1,901

طلب رجل فلسطيني عاش حياته في سوريا أن يتحدث مع الكاتبة، وأخبرها بأن رجالًا مسلحين اقتحموا قريته واغتصبوه. جعلته الحادثة في حال يرثي لها، ولم يستطع العمل بسبب اضطرابه النفسي، رغم أنه هو من يرعى أخته الصغرى.

نشرت «الجارديان» تقريرًا تكشف فيه عن اغتصاب الذكور، والتعذيب الجنسي الذي يعاني منه المحتجزون في سوريا، وهو ما يحدث في كل مكان ومن كل الجهات، بحسب وصف الجريدة. كتبت التقرير سارة تشينوث، وهي باحثة وأكاديمية تعمل في مجال حقوق الإنسان، وعضوة لجنة تقصي الحقائق التي أوفدتها مفوضية الأمم المتحدة للاجئين من أجل التحقيق في العنف الجنسي الموجه ضد الرجال والصبيان في الأزمة السورية.

تقول الكاتبة إنها حين بُعثت إلى سوريا قبل عام، كانت تعلم أن العديد من النساء والبنات عرضة للاغتصاب أو للأنواع الأخرى من العنف الجنسي، لكنها لم تعرف الكثير عما يحدث للرجال والصبيان. فبناءً على التقارير الموجودة مسبقًا، كانت تفترض أن بعض الرجال والصبيان يعانون من سوء المعاملة، وأن العنف الجنسي ضد الذكور ليس شائعًا. كانت تظن أن اللاجئين لم يسمعوا بالأمر أيضًا، وأنهم إن كانوا يعرفون شيئًا، فلن يحادثوها حول هذا الموضوع الشائك؛ لكنها كانت مخطئة.

اقرأ أيضًا: اللاجئات السوريات في الأردن: «زواج المتعة» الخيار الوحيد «للسُترة»

في السجن والعمل والمدرسة

وصلت الكاتبة إلى مدينة أربيل -عاصمة كردستان العراق- في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2016، وتستضيف المدينة 200 ألف لاجئ سوري. وفرت لها الأمم المتحدة مترجمًا، ورتبت لقاءات مع اللاجئين في مخيم قريب. وكان من ضمن المجموعة الأولى ثمانية رجال أتوا هربًا من الحرب، وسألتهم في البداية عن حياتهم داخل المخيم، وعن محاولاتهم للتعايش، وعن أكبر مخاوفهم. ما إن اعتاد الرجال الحديث معها، جست نبضهم بسؤالهم إن كانوا قد سمعوا عن حالات عنف جنسي ضد الرجال أو الصبيان في سوريا، نظر الرجال إليها وهم غير مصدقين، فهم لا يفهمون كيف أنها تسأل سؤالًا بديهيًّا كهذا، ثم ردوا بالقول: «طبعًا نعم، إنه يحدث في كل مكان، ومن كل الأطراف».

تفاجأت الكاتبة بإجابتهم، وصراحتهم في الإجابة. لكنها كانت لا تزال غير متأكدة؛ لأن الشائعات تملأ مناطق النزاع. سألتهم إن كانوا قد سمعوا شهادات من أشخاص يعرفونهم شخصيًّا، فكانت الإجابة بـ«نعم» أيضًا. التقت الكاتبة بحوالي 200 لاجئ خلال رحلتها في كردستان والأردن ولبنان، وكانت إجاباتهم جميعًا مشابهة، ومليئة بالقصص المؤلمة. بعد محادثة جماعية في لبنان، طلب رجل فلسطيني عاش حياته في سوريا أن يتحدث مع الكاتبة، وأخبرها بأن رجالًا مسلحين اقتحموا قريته واغتصبوه. جعلته الحادثة في حال يرثي لها، ولم يستطع العمل بسبب اضطرابه النفسي، رغم أنه هو من يرعى أخته الصغرى.

صورة من معرض يوثق طرق تعذيب النظام السوري.

حكى لها شاب سوري -من بين من التقتهم في الأردن- عن عمه الذي احتجز عشوائيًّا، وعذبه السجانون جنسيًّا وقت احتجازه. توقف عمه عن الأكل، وأصبح مدمنًا للكحول بعد الإفراج عنه، ومات بسبب الفشل الكبدي بعدها بوقت قصير. تصف النساء كيف تغير الرجال بعد هذه التجارب، فعزلوا أنفسهم، ولم يعودوا مهتمين بممارسة الجنس، وأصبحوا عنيفين في بعض الحالات. كما أن بعضهم لم يستطع العمل بسبب التأثير النفسي والجسدي للعنف، ما تسبب في تعريض أسرهم لخطر الفقر. وتشير الكاتبة إلى رجل آخر عانى من إصابات موهنة ومؤلمة أصابته بسبب التعذيب الجنسي. ويقول بعض العاملين في المنظمات الإنسانية أن الإصابات الشرجية كانت تظهر في بعض الرجال الذي احتجزوا من قبل.

تضيف الكاتبة أن الشهادات -المتعددة- كانت مرعبة، وتفطر القلب. كان من ضمن من قابلتهم في الأردن مجموعة من النساء اللاتي أردن الحديث حول الأمر. طبقًا لما قلن، فإن الإيذاء الجنسي هو أمر روتيني للرجال والصبيان في أماكن الاحتجاز السورية، وهي ملاحظة ذكرها لاجئون آخرون، وقالوا إن أعدادًا كبيرة من الرجال كانت تحتجزهم جماعات مسلحة مختلفة.

وعند سؤالهم عن تقديرهم لنسبة الرجال الذين تعرضوا للعنف الجنسي وهم محتجزون، أجابوا: «ما بين 30% إلى 40%. لم نقابل عائلة لم يتعرض أحد أفرادها للعنف الجنسي أثناء الاحتجاز». ويصف لاجئون آخرون كيف تنفذ الجماعات المسلحة الهجمات على البيوت، والتي «يغتصبون الجميع» خلال تنفيذها، رجالًا ونساءً. هذا التعبير تكرر على مسامع الكاتبة مرات عديد خلال حديثها مع اللاجئين في الدول الثلاث.

حتى بعد النزوح إلى البلدان المجاورة، تعرض بعض الصبيان الأصغر سنًّا للاستغلال الجنسي من صبيان أكبر سنًّا أو رجال، إذ يعدونهم بالطعام أو الأموال لإغرائهم. تقول بضع نساء إن أبناءهن صاروا خائفين جدًا من أن يذهبوا إلى المدرسة، خوفًا من أن يُعتدى عليهم جنسيًّا في الطريق، أو من نظرائهم في المدرسة.

تضيف الكاتبة أن أكثر ما فاجأها هي الشهادات حول الاستغلال الجنسي في العمل، وكان أول من أخبرها بأمره شابًا سوريًّا يبلغ من العمر 18 عامًا، ويعمل في وظيفتين. حكى لها كيف أن مديره طلب منه أن يلبي بعض الطلبات الجنسية قبل دفع رواتبه، ولم يكن قادرًا على الرفض بسبب اعتنائه بأمه وأختيه. وكان إحساسه بالعار ويأسه واضحين، بحسب الكاتبة. سمعت قصصًا مماثلة لاحقًا، من رجال وصبيان يعمل العديد منهم دون تصريح عمل قانوني. شعر بعضهم أنه لا يملك خيارًا آخر، تحت وطأة الفقر المدقع، والمساعدات القليلة، وضغوط شديدة لرعاية أسرهم.

اقرأ أيضًا: عداءً لقطر والإسلام السياسي.. الإمارات تعمل منذ البداية مع بشار الأسد!

معاناة مضاعفة للمثليين والعابرين جنسيًّا

غرض التعذيب هو الأذى النفسي الشديد الذي يجعل هوية الإنسان مشوشة. وليس من الغريب أن يُستخدم التعذيب الجنسي ضد الرجال والصبيان في مكان مثل سوريا.

تحدثت الكاتبة أيضًا مع مجموعة من اللاجئين المثليين والعابرين جنسيًّا، والذين عانوا من وصمتين؛ إذ إنهم لاجئون وأيضًا من الأقلية الجنسية والجندرية. أخبرها أحد الرجال المثليين أنه اعتقل في سوريا لأربعة أشهر، عانى خلالها هو وسجناء آخرون من الاغتصاب الشرجي بالزجاجات والعصي، وأضاف أنه ما زال يعاني عند الجلوس. انتقل بعدها إلى بلد مجاور لكنه لم يجد فيه الأمان، فقد اعتدى عليه جنسيًّا عصابة شوارع في مرة، وحارس أمني في مرة أخرى. وكان يعلم أنه ما يزال في خطر.

ومن بين نفس المجموعة، سرد أفراد آخرون شهادات اعتداء جنسي من سائقي الأجرة، والجيران، وملاك المنازل، وأفراد الجيش. كانوا يخشون بشدة أن يبلغوا الشرطة التي قد تعتدي عليهم مجددًا، أو حتى تعتقلهم بموجب قوانين «الحياء العام» و«الممارسات غير الطبيعية».

في الأردن، التقت الكاتبة بمجموعة من المختصين النفسيين الذين تخصصوا في علاج الناجين من التعذيب، وسألتهم عن سبب استخدام التعذيب الجنسي في هذا الصراع. كانت إجابتهم أن غرض التعذيب هو الأذى النفسي الشديد الذي يجعل هوية الإنسان مشوشة. وليس من الغريب أن يستخدم التعذيب الجنسي ضد الرجال والصبيان في مكان مثل سوريا، حيث النشاط الجنسي المثلي ممنوع، والقواعد الجندرية التقليدية مترسخة.

صورة أرشيفية لآثار التعذيب على أحد الناجين من الحرب في سوريا.

تشير الكاتبة إلى دراسات أجريت في بلدان أخرى وثقت فيها حالات من العنف الجنسي، مثل ليبيريا وشمال أوغندا ويوغوسلافيا سابقًا، وتظهر هذه الدراسات أن الرجال والصبيان في هذه الدول كانوا عرضةً لأنواع متباينة من العنف الجنسي. وبالرغم من أنه مسألة معقدة، يظل العنف الجنسي في وقت الحرب وسيلةً فعالةً جدًا لإذلال الرجال والنساء وترهيبهم وإخضاعهم.

بحسب التقديرات -المتهاونة على الأغلب في رأي الكاتبة- فهناك نازحة من بين كل خمس تعرضت للعنف الجنسي، ورغم كون النساء والبنات هن الضحايا الأساسيات في الصراع وفي النزوح، لكن هذا لا يعني أن عدد الناجين من الذكور قليل. وتضرب الكاتبة مثالًا بدراسة أجريت عام 2010 في جمهورية الكونغو الشرقية، وتوصلت إلى أن ربع عدد الرجال -المختارين من بين مناطق متأثرة بالنزاع- عانوا من العنف الجنسي، أي ما يقارب 760 ألف رجل. ويهدد خطر العنف الجنسي الأفراد المثليين والعابرين جنسيًّا بشكل خاص، سواء كانوا محتجزين أو لاجئين.

تستطرد الكاتبة إلى الأخبار الجيدة، إذ بدأت بعض المنظمات الإنسانية في الاعتراف بالمشكلة، وتوفير الخدمات الأساسية للذكور الناجين، لكن نظل في حاجة لعمل الكثير لمنع هذا العنف وتوفير الدعم والرعاية للرجال والصبيان الذين تعرضوا له. لا بد أن يكمل هذا العمل ويدعم -إن أمكن- برامج للنساء والبنات، اللاتي ينلن الجزء الأكبر من العنف الجنسي، ويواجهن أشكالًا لا تحصى من العنف والتمييز والقهر.

دور المجتمع الدولي

ينادي التقرير -الذي اشتركت فيه الكاتبة- بزيادة الدعم القانوني والموظفين، وبتوفير المزيد من البيانات، ويطالب المتبرعين بدعم البرامج التي تحتاجها هذه المنطقة بشكل ضروري. كما يفترض نشر التوعية، وتوفير الرعاية المناسبة، والعمل مع المجتمعات لتأسيس برامج هادفة، لمنع العنف الجنسي ضد الرجال والصبيان، والتعامل معه كما يجب. ولا يمكن لهذا أن يحدث دون وجود تمويل.

بينما الأموال المخصصة لبرامج العنف ضد النساء والبنات قليلة بالفعل، لا زلنا نحتاج المزيد من أجل الرجال والصبيان والأقليات الجنسية والجندرية. وكانت حكومة الولايات المتحدة من بين الحكومات القليلة التي وفرت المال لمواجهة العنف ضد الرجال والصبيان في الأوضاع الإنسانية.

لكن إدارة ترامب تقترح اقتطاع جزء كبير من ميزانية الشؤون الدولية لعام 2018، وهو ما سيؤثر في برامج دعم التنمية لوكالات الأمم المتحدة في خارج الولايات المتحدة. تقول الكاتبة إن هذا الأمر سيكون ضارًا جدًا، ليس على السوريين فقط؛ بل على 65 مليون شخص حول العام، يواجهون جميعًا أهوال الحروب والكوارث والنزوح، أو العنف الجنسي أحيانًا. تخفيض الميزانية سيكون كارثيًّا على المنظمات الصغيرة والمحلية في أغلب الوقت، والتي توفر خدمات إنقاذ أساسية في أوضاع خطرة لا تعمل فيها أي مؤسسات إنسانية دولية.

وتضيف أن المنظمات التي توفر الرعاية للناجين من العنف الجنسي في المناطق التي ذهبت إليها، كان أغلبها من منظمات محلية متعلقة بالنساء أو بالمثليين أو بحقوق الإنسان، ويعتمد العديد منها على التمويل الذي يأتي من الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى التي تدعمها الولايات المتحدة.

تختم الكاتبة تقريرها بالقول إن قصص اللاجئين هذه تنبهنا إلى أن خفض الميزانية يؤثر في فرص حياة البعض ممن هم شديدو الوهن، وأن هؤلاء الرجل والصبيان، كما كل الناجين من الحروب والكوارث، يستحقون أن يحظوا بحق الحماية والدعم والرعاية الجيدة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك