشابك فيه الخيال والأسطورة بالحياة اليومية. وفي عالم الواقعية السحرية، تُنزع عن العادي عاديته، ويُصبح السحري مألوفًا، ولا يبقى سوى سؤالين: ما الحقيقي؟ وما الخيالي؟

وفي مقالها على موقع «ثوت دوت كوم»، تعطي جاكي كريفن نبذةً عن الواقعية السحرية، المعروفة أيضًا باسم «الواقعية الرائعة» أو «الواقعية المدهشة».

تشرح الكاتبة أنَّ الواقعية السحرية ليست أسلوبًا أو نوعًا أدبيًّا، بقدر ما هي وسيلة للتشكيك في طبيعة الواقع من حولنا. ففي الكتب، والقصص، والشعر، والمسرحيات، والأفلام، يتحد السرد الواقعي مع الخيالات البعيدة للكشف عن رؤى مختلفة للطبيعة البشرية، والمجتمع.

يرتبط مصطلح «الواقعية السحرية» أيضًا بالأعمال الفنية، الواقعية منها والرمزية، من لوحاتٍ ورسوم إلى أعمالٍ نحتية توحي بمعانٍ خفية؛ فهناك مثلًا اللوحات الذاتية النابضة بالحياة، التي تعكس جوًا من السحر والغموض، مثل بورتريهات فريدا كاهلو بجانب القرود والببغاوات.

Embed from Getty Images

قصص تكسوها الغرابة

بحسب الكاتبة، إضفاء طابع غرائبي على قصص تدور أحداثها حول أشخاص عاديين ليس بأمرٍ جديد. إذ ميز الباحثون وجود عناصر من الواقعية السحرية في شخصية هيثكليف، التي ابتكرتها إميلي برونتي في روايتها الشهيرة «مرتفعات وذرنج Wuthering Heights» عام 1848، وشخصية جريجور المسكين، الذي حوله فرانز كافكا إلى حشرةٍ عملاقة في رواية «المسخ The Metamorphosis» عام 1915. إلا أنَّ تعبير «الواقعية السحرية» نشأ في واقع الأمر عن حركاتٍ فنية وأدبية بعينها ظهرت في منتصف القرن العشرين.

الفن الناتج من مجموعة متنوعة من التقاليد

تذكر جاكي أنَّ مصطلح «واقعية السحر» صيغ لأول مرة عام 1925 على يد الناقد الألماني فرانس روه (1890-1965). استخدمه روه لوصف أعمال الفنانين الألمان، الذين عبروا عن موضوعاتٍ شديدة العادية بدرجةٍ غريبة من الانفصال عن الواقع.

وبحلول الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، كان النقاد والباحثون يصنفون العمل بأنَّه ينتمي إلى الواقعية السحرية إذا ما اتفق مع مجموعةٍ من التقاليد. تندرج اللوحات المزهرة هائلة الحجم لجورجيا أوكيفي (1887- 1986)، واللوحات الشخصية ذات البعد النفسي لفريدا كاهلو (1907- 1954)، ولوحات إدوارد هوبر (1882- 1967) التي تعكس حياة المدينة وعزلتها، ضمن اتجاه واقعية السحر.

حركة منفصلة في الأدب

تشرح الكاتبة في مقالها كيف تطورت الواقعية السحرية في الأدب بصفتها حركةً مستقلة، منفصلة عن عالم واقعية السحر الغامض الذي ينتمي إليه صانعو الفن البصري. إذ قدم الكاتب الكوبي أليخو كاربنتير (1904-1980) مفهوم «المذهل الحقيقي» عندما نشر مقالًا عام 1949، بعنوان «عن الواقع المذهل في أمريكا الإسبانية». كان كاربنتير يرى أنَّ أمريكا اللاتينية، بجغرافيتها وتاريخها ذي الطابع الدرامي، كانت منبع الخيال في أعين العالم.

وفي عام 1955، تبنى الناقد الأدبي آنجيل فلوريس (1900- 1992) مصطلح الواقعية السحرية (بدلًا من واقعية السحر) لوصف كتابات مؤلفي أمريكا اللاتينية، الذين جعلوا من «المعتاد واليومي شيئًا رائعًا وغير واقعي».

طاولات للسيدات - لوحة بريشة الرسام الأمريكي إدوارد هوبر

طاولات للسيدات- لوحة بريشة الرسام الأمريكي إدوارد هوبر

الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية

تشير جاكي إلى أنَّه وفقًا لفلوريس، انطلقت الواقعية السحرية عام 1935، بقصةٍ ألفها الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس (1899- 1986). نسب غيره من النقاد إطلاق الحركة إلى كتابٍ آخرين، إلا أنَّ بورخيس ساعد دون شك على إرساء أساسيات الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية، التي كانت كتاباتها تُعد فريدةً ومتميزة عن أعمال الكتاب الأوروبيين مثل كافكا.

وتطرح الكاتبة أسماء مؤلفين آخرين من أصلٍ إسباني، تنتمي أعمالهم إلى تلك الفئة، مثل إيزابيل أليندي، وميجيل أنخل أستورياس، ولاورا إسكيبيل، وإلينا جارو، ورومولو جاليجوس، وجابرييل جارسيا ماركيز، وخوان رولفو.

ظروف استثنائية.. لكن متوقعة

قال جابرييل جارسيا ماركيز (1927- 2014) في مقابلةٍ مع مجلة «ذي أتلانتيك» إنَّ «السريالية تسري في الطرقات». تجنب جارسيا ماركيز مصطلح «الواقعية السحرية» لأنَّه كان يعتقد أنَّ الظروف الاستثنائية كانت جزءًا متوقعًا من حياة أمريكا الجنوبية، خصوصًا في مسقط رأسه كولومبيا.

للاطلاع على كتاباته السحرية، والحقيقية في الوقت ذاته، تنصح الكاتبة بقراءة «رجل عجوز بجناحين عظيمين A Very Old Man with Enormous Wings» و«أجمل رجل غريق في العالم The Handsomest Drowned Man in the World».

اتجاه عالمي

ترى جاكي أنَّ العالم ينظر إلى الواقعية السحرية باعتبارها اتجاهًا عالميًّا، إذ أصبحت معروفة في العديد من البلدان والثقافات المختلفة. ولجأ مراجعو الكتب، وبائعوها، ووكلاء الأعمال الأدبية، والدعائيون، والمؤلفون أنفسهم، إلى الواقعية السحرية لوصف الأعمال التي تدمج المشاهد الواقعية بالخيال والأسطورة.

وهنا تضرب الكاتبة بعض الأمثلة التي تتجلى فيها عناصر الواقعية السحرية، مثل كتابات كيت أتكينسون، وإيتالو كالفينو، وأنجيلا كارتر، ونيل جيمن، وجونتر جراس، ومارك هيلبرين، وأليس هوفمان، وكوبو آبي، وهاروكي موراكامي، وتوني موريسون، وسلمان رشدي، وديريك والكوت، وغيرهم من المؤلفين حول العالم.

6 خصائص رئيسية للواقعية السحرية

بحسب الكاتبة، من السهل الخلط بين الواقعية السحرية، وأشكال مماثلة من الكتابة التخيلية. فلا تنتمي القصص الخرافية، أو قصص الرعب، أو قصص الأشباح، أو الخيال العلمي، أو الخيال الدستوبي، أو خيال ما وراء الطبيعة، أو الأدب العبثي، أو أدب السيف والسحر، إلى الواقعية السحرية.

لكي تندرج كتابات معينة ضمن عالم الواقعية السحرية، يوضح المقال أنَّها يجب أن تشمل معظم الخصائص الست التالية، إن لم يكن جميعها:

1- المواقف والأحداث التي تتحدى المنطق

هناك مثلًا رواية لاورا إسكيبيل «كالماء للشوكولاتة Like Water for Chocolate»، وهي رواية طريفة، تحكي عن امرأة مُنعت من الزواج وتصب السحر في الطعام؛ وعلى الجانب الآخر، هناك رواية «محبوبة Beloved»، التي تروي فيها الكاتبة الأمريكية توني موريسون حكاية أكثر سوداوية وقتامة: عبد هارب، ينتقل إلى منزل يسكنه شبح طفل رضيع تُوفي منذ فترة طويلة. تختلف أحداث كل رواية تمامًا عن الأخرى، ومع ذلك تدور أحداث كلٍّ منهما في عالم يمكن أن يحدث فيه أي شيء، في أي وقت.

2- الخرافات والأساطير

تستمد الواقعية السحرية الكثير من غرابتها من الفولكلور، والأمثال الدينية، والرموز، والخرافات. فمثلًا في رواية «طريق الجوع The Famished Road» للكاتب النيجيري بن أوكري، يسرد أحد أطفال الأبيكو (اسم يُطلق على أرواح الأطفال في غرب أفريقيا) أحداث الرواية.

وفي الواقعية السحرية، تقول الكاتبة إنَّه غالبًا ما تُذكر أساطير من أماكن وأوقات متباعدة في الوقت ذاته لخلق مفارقات تاريخية مذهلة، وقصص ذات أحداثٍ مكثفة ومعقدة. ففي رواية «رجل كان يسير في الطريق A Man Was Going Down The Road»، يدمج الكاتب الجورجي أوتار شيلادزي بين الأسطورة اليونانية القديمة، والأحداث المأساوية التي شهدها وطنه الأوراسي بالقرب من البحر الأسود، وما عاصره من تاريخٍ مضطرب.

3- السياق التاريخي والمخاوف المجتمعية

تشرح الكاتبة أنَّه في الواقعية السحرية، تشتبك الأحداث السياسية، والحركات الاجتماعية التي تنشأ في الواقع، مع الخيال لاستكشاف قضايا مثل العنصرية، والتمييز الجنسي، والتعصب، وغيرها من أوجه القصور البشري.

تُعد رواية «أطفال منتصف الليل Midnight’s Children»، التي ألفها سلمان رشدي، ملحمةً تحكي عن رجل وُلد لحظة استقلال الهند. ترتبط شخصية الرجل تخاطريًّا بآلاف الأطفال السحريين الذين وُلدوا في الساعة ذاتها، وتعكس حياته الأحداث الرئيسية في بلده.

4- تحريف الوقت وتسلسل الأحداث

في الواقعية السحرية، قد تتنقل الشخصيات في الزمن، تارةً إلى الماضي، وتارةً إلى المستقبل، وأحيانًا بين هنا وهناك. وتلفت الكاتبة إلى الطريقة التي عالج بها جابرييل جارسيا ماركيز الوقت في روايته الصادرة عام 1967 «100 عام من العزلة». فالتحولات المفاجئة في سردية الرواية، والأشباح المحيطة طوال الوقت، والهواجس المخيمة، تترك لدى القارئ إحساسًا بأنَّ الأحداث تدور في حلقةٍ مفرغة.

5- أوضاع العالم الحقيقي

لا تدور الواقعية السحرية حول مستكشفي الفضاء أو السحرة، فهي بعيدة كل البعد عن عوالم حرب النجوم أو هاري بوتر. وفي مقالٍ له على صحيفة «التليجراف»، أشار سلمان رشدي إلى أنَّ «السحر في الواقعية السحرية له جذور متعمقة في الحياة الواقعية». بمعنى آخر، على الرغم من الأحداث الاستثنائية التي يقابلها أبطال كتابات الواقعية السحرية، فهم أشخاص عاديون، يعيشون في أماكن مألوفة.

مشهد من رواية 100 عام من العزلة مصورًا في رسم

6- لهجة مباشرة وفاترة

توضح جاكي أنَّ السمة الأكثر بروزًا للواقعية السحرية هي اللهجة السردية الهادئة. تُوصف الأحداث الغريبة بطريقة عابرة، وتمر دون أن تشكك الشخصيات في المواقف السريالية التي يجدون أنفسهم فيها.

على سبيل المثال، في كتابٍ قصير يُسمّى «أصبح من الصعب السيطرة على حياواتنا Our Lives Became Unmanageable»، تصف راوية الأحداث، بلهجةٍ تفتقر إلى الدرامية، اختفاء زوجها قائلةً: «… لم يكن جيفورد الواقف أمامي باسطًا كفيه، أكثر من مجرد موجاتٍ في الغلاف الجوي؛ سراب يرتدي بذلة رمادية وربطة عنق حريرية مخططة، وحين حاولتُ لمسه مرةً أخرى، تبخرت البذلة، ولم تخلف وراءها سوى لمعانٍ أرجواني مكان رئتيه، ولم يكن الشيء الوردي النابض الذي ظننتُ خطأً أنَّه وردة سوى قلبه».

لا تتبع نسقًا معينًا

ختامًا، تشير كاتبة المقال إلى أنَّ الأدب، تمامًا كالفن البصري، لا يتبع نسقًا واحدًا. فعندما نشر كازو إيشيجورو، الروائي الحائز جائزة نوبل، كتاب «العملاق المدفون The Buried Giant»، سارع مراجعو الكتب لمحاولة التعرف إلى النوع الأدبي الذي تنتمي له الرواية. بدا أنَّ القصة خيالية لأنَّها تتكشف عن عالمٍ من التنانين والغيلان، إلا أنَّ لغة السرد كانت حيادية، بجانب غياب عناصر الحكاية الخرافية. إذ تقول الرواية: «لكنَّ هذه الوحوش لم تكن سببًا في انذهال أحد… كانت هناك أشياء كثيرة، خلافها، تدعو للقلق».

إلا أنَّ المقال يطرح سؤالًا أخيرًا: هل تُعتبر رواية «العملاق المدفون» خيالية تمامًا؟ أم أنَّ إيشيجورو قد دلف بنا إلى عالم الواقعية السحرية في روايته؟ أم ربما تنتمي مثل هذه الكتب إلى أنواع أدبية مختلفة، خاصة بكل عملٍ منها بمفرده؟

7 روايات لكل امرأة.. ستغير حياتك ولن تعود للوراء ثانية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد