آفاقٌ واسعة تفتحها مجالات الهندسة الوراثية والتلاعب في الجينات، وقد تأتي أحيانًا من أغرب الأماكن وألطفها، مثل أفكار الأطفال وخيالاتهم، في حال صادف وجود شخصٍ بالغٍ خبير بالقرب، ليأخذ الفكرة الفنتازية ويحولها كتابًا علميًّا يدرس الموضوع من جوانبه المتعددة. هذا الكتاب جاء جوابًا عن سؤال طفولي: «هل يمكننا صناعة تنينِ حقيقي ينفث النار ويطير مشاركًا إيانا هذه الأرض؟» وعنه كان تقرير هيلين پيلشر محررة مجلة «نيتشر» العلمية.

Embed from Getty Images

سحر الفكر الخلاق

ليست المعارض العلميّة ساحة خصبة دائمًا للتجارب الجريئة والاستثنائية، على الرغم من الاحتمالات والوعود التي تحملها هذه النشاطات المهمة للأطفال والناشئة. تتكرر بعض التجارب دونًا عن غيرها إلى حدّ غير مستحسن، وتسخر الكاتبة من كثرتها قائلةً إنه لو كان لديها فلسٌ مقابل كل تجربة يصنع فيها الأطفال بركان الصودا التقليدي المملوء بالخلّ، أو البطاريات المشغّلة بالليمون، إذن لأصبحَ لديها ثروة بحجم جبل إڨرست.

لكن في إحدى النشاطات المقامة للصف الثامن ضمن المدارس الأمريكية، وفي أثناء انهماك الأطفال في بناء تجاربهم العلمية الشائعة، كانت جولي كنوپفلر تحلمُ أبعد بكثير من أقرانها، إذ كان مشروعها لمدرستها في كاليفورنيا يتمثل في استكشاف كيفية صنع تنين حقيقي.

Embed from Getty Images

تمايزت جولي عن أقرانها بتفكيرها الطموح والجريء، لكنه تفكير معرّض للأفول لولا والدها پول كنوپفلر، العالم البيولوجي المختص بالخلايا الجذعية في جامعة كاليفورنيا. وجدت جولي مساعدةً كبيرة بفضلِ خبرة أبيها بعلوم الحياة؛ ما أعطى لتجربتها أجنحةً تحلّق بها إلى عالم التخطيط والدراسة الحقيقية. انتقلت فكرة صنع التنين من أروقة مدرسة كاليفورنيا وبيت جولي إلى إصدار كتاب «كيف تصنع تنينًا أو تموت وأنت تحاول؟»، والذي تشاركا في تأليفه، واستكشفا فيه إمكانيات استخدام العلوم المتقدمة لبيولوجيا الخلية، وتقنية كريسبر لتنقيح الجينات وتعديلها، والهندسة الحيوية لصناعة تنين حيّ، والنتيجة ملحمية علمية طريفة، لكنها مجيدة، كما تصفها المحررة.


جولي ووالدها پول كنوپفلر مؤلفا كتاب «كيف تصنع تنينًا أو تموت وأنت تحاول؟»، المصدر

تحمل البشرية افتتانًا قديمًا تجاه التنانين، إذ نجدها في الملحمة الإغريقية الكلاسيكية «أرغونوتيكا»، وكذلك في ملحمة «بيوولف» الإنجليزية القديمة العائدة إلى العصور الوسطى. ما تزال التنانين تظهر حتى الآن في ألعاب الفيديو والأدب الخيالي الفنتازي. من منا لن تأخذ أنفاسه فكرة رؤية التنين سماوغ على أرض الواقع مثلًا؟ (وهو تنين خيالي ظهر في رواية الهوبيت من سلسلة سيد الخواتم للكاتب ج. ر. ر. تولكين) أو نوربرت من سلسلة هاري بوتر المحبوبة؟

يذكّر كنوپفلر أن تنين القرن الحادي والعشرين يتوجب أن لا يخيب الآمال، وبالتالي عليه أن يكون مجنّحًا قادرًا على الطيران، ومخيفًا ينفث النار. ينبغي أن يكون التنين كبيرًا بما يكفي ليُركَب، وذكيًّا بما يكفي ليُدرَب، وقويًّا بما يكفي ليثير ذعر أيّ أحدٍ يجرؤ على التقليلِ من احترامه. قد يحمل التنين الحديث أيضًا ميزات إضافية اختيارية، فحتّى الرؤوس المتعددة، والرؤية الليلية، والقرون المزوّدة بالسموم، تدخل كلها ضمن الاحتمالات.

Embed from Getty Images

كيف نصنع هذا التنين؟

تنقل الكاتبة نصيحة كنوپفلر للبداية المثلى لصنع تنين حي، وتتمثل في إيجاد حيوانٍ حقيقي قابلٍ لتغير بيولوجيّته تدريجيًّا حتى يصبح مشابهًا للتنين المراد. هناك نوع من السحالي يُدعى التنين الطائر (أو السحالي الطائرة)، إذ يمتلك أغشيةً للطيران تُدعى علميًّا باسم «باتاغيا»، وتحلّ محلّ الأجنحة للطيور، وكذلك بمثابة مثبتات للطيران تساعده على الانزلاق بين الأشجار. لكن وكما ينبّه الكتاب: «يمكن أن تعطي هذه الإضافات وزنًا زائدًا إلى كتلة جسمها الصغير، ما يصعّب من عملية التحليق والطيران، ولذا علينا أن لا نبالغ في تكبير حجم الجناح».

يمكن بعد ذلك إضافة أجزاء مختلفة من حيواناتٍ أخرى لهذا الحيوان «الابتدائي». يحتوي سمك الأنقليس الكهربائي مثلًا –ويُسمى أيضًا الأنقليس الرعاد- على خلايا متخصصة في ثلاثةٍ من أعضائه، والتي تُنتج حقلًا كهربائيًّا، أما الأبقار فلديها الكرش – وهو المحطة الأولى في الجهاز الهضمي- حيث تُنتج كميات هائلة من غاز الميثان.

يقترح الكاتب هنا أنه بجمعِ هاتين الصفتين بطريقةٍ ما داخل التنين الأولي المفترض، قد يجعل انبعاثات الغاز تمر تيارًا عبر الفم مشتعلةً كفاية لتحميصِ المارشميلو، وأنه حتى لو فشلت فكرة نفث النار من الفم، هناك طريقة أخرى تتمثل برشّ المواد الكيمائية الحارقة على شاكلة خنافس الرمّاثة – تُدعى بالقذّاف أو بومباردييه أيضًا- إذ تطلق الأخيرة البنزوكينون رذاذًا حارًّا وخطيرًا على أعدائها.

يعرّج الكاتب على فكرة البدء بتنانين كومودو – وتعد أكبر سحلية في العالم ويقتصر وجودها على بضعة جزر في إندونيسيا- لتكون مشروع الحيوان الخام للتنانين، إذ تتكاثر هذه التنانين بالتوالد العذري، ما يجعلها مرشحة مثالية لإنتاج أفرادٍ إضافية منها، دون الحاجة لمسألة الشريك الجنسي (التوالد العذري شكل من أشكال التكاثر اللاجنسي، وتستطيع الأنثى فيه إنتاج ذريّة لها دون الحاجة لإخصاب بويضتها بحيوان منوي).

Embed from Getty Images

مثل هذه التفاصيل وغيرها من الحقائق العلمية المثيرة من عالم الحيوان والطبيعة، هي ما أوصلت كنوپفلر وابنته إلى إنتاج كتابهما الممتع، بما فيه من معلوماتٍ عامة مفصّلة للأساليب والخصائص الحيوانية المختلفة، وكذلك جميع السيناريوهات المحتملة الخطرة على حياة الإنسان في أثناء سعيه وراء صنع التنين المتخيل. وتنقل المحررة قولهما في الكتاب: «نتكّهن بأكثر الطرق احتمالًا لملاقاة مصيرنا المأساوي؛ لأن تنيننا سيحرقنا أو يرمينا من علوّ شاهق». (هل من شيءٍ أمتعُ من اختلاط العلم بالفنتازيا هذا؟).

لماذا سنصنع التنين؟

إذا كانت مخاطر إيجادِ تنينٍ عالية إلى هذه الدرجة، لِم يمكن أن يقدم أيّ إنسان على فعلها أو حتى التفكير بها؟ تُلقي المحررة دعابةً هنا أن امتلاكها تنينًا سيمكّنها من تدريبه على حرقٍ أيّ شخصٍ يتحدث على هاتفه بصوتٍ مؤذٍ في علوّه، أو يأكل وفمه مفتوحًا، أو يتجاوزها في الطابور. لكن كنوپفلر ينوّهان إلى وجود أسباب متعددة لصنع التنين، بما في ذلك إمكانية استخدامه للسفر الجوي، وكذلك جذب اهتمام إيلون مسك مثلًا.

Embed from Getty Images

لا يريد آل كنوپفلر صنع تنينٍ حقيقي بالفعل، إذ إنه وفضلًا عن العقبات التقنية الحالية، فإن فكرة صنع التنين نفسها أرض وعرة أخلاقيًّا. كل ما يريده آل كنوپفلر هو دفع قرائهما للتفكير والنظر إلى هذه الموضوعات بعينٍ جديدة؛ فمسائل الخلايا الجذعية، وتعديل الجينات، والاستنساخ، والهندسة الوراثية تتجدد في نشرات الأخبار بصفةٍ دورية. ويُتعب پول كنوپفلر المتخصص في هذا المجال طريقة الإعلام بإثارة هذه الأخبار عادةً؛ خاصةً لكون هذا المجال سريع التطور وله حساسيته الحيوية. يسعى الكتاب إلى انتقاد هذا الأمر بصيغةٍ ساخرة، وكذلك رفع الوعي تجاه هذا العلم مجملًا.

ترشّح المحررة هذا الكتاب، موضحة توجّه كنوپفلر لجعل محتواه مرحًا ومبالغًا فيه عن عمد، مع لمسة الذكاء والعلوم الموجودة فيه. يعطيك الكتاب دليلًا توجيهيًّا خطوة بخطوة لكيفية تسليح الزواحف وإيصالها لمرحلة إيجاد تنينٍ تحت الطلب، ولكنه أيضًا يثير فضولًا وشغفًا صحيًّا لدى القارئ تجاه كثيرٍ من الجوانب العلمية. الكتاب منشور تحت عنوان «كيف تصنع تنينًا أو تموت وأنت تحاول: نظرة ساخرة إلى العلوم الطليعية» من قبل وورلد ساينتيفيك پپلشينغ، عام 2019.

كيف تبسط العلوم لطفل ذي 3 سنوات؟ إليك 16 مرجعًا يُسهل المهمة

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد