سلَّط ريان سميث، أستاذ مشارك في جراحة المسالك البولية بجامعة فيرجينيا، في مقالٍ نشره موقع «ذا كونفرزيشن» الأسترالي، الضوء على إمكانية أن تكون السموم البيئية أحد الأسباب في تراجع معدل الخصوبة لدى الذكور، مستشهدًا ببعض الدراسات التي تثبت هذه الاحتمالية.

تساؤلات مهمة

في مستهل مقاله، يُشير الكاتب إلى أن زوجًا واحدًا تقريبًا من كل ثمانية أزواج في الولايات المتحدة يعاني من العقم. وللأسف، يعجز الأطباء المتخصصون في الطب التناسلي عن تحديد سبب الإصابة بالعقم عند الذكور التي تتراوح نسبتها من 30% إلى 50% في الوقت الحالي. وليس هناك شيء أكثر إحباطًا من سماع الزوجين عبارة «لا أعرف السبب» أو «لا يوجد شيء يُمكنني عمله للمساعدة».

علوم

منذ سنة واحدة
في زمن كورونا.. الأرض تعاني من ارتفاع «التلوث الضوئي» وهذه أضراره

ويُوضح الكاتب أنه عندما يتلقى بعض الأزواج هذه الأخبار، يطرحون عليَّ بعض الرجال تساؤلات تتشابه جميعها في طريقة التفكير نفسها، مثل: «ماذا عن أسلوب عمله وهاتفه المحمول وأجهزة الحاسوب المحمولة؟ وماذا عن كل هذه المواد المصنوعة من البلاستيك؟ هل تعتقد أنها قد تكون عوامل أسهمت في الإصابة بالعقم»؟

يقول الكاتب إن هذا التساؤلات التي يطرحها مرضاي هي بالفعل أسئلة مهمة في الصحة الإنجابية للذكور: هل تسهم السموم البيئية في إصابة الذكور بالعقم؟

تراجع معدل خصوبة الذكور

يُعرِّف الكاتب العقم بأنه عدم قدرة الزوجين على تحقيق الحمل لمدة عام واحد على الرغم من ممارستهما العلاقة الحميمية (الجِماع) بصورة منتظمة. وعندما يكون الأمر كذلك، يُجري الأطباء تقييمًا لكلا الزوجين لتحديد سبب تأخر الحمل.

ويُمثل تحليل السائل المنوي حجر الأساس لتقييم الخصوبة عند الرجال، ويوجد عدد من الطرق التي تُقيِّم الحيوانات المنوية. ويُعد عدد الحيوانات المنوية، سواء العدد الإجمالي للحيوانات المنوية التي ينتجها الرجل، وتركيز الحيوانات المنوية وعدد الحيوانات المنوية لكل ملليلتر من السائل المنوي من المقاييس الشائعة، لكنها لا تمثل أفضل مؤشر على معدل الخصوبة. وفي حين أن إجمالي عدد الحيوانات المنوية المتحركة يُعد مقياسًا أكثر دقة، وهو الذي يُقدر نسبة الحيوانات المنوية التي لديها القدرة على السباحة والحركة.

ويستطرد الكاتب موضحًا أن هناك مجموعة واسعة من العوامل التي يمكن أن تؤثر في خصوبة الرجال، بداية من السمنة مرورًا بالاختلالات الهرمونية ووصولًا إلى الأمراض الوراثية.

Embed from Getty Images

ويمكن لعديد من الرجال أن يجدوا علاجات يُمكنها أن تساعد على تحسين معدل الخصوبة. ولكن ابتداءً من تسعينيات القرن العشرين، لاحظ الباحثون مسارًا مثيرًا للقلق. وحتى عند التحكم في عديد من عوامل الخطر المعروفة، بدا أن معدل خصوبة الرجال آخذ في التراجع منذ عقود.

ما سبب انخفاض الخصوبة؟

في عام 1992، وجدت دراسة أن تراجعًا عالميًّا بنسبة 50% في عدد الحيوانات المنوية لدى الرجال على مدار الستين عامًا الماضية. وأكدَّت عدة دراسات أُجريت على مدار السنوات التي أعقبت ذلك هذه النتائج الأولية، ومنها ورقة بحثية أُجريت في عام 2017، والتي أظهرت انخفاضًا بنسبة تتراوح بين 50% و60% في نسبة تركيز الحيوانات المنوية في المدة بين عامي 1973 و2011 لدى الرجال من جميع أنحاء العالم.

ويُنوِّه الكاتب إلى أن هذه الدراسات، على الرغم من أهميتها، ركَّزت على تركيز الحيوانات المنوية أو إجمالي عدد الحيوانات المنوية. ولهذا السبب، قرر فريق من الباحثين في عام 2019 التركيز على العدد الإجمالي للحيوانات المنوية المتحركة الأكثر قوة. ووجدوا أن نسبة الرجال الذين لديهم نسبة طبيعية للعدد الإجمالي للحيوانات المنوية المتحركة انخفضت بمعدل 10% تقريبًا خلال الستة عشر عامًا الماضية.

ويضيف الكاتب أن الأبحاث العلمية مترابطة ومتطابقة: ينتج الرجال في الوقت الراهن عددًا أقل من الحيوانات المنوية من التي كانت تُنتَج في السابق، وتدهورت صحة الحيوانات المنوية. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: ما السبب وراء هذا التراجع في معدل خصوبة الرجال؟

السموم البيئية والقدرة على الإنجاب

لفت الكاتب إلى أن العلماء توصلوا منذ سنوات إلى أن التعرض للسموم البيئية، في النماذج الحيوانية على أقل تقدير، يُمكن أن يُغير التوازن الهرموني ويُؤثر في القدرة على الإنجاب. ولا يُمكن للباحثين تعريض البشر عمدًا للعناصر الضارة لقياس النتائج، ولكن يمكننا محاولة تقييم الارتباطات والتداخلات.

وتابع الكاتب قائلًا: ومع ظهور الاتجاه التراجعي في معدل خصوبة الرجال، بدأتُ أنا وعدد آخر من الباحثين في دراسة بعض المواد الكيميائية المنتشرة في البيئة سعيًا وراء العثور على إجابات لهذه التساؤلات. صحيحٌ أن هذا النهج لا يسمح لنا بتحديد المواد الكيميائية التي تتسبب في تراجع معدل خصوبة الرجال بدقة، ولكن رجحان البينة على ذلك وقوتها تتزايد تدريجيًّا.

Embed from Getty Images

ويُركز جزء كبير من هذا البحث على المواد الكيميائية المسببة لاضطرابات الغدد الصماء، وغيرها من الجزيئات التي تماثل هرمونات الجسم وإصلاح التوازن الهرموني الهش للقدرة على الإنجاب. وتشمل هذه المواد مثل الفثالات، المعروفة باسم المُلدنات، بالإضافة إلى بعض المبيدات الحشرية ومبيدات الأعشاب والمعادن الثقيلة والغازات السامة والمواد الاصطناعية الأخرى.

وأكدَّ الكاتب أن التعرض للملدنات، التي تدخل في صناعة معظم المواد البلاستيكية، مثل زجاجات المياه وحاويات الطعام، يؤثر تأثيرًا سلبيًّا على هرمون التستوستيرون وصحة السائل المنوي وقوته. وتعج الإمدادات الغذائية، وخاصة تلك التي تحتوي على مركبات عضوية اصطناعية وفوسفور، بمبيدات الأعشاب والمبيدات الحشرية التي لا يخفى على أحد تأثيرها السلبي على الخصوبة.

وألقى الكاتب الضوء على تلوث الهواء الذي يُطوق المدن السكنية، ما يُعرض السكان للجسيمات الدقيقة وثاني أكسيد الكبريت وأكسيد النيتروجين وغيرها من المركبات التي قد تُسهم في شكل الحيوانات المنوية غير الطبيعية. وارتبط التعرض للإشعاع من أجهزة الكمبيوتر المحمولة والهواتف المحمولة وأجهزة المودم أيضًا بانخفاض عدد الحيوانات المنوية وضعف حركتها والبنية غير الطبيعية للحيوانات المنوية. كما توجد المعادن الثقيلة مثل الكادميوم والرصاص والزرنيخ في الطعام والماء ومستحضرات التجميل والتي لا يخفى على أحد أيضًا أنها تضر بصحة الحيوانات المنوية وقوتها.

ويخلص الكاتب إلى أن المواد الكيميائية المسببة لاضطرابات الغدد الصماء ومشاكل العقم التي تنجم عنها لها تأثير كبير في صحة الإنسان النفسية والبدنية. ويُكلِّف علاج هذه الأضرار أثمانًا باهظة.

آثار المواد الكيميائية غير الخاضعة للرقابة

يوضح الكاتب أن البشر يستخدمون في الوقت الراهن قدرًا كبيرًا من المواد الكيميائية، ويُعد تتبعها جميعًا أمرًا صعبًا جدًّا. وفي الوقت الحاضر، أُدرِج أكثر من 80 ألف مادة كيميائية في البرنامج الوطني لعلم السموم. وكان 60 ألف من هذه المواد الكيميائية قد أُدرج في البرنامج مع الحد الأدنى من المعلومات عندما تأسس البرنامج في عام 1978، ويضاف حوالي ألفا مادة كيميائية جديدة سنويًّا إلى القائمة.

ويعتقد عديدٌ من العلماء أن اختبار السلامة للمخاطر الصحية والبيئية ليس قويًّا بدرجة كافية، كما أن التطور السريع وإدراج مواد كيميائية جديدة يتعارض مع قدرة المنظمات على اختبار المخاطر التي تتعرض لها صحة الإنسان على المدى الطويل.

Embed from Getty Images

وفي الوقت الراهن، تتبنى اللوائح الوطنية الأمريكية المُنظِّمة لعلم السموم مبدأ المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وتعد اللوائح الأمريكية أقل شمولًا وتقييدًا من اللوائح المماثلة في أوروبا. وكانت منظمة الصحة العالمية قد حددت مؤخرًا 800 مادة كيميائية قادرة على تعطيل عمل الهرمونات، وأجريت بعض الاختبارات على قدر ضئيل منها فحسب.

ويستشهد الكاتب بما قاله مجلس الكيمياء الأمريكي، أقدم رابطة تجارية من نوعها في الولايات المتحدة، على موقعه على الإنترنت، إن: «الشركات المصنِّعة لديها اليقين التنظيمي الذي يحتاجون إليه للابتكار والنمو وخلق فرص العمل والفوز في السوق العالمية، في الوقت نفسه الذي تستفيد فيه الصحة العامة والبيئة من الحمايات القوية القائمة على أساس التصدي للمخاطر».

التلوث البيئي.. جرس إنذار

بيد أن واقع النظام التنظيمي الحالي في الولايات المتحدة يعتمد على طرح المواد الكيميائية بأقل قدر من الاختبارات ولا تُسحب من السوق إلا بعد إثبات وقوع الضرر، ويمكن أن يستغرق ذلك عقودًا من الزمان. ووصف دكتور نيلز سكاكيبيك، الباحث الرئيس في أحد المشروعات الأولية عن انخفاض عدد الحيوانات المنوية، تراجع معدل خصوبة الرجال بأنه: «بمثابة جرس إنذار للبشر كافة».

واختتم الكاتب مقاله بالقول: دقَّ مرضاي جرس إنذار مفاده أن زيادة الوعي العام والدفاع أمران مهمِّان لحماية الصحة الإنجابية العالمية حاليًا وفي المستقبل. وصحيحٌ أنني لستُ متخصصًا في علم السموم ولا يُمكنني تحديد أسباب الإصابة بالعقم، لكنني بصفتي طبيبًا، أشعر بالقلق من أن قدرًا كبيرًا من عبء إثبات الدليل يقع على عاتق جسم الإنسان والأشخاص المرضى.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد