بعد تأجيل الانتخابات التشريعية في مالي والتي كان مُقررًا عقدها في أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2018، وتمديد ولاية النواب إلى نهاية النصف الأول من العام الجاري، ومع تصاعد أعمال العنف وانتشارها بين الطوائف العرقية، تتناول الكاتبة مولي أريوتي في تقرير بصحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تداعيات الوضع، وما يعنيه ذلك فضلًا عن تصورها للأزمة.

في مارس (آذار) الماضي شن رجل مُسلح هجومًا على قرية في وسط مالي، أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 130 شخصًا وإحراق منازلهم، وكانت تلك مجرد حادثة واحدة من بين عددٍ من أعمال العنف المتصاعد بين الطوائف العرقية. وبعدها بفترة وجيزة وقع هجوم ثانٍ على قرية تغلب عليها الطائفة العرقية التي يُشبته في كونها المسؤولة عن الهجوم الأول. ويأتي كل ذلك في أعقاب الحرب الأهلية التي وقعت عام 2012؛ إذ تحاول «ميليشيات إسلامية» عديدة إقصاء النخب الحكومية الوطنية والمحلية من مناطقها.

وبحسب التقرير فقد دفع عزوف الحكومة عن اتخاذ أي إجراءات لوضع حدٍ لذلك العنف، أعضاء البرلمان المالي إلى تقديم التماس في 17 أبريل (نيسان) بسحب الثقة من رئيس الوزراء سوميلو بوبي مايغا، المنتمي إلى التحالف من أجل التضامن في مالي وتقارب القوى الوطنية، وقد ذيع ذلك في بثٍ مباشر على التلفزيون الوطني. وكان مايغا عينه الرئيس إبراهيم أبو بكر كيتا، المُنتمي إلى حزب التجمع من أجل مالي، والذي انتُخب عام 2013، ثم أُعيد انتخابه مرة أخرى العام الماضي، بعدما وعد بتوحيد البلاد والحد من العنف المنتشر.

Embed from Getty Images

ويشير التقرير إلى أن الدافع وراء تحرك أعضاء البرلمان كان إدراكهم أنَ الناخبين يشعرون بالإحباط من عدم اتخاذ الحكومة رد فعلٍ مناسب إزاء هذا العنف، وينتابهم شك في أن مايغا يركز اهتمامه على طموحاته السياسية الخاصة به أكثر من التصرف لحل الأزمة. وكانت النتيجة استقالة مايغا قبل التمكن من إجراء الانتخابات ومعه ائتلاف حكومته بالكامل.

ولأن الحكومة المالية تعتمد في بقائها في السلطة على تأييد الأغلبية، ترى كاتبة التقرير أنه ينبغي على القادة السياسيين التفكير بشكلٍ استراتيجي حيال عقد التحالفات التي تُمكنهم من البقاء في السلطة، مشيرة إلى أنه عندما يحصل زعيم حزبٍ ما على أغلبية المقاعد، يسهل عندها الإبقاء على دعم المجلس التشريعي له.

لكن نُظُم الأحزاب في أفريقيا، حسبما تقول الكاتبة، مُفككة في أغلبها، وتغيير الانتماءات الحزبية ليس شيئًا نادر الحدوث؛ ما يعني أنه حتى في وجود أحزاب رئيسة قوية، يمكن في بعض الأحيان أن يجد الرؤساء ورؤساء الوزراء أنفسهم في موقفٍ حرج، حيث أحزابهم لا تؤثر على الأغلبية.

فاز حزب كيتا، التجمع من أجل مالي، بعدد 66 مقعدًا من أصل 147 في الانتخابات التشريعية عام 2013. وبفضل مساعدة الأحزاب المتحالفة مثل التحالف من أجل التضامن في مالي وتقارب القوى الوطنية، استطاع الائتلاف الرئاسي من التحكم في 155 مقعدًا في المجلس التشريعي. إلى أن ضَعُف ذلك الائتلاف.

ما الذي يجعل الأحزاب في مجلس تشريعي مُفكك تختار تشكيل ائتلافات من الأساس؟

يشير التقرير إلى أنَّ منصب الوزير يمنح صاحبه قدرًا كبيرًا من التحكم في موارد الوزارة، ويصاحبه أيضًا عدد من المزايا الشخصية الأخرى. وهو ما يُعطي الوزراء – الذين يكونون عادة من النخبة السياسية – فرصة توزيع المشروعات على المناطق أو المجموعات التي أيّدتهم. وهكذا فإن المناصب الوزارية تكون حافزًا لزعماء الأحزاب للانضمام إلى الحكومة.

واستعرضت كاتبة التقرير طريقة توزيع المناصب الوزارية بين المشاركين المُحتملين في الائتلاف في ضوء حقيقة أن الرئيس ونائبه المُعين يرغبان في الحصول على تأييد المجلس التشريعي، وإلى أن بعض الأحزاب على الأقل في المجلس ترغب في التمكن من الوصول إلى الموارد المختلفة من خلال الانضمام إلى الحكومة.

وتشير الكاتبة إلى ورقةٍ بحثية جديدة لها بالاشتراك مع أستاذة العلوم السياسية سونا غولدر، وفيها تستعرض الباحثتان كيف أن طريقة تقاسم الأحزاب السياسية الأفريقية المتحالفة المناصب الوزارية يسهُل توَقعها. إذ يحصل كل حزبٍ على نسبة مقاربة لعدد المقاعد التشريعية التي أسهم بها إلى الحكومة. ونتيجة لذلك تكون الحكومة في مالي غالبًا غير مستقرة لعدم وجود حزب واحد يستحوذ على غالبية المقاعد، وأن جميعها تعتمد على دعم الشركاء المتحالفين معها، وفقًا للتقرير.

طريقة إجراء البحث

تذكر مُعدة التقرير اشتراكها مع غولد في جمع البيانات من الصحف الإلكترونية، والموسوعات، والمواقع الحكومية، ومن عدد من المصادر المتنوعة الأخرى، التي تناولت انضمام الأحزاب إلى الحكومة في الديمقراطيات الأفريقية بدايةً من عام 1990، وحتى 2015، وعدد المناصب الوزارية التي حصل عليها كل حزب.

وتقول إنهما وجدتا الأمر سارٍ، مثلما هو الحال في حكومات ائتلافية أخرى في نواحٍ أخرى من العالم (مثل أوروبا وأمريكا اللاتينية)، حيث المناصب الوزارية تُوَزع بين شركاء الائتلاف بطرقٍ معينة. ويحصل كل حزبٍ على عددٍ من الوزارات يُمثل تقريبًا حصة الحزب من المقاعد التشريعية التي يمكنه الفوز بها وتكون مؤيدة للحكومة. ويتوافق هذا التناسب نوعًا ما مع ما لاحظه الباحثون خلال فترة طويلة في مناطق أخرى.

Embed from Getty Images

وترى مُعدة التقرير أن النتائج التي توصلت إليها ستُثير دهشة الكثيرين ممن يتابعون السياسات الأفريقية، موضحة أنَّ علماء السياسة وغيرهم ممن يدرسون السياسات في القارّة عادة ما يركزون على قوة الزعماء الأفارقة وانعدام قدرة مجالسهم التشريعية نسبيًا على كبح جماحهم، في حين أنَّ حقيقة أن عددًا كبيرًا من الحكومات توزع الوظائف الوزارية بناءً على نسبة المقاعدة في المجلس التشريعي، تشير إلى أن تأييد المجلس أمر جوهري. وتنصح بضرورة أن يضع العلماء والمراقبون الآخرون الذين يودّون فهم سياسات النُظُم الديمقراطية في الدول الأفريقية الهيئات التشريعية في حسبانهم.

اضطراب حكومة مالي سيستمر ما لم تُجر انتخابات تشريعية جديدة

انتُخب كيتنا للمرة الأولى بأغلبية ساحقة في عام 2013، وهو العام نفسه الذي انتُخب فيه أعضاء المجلس التشريعي الحالي، ووقتها توجّه إلى صناديق الانتخابات في الجولة الثانية ما يقرب من نصف المواطنين المؤهلين: 45.8%. لكن إقبالهم اختلف في الانتخابات الرئاسية لعام 2018، وانخفض إلى حوالي 34%، والسبب في ذلك بحسب تقرير «واشنطن بوست» هو مزيجٍ من فتور الناخبين، والخوف من احتمال تنفيذ الميليشيات المختلفة هجمات على المراكز الانتخابية.

في هذه الأثناء كانت الانتخابات التشريعية المُقرر تنظيمها في الأصل في 2018، تؤجل باستمرار. وبينما يُحتمل أن يكون الناخبون قد بدلوا ولاءهم، فلن ينعكس ذلك على حصص الأحزاب في المقاعد التشريعية. وهكذا لا يزال على حزب كايتا إقناع الأحزاب الأخرى بدعم حكومته، وفقًا للتقرير.

عيّن كيتا وزير المالية المنتهية ولايته، بوبو سيسيه، رئيسًا للوزراء في 22 أبريل. وفي الخامس من مايو (أيار) أعلن سيسيه تشكيله الوزاري الجديد الذي يتألف من 36 وزيرًا. ويضم التشكيل الجديد وزراء من حزب التجمع من أجل مالي، وحزب آخر كان معارضًا في السابق، وهو حزب التجديد الوطني.

وبحسب التقرير فمقدار دعم الشعب أو المجلس التشريعي للحكومة الجديدة حاليًا غير واضح، على الأخص في ظل انتشار أعمال العنف المتزايدة. وإذا ظلت شعبية الحكومة مضطربة هكذا، فقد تُجدد الأحزاب تهديدها بالتصويت على سحب الثقة منها؛ إذ سيكون الاضطراب في الحكومة مشكلة مستمرة.

وتوقعت الكاتبة في نهاية تقريرها أن يؤدي استمرار وجود الحكومات الضعيفة وغير المستقرة على الأرجح إلى تزايد ضعف الوضع الأمني في مالي، معتبرة أن من أهم الخطوات لمنع حدوث ذلك، هو تنظيم انتخابات تشريعية جديدة. إذ إن التأجيلات المتعددة من شأنها أن تقوّض الثقة في الحكومة المركزية.

وأشارت إلى أن توزيع المقاعد التشريعية لم يعد يمثل إرادة المواطنين؛ مما يُشعرهم بالافتقار إلى من يُمثلهمن لافتة إلى أن الانتخابات التشريعية تُتيح للمواطنين تجديد صلاتهم بالأحزاب، وقد تُتيح كذلك أن تصير في الحكومة أغلبية تُمثل الوضع السياسي الحالي؛ مما سيُعطى دفعة للدعم الشعبي إلى مجهودات الحكومة في استعادة الأمن.

 «فورين بوليسي»: على حدود مالي والنيجر.. ماذا تفعل القوات الأمريكية هناك؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد