كتبت إليزا جريزولد تقريرًا لمجلة «ذا نيويوركر» عن السبل المتفرقة التي اتبعها الفنانون السوريون بعد الثورة السورية.

قالت إليزا: «إن أول مرة سمعت العود كانت عام 2014 في ليلة صيفية بمقهى تركي على الحدود السورية. كان الموسيقي السوري قد تلقى تدريبًا كلاسيكيًا، وكان أيضًا طبيبًا قد وقع منذ وقت قريب رهينة لدى (داعش). ولما كان الرجل لم يتدرب منذ فترة، فقد أخذ يداعب أوتار العود، وتكلم عن وجهته المقبلة. لا أحد يريد البقاء لوقت طويل في تركيا، أو لبنان، أو الأردن؛ حيث من غير القانوني بشكل كبير أن يعمل السوريون أو يرسلوا أطفالهم إلى المدارس».

وعلى الرغم من هذه التقييدات، فقد مكث الكثير من اللاجئين في البداية في هذه الدول المجاورة انتظارًا لسقوط الديكتاتور بشار الأسد، وعندما لم يسقط، تقدم ستة ملايين سوري شمالًا، من بينهم كان بعض أكثر الموسيقيين والفنانين موهبة، الذين مثلهم مثل الآخرين، كانوا يتهافتون على استئجار الشقق وإيجاد الوظائف وتعلم اللغات.

«إيكونوميست»: لهجات سوريا والعراق تتفوق.. قصة صعود وسقوط العامية المصرية

ومنذ ذلك الوقت، وقد دفع سقوط حلب والضربات الجوية الروسية السوريين من كافة الأطياف خارج بلدهم. وقالت إليزا إنها تساءلت العام الماضي عن معنى كون المرء فنانًا سوريًا في وقت لم تعد فيه سوريا ذاتها موجودة، ومن ثم بدأت في وضع خريطة لرحلات مئات الفنانين خارج سوريا. واكتشفت إليزا أنَّ نسبة كبيرة من الحرس القديم من الفنانين قد انتهى بهم المطاف في باريس؛ وذلك بفضل تأشيرات الدخول التي أصدرتها السفارة الفرنسية في بيروت. وتوجه الكثير من الجيل الأصغر إلى برلين؛ حيث الإيجار أرخص نسبيًا. ولم يبق في الشرق الأوسط سوى القليلين، حيث وجدوا مقامهم مكلفًا وغير مرحب به.

أشارت إليزا إلى أنَّ عملية جمع المعلومات كانت مرهقة. قليل من الفنانين بقوا موالين لنظام الأسد الذي لطالما رأى نفسه مناصرًا عظيمًا للفن. وطلب بعض الفنانين، الذين كانوا ما يزالون في سوريا، ألا توضع رحلتهم بين تلك الخرائط، حتى دون ذكر أسمائهم خوفًا من أن يراهم النظام غير موالين له ويعاقب أسرهم.

وكان لدى بعض الفنانين مشكلة مع توصيف «فنان سوري». قالت الفنانة البصرية، سلافة حجازي، التي تعيش الآن في برلين: «لا أريد أن أكون جزءًا من صناعة اللاجئين السوريين». تلتقط سلافة انتهاكات النظام عبر سخرية معقدة، في صور ثابتة ومتحركة. وترى سلافة أنَّ صور اللاجئين المرعوبين المحتشدين في قوارب قد ساعدت على تسطيح مفهوم العالم عن معنى كون المرء فنانًا سوريًا. ولهذا الغرض حاول هذا التقرير مشاركة قصص عدد من هذه الرحلات.

الفنان التصوري

تقول إليزا إنها لما بدأت عملها برسم خريطة سير الفنانين السوريين، أصر أحد أصدقائها المثّالين على مقابلة خالد بركة، الذي وصفته الصحافية في تقريرها بالفنان التصوري، وكان بركة منخرطًا في مشروع مشابه، أكثر طموحًا، فهرس الفنانين السوريين، وهو «خريطة بديلة تربط مجتمع الفنانين السوريين حول العالم وتظهر أعمالهم للعالم». دليل عالمي يستطيع أي صاحب عمل أو مخرج أفلام استخدامه لإيجاد المواهب السورية وتوظيفها، وربط الفنانين السوريين بعضهم ببعض.

ترك بركة سوريا للمرة الأولى عام 2002 ليلتقي صديقًا في باريس. وأصيب بـ«صدمة ثقافية فنية» لما زار قصر طوكيو. إذ كان لم ير قبلها إلا نسخًا مصورة من أعمال بيكاسو، وتساءل: «كيف يمكنك تعليم الناس الرسم في صور (أبيض وأسود)؟» تخرج بركة من كلية الفنون الجميلة بدمشق عام 2005، ثم سافر إلى الدنمارك في منحة كاملة للحصول على الماجستير. وعاد إلى سوريا عام 2008 وبدء شركة تصميم ناجحة حتى عام 2011. قرر بركة أن يتقدم لماجستير ثان في أكاديمية شتادلشول بفرانكفورت. وانتقل إلى ألمانيا عام 2011 لما حصل على منحة كاملة. وكان ينوي إنهاء دراسته والعودة إلى سوريا.

وقالت إليزا: «إنَّ بركة كان في إحدى البارات عندما سقط الديكتاتور المصري حسني مبارك الذي حكم مصر لثلاثة عقود، في 11 فبراير (شباط) 2011. قرع بركة الجرس، واشترى لجميع من كانوا في البار دورة من المشروبات. وسافر مرتين في الربيع والصيف إلى دمشق للمشاركة في المظاهرات الأولية للثورة. وبنهاية الصيف، عندما كانت الدراسة على وشك البدء، وعندما بدأ الناس في التعرض للاعتقال بسبب أشياء طفيفة، كاختيار صورة بروفايل فيسبوك، عاد بركة إلى ألمانيا للأبد. ومن هناك شارك بشكل شديد النشاط في الترويج للثورة على الإنترنت».

جون كيج.. قصة فنان عزف مقطوعة صامتة أمام قاعة ممتلئة

ساعد في «فيسبوك» على تشكيل مجموعة سورية قوية من 400 فنان سوري تدعى «أمرجي» وهي كلمة سومرية قديمة تعني (الحرية). كان هدفهم وضع الأساس لمجتمع مدني جديد لسوريا. قال بركة: «خلقنا جمهورية بديلة». كان الفنانون والنشطاء يخططون لمظاهرات افتراضية وفعلية من مجموعات سرية على «فيسبوك»، وأصبح الحد الفاصل بين الاثنين مبهمًا. ويشير بركة إلى الجيش السوري الإلكتروني، وهو مجموعة من المخترقين وظفهم نظام الأسد، مثالاً على أنَّ الحرب السورية قد جرت في عالمين في وقت واحد. وقال: إنه ببطء أصبحت مشاركته في العالم الافتراضي أكثر إلحاحًا وأهمية بالنسبة له من حياته اليومية بصفته دارسًا للفن. ومع دخول الحرب عامها الثامن، لم يعد بإمكان بركة العودة إلى سوريا. اختار الاستقرار في برلين مع زملائه الفنانين، والمشاركة فيما يسميه «الحراك».

المصور والشاعر

نشرت صحيف «نيويورك تايمز» صورة، بتاريخ 21 فبراير 2013، لفتاة عادت من المدرسة في حلب لتجد بيتها قد دمره صاروخ. كان المصور السوري مظفر سلمان هو ملتقط هذه الصورة. أجبر سلمان بعد ذلك بشهور على الفرار إلى لبنان مع زوجته، الشاعرة والصحافية الثقافية، رنا زيد. بين عامي 2012 و2014 كان سلمان يتنقل بين بيروت وسوريا، مسافرًا عبر الحدود التركية المحررة؛ لالتقاط صور لمتظاهرين ينادون بإنهاء نظام الأسد، بينما انتظرته رنا وحدها في لبنان.

كان الزوجان قد التقيا قبل خمسة أعوام في مهرجان للـ«سوفت روك» بدمشق. في ذلك الوقت، كان سلمان يعمل لدى «أسوشيتد برس» و«رويترز»، وكان قد التقط صورًا لبشار الأسد في القصر الرئاسي عدة مرات. أما رنا، فقد كانت تكتب لصحيفة «الحياة». ألقي القبض على سلمان عام 2012 لنشره صورة لمظاهرة قادها 28 من الفنانين والممثلين والمديرين والمفكرين السوريين. بعد الإفراج عنه بوقت قليل، ظهر الجيش السوري في بيت أمه، طالبين منه الذهاب إلى قاعدة محلية لأداء الواجب العسكري. بالنسبة لسلمان كان هذا يعني الخروج من سوريا. وعندما تعرض بيت الزوجين في أحد أحياء دمشق المحاصرة للقصف، في شهر أغسطس (آب) 2012، حزم سلمان كاميراته وحاسوبه المحمول، وفر إلى الحدود، ولم يكن اسمه قد أضيف بعد إلى القائمة السوداء على الحدود.

«التليجراف»: لوفر أبوظبي أشبه بـ«معرض صور على إنستجرام»

بالنسبة لرنا، فقد كانت إقامتها في لبنان تجربة مروعة؛ لم يكن لديها أي جواز سفر، كونها ابنة لاجئ فلسطيني. وأصابها خوف إرجاعها إلى سوريا بقلق عارم. وبينما كان سلمان يروح ويجيء إلى حلب لالتقاط الصور، بدأت رنا تنتابها نوبات هلع. وعندما علمت أنَّ قوات الأمن اللبنانية تتبعها، عرفت أنَّ عليها الخروج من البلاد أو المخاطرة بالتعرض للترحيل. أخبرها صديق أنَّ القنصلية الفرنسية في باريس تسمح للفنانين بدخول فرنسا بصفتهم لاجئين سياسيين. وكذا فقد نجحت في تأمين مرور آمن لها ولسلمان، وغادرا إلى باريس في شهر أبريل (نيسان) 2014، حيث أقاما في بيت الصحافيين، وهو مصنع سابق على بعد 15 دقيقة من برج إيفل، أعيد ترتيبه لاستقبال الصحافيين انتظارًا لحصولهم على الإقامة القانونية.

قالت رنا: «إنَّ باريس كانت رمادية وقذرة وبلا هوية لقاطنيها». انتقل الزوجان منذ العام 2015 إلى مدينة روان الأهدأ. اشتريا كرسيًا أحمر من أيكيا، وعلقا ملصقًا لموديلياني أعلى أريكة رمادية فاحمة. ولما كانت نافذتهما تطل على الغرب، فقد كان سلمان يلتقط صورًا للسماء وقت الغروب، بينما تؤدي رنا واجبات صف اللغة الفرنسية وتستغرق في قراءة أخبار سوريا على الإنترنت. هما الآن موجودان بنصفيهما فحسب في فرنسا. تقول رنا «سوريا انتقلت إلى الإنترنت». ويضيف سلمان: «وطني هو الناس، لا الأرض».

رسام الجرافيتي

ترك الطالب أبو مالك الشامي مدرسته الثانوية، 2012، وسافر إلى مدينة داريا المحررة لينضم إلى الجيش السوري الحر. كانت إحدى مهامه جمع الكتب من البيوت والمكاتب المتروكة، وإعلام أصحابها حال عودتهم. لو وجد المتطوعون أكثر من نسخة من كتاب واحد، كان مطلوبًا منهم فصل النسختين. نجح أبو مالك وآخرون في جمع 15 ألف كتاب عندما كانت المدينة تتعرض للنهب. كانت كل الكتب تقريبًا قد صودرت أو دمرت.

وفي ذلك الوقت، بدأ أبو مالك في رسم إشارات اعتراض لتشجيع الناس العالقين في بيوتهم تحت الحصار. أراد لهم أن يروا شيئًا باعثًا على الأمل عندما ينظرون من نوافذهم. اقترح أحد أصدقاء أبي مالك، بعد أن أذهلته قوة رسوماته، أن يبدأ في رسم الجداريات (جرافيتي). تردد في البداية؛ إذ لم يكن قد تلقى أي تدريب رسمي بصفته فنانًا. ولكن بمرور الوقت، بدأ في الاعتماد على الفنانين السوريين الذين كان يلتقيهم عبر «فيسبوك» للإلهام ولمساعدته على التقنيات. إحدى هؤلاء الفنانين، ديالا بريسلي، وهي رسامة كاريكاتير سورية تعيش الآن في فرنسا، ترسم على القماش رسومات تعلق على جوانب خيم اللاجئين.

وبحلول عام 2014، كان أبو مالك يقاتل إلى جانب المعارضة بالنهار، ويرسم الجداريات على الأنقاض بالليل. وفي عام 2015، أصيب بطلق ناري في الصدر أثناء معركة مع قوات الأسد في داريا (المدينة ما تزال تحت الحصار). فر أبو مالك، جريحًا إلى محافظة إدلب، التي ما تزال جزءًا من المنطقة المحررة التي تزداد تقلصًا في سوريا. أنهى تعليمه الثانوي، وهو الآن في جامعة هناك يدرس الهندسة المدنية. وعلى الرغم من المخاطر، فإنه يرفض مغادرة سوريا إلى حين انتهاء الثورة وسقوط الأسد.

الروائية

في عام 2008، كانت رشا عباس، التي ولدت في مدينة اللاذقية الساحلية، بشمال غرب سوريا، ونشأت في دمشق، تعيش في منزل مع والديها وتعمل «كل شيء عن بعد»، عندما قدمت أولى قصصها القصيرة «آدم يكره التلفاز»، في مسابقة كتابة سورية. فازت رشا بالجائزة الأولى، وهي نشر أول كتبها. وعندما اندلعت الثورة عام 2011، كانت تعمل محررة في قناة تلفزيونية حكومية.

تخلت رشا عن عملها للالتحاق بالثورة، لكنها فرت إلى بيروت في العام التالي بعد اعتقال اثنين من أصدقائها. (ما يزال هذان الصديقان مختفيين). ثم فازت رشا عام 2014 بزمالة لمدة ثلاثة شهور في شتوتجارت، وهو ما أعطاها تأشيرة لأوروبا. وهناك بدأت في العمل على كتاب قصصي بعنوان «اختراع النحو الألماني»، عن التأقلم على الحياة في ألمانيا، لكنها في ألمانيا وجدت نفسها محاصرة بالخجل الناتج عن تركها أهلها وراءها. لم يكن باستطاعتها الجلوس على الحشائش دون الشعور بهذا الحزن الجارف؛ ما كان يضطرها للعودة إلى داخل بيتها.

من ستيفي وندر إلى عمار الشريعي.. هل تحفز الإعاقة البصرية الإبداع الموسيقي؟

وفي النهاية وصلت إلى حالة إنكار. قالت: «تحاول التظاهر أنك لا تفتقد بلادك، وأنه لا يهمك على الإطلاق فكرة عدم العودة». نجح ذلك الأمر بشكل ما، لكنها وجدت أيضًا أنَّ مغادرة سوريا قد كلفتها بعض قدراتها الفنية. قالت رشا: «أشعر أنني وقّعت عقدًا غير مكتوب أتخلى بموجبه عن جزء من مهارتي مقابل أمني».

المخرج

تقول إليزا إنها لما شاهدت فيلم «حاضنة الشمس» على Vimeo ظنت أنها تشاهد رجلاً يغسل الدم من يديه: يحول اللون الأحمر الحوض الأبيض إلى لون قرمزي. في الخلفية يمكنك أن تستمع إلى أخبار سقوط حسني مبارك، وطفل يبكي. بعد ذلك بثوان، تمتد اليد لتصل إلى معجون أسنان. لون المعجون أحمر. ليس لدى مخرج الفيلم، عمار البيك، الكثير من الوقت للحديث عن الثوار المخلصين، وإنما يفضل الحديث عن ستانيسلافيسكي أو نيتشه، بدلًا عن الحديث عن السياسة. ويعد عمله التجريبي نوعًا من «المانيفستو» لجيل جديد من الفنانين.

سافر البيك إلى إيطاليا عام 2011 لحضور العرض الأول لفيلم «حاضنة الشمس» في مهرجان فينسيا السنيمائي. ولما وجه له الصحافيون أسئلة حول سوريا، وجد البيك نفسه يتكلم ضد الأسد. حذره أصدقاؤه من أنَّ العودة إلى سوريا سوف تكون أمرًا بالغ الخطورة، لذا فقد توجه رأسًا إلى الإمارات. عاش في دبي لبعض الوقت، حيث يوجد معرضه المسمى «أيام». كلفته حياته التي لا استقرار فيها زواجه؛ فانفصل عن زوجته في دبي، وأخذت طفلته صوفيا، التي كانت تقوم بدور الطفلة في الفيلم، وعمرها الآن 7 أعوام، لتعيش في اليونان. ولما كان جواز سفر البيك على وشك الانتهاء، فقد سافر إلى ألمانيا، وطلب اللجوء في المطار.

أصبح البيك الآن، بعد مخالطته في برلين للجيل الأصغر من الفنانين، مهمومًا بنوع آخر من الثورة. يقول البيك في افتتاحية فيلمه «حاضنة الشمس»: «إنَّ مستقبل التصوير السينمائي ينتمي إلى نوع جديد من المنعزلين الصغار الذين سوف يصورون أفلامًا بآخر قرش لديهم، دون أن ينساقوا وراء الروتين المادي لهذه التجارة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد