المغنية التي عرفها العالم من خلال أغنياتها الاحتجاجية المعبّرة عن كفاحِ شعبها الصحراوي، في أفريقيا الشمالية. كانت مريم الحسان، التي فارقت الحياة منذ أيام في مخيم في الصحراء جنوبَ غرب الجزائر للاجئي الشعب الصحراوي عن   57 عامًا بعد صراعٍ مع مرض سرطان العظام، واحدةً من أعظم مغنّي أفريقيا الشمالية. وظفت مريم صوتها القدير للفت أنظار العالم إلى مأساةِ شعبٍ أجبر على الهرب من أرضه حين فرضت المغرب سيطرتها على الصحراء الغربية في العام 1975. أمضت القسم الأكبر من حياتها في المخيمات، وبدأت مسيرتها الغنائية في فرقةٍ موسيقية كانت تؤمّن الدعم لمقاتلي جبهة البوليساريو في قتالهم ضد المغرب، فطورت أسلوبًا قادرًا على الانتقال من الرثاءِ والنواح إلى نغم البلوز الصحراوي المتصاعدِ، مسيرة جعلت منها بطلةً في عيون الشعب الصحراوي، كما جلبت لها شهرةً عالميّة.

أبصرت ابنة محمد وأرجيا النور على الساحل الغربي لإفريقيا، في ما كان يعرفُ حينها بمستعمرة الصحراء الإسبانية، في وادٍ خارج السمارا. كان والدها بدويًّا يربي الماعز والجمال، وقد ورد اسمها وتاريخ ميلادها بأشكال مختلفة في السجلات الرسمية. كانت مريم واحدة من عشرة أبناء، قتل ثلاثة منهم في المعارك مع المغرب. وفي عمر الثالثة عشرة، أجبرها أهلها على الزواج قسرًا من رجلٍ يكبرها سنًّا بكثير. تمكنت مريم من الهروب خلال حفل العرس فيما كانوا يهمّون باصطحابها إلى خيمة زوجها وخبأها إخوتها إلى أن أعاد أهلها المهر، وألغي الزواج.

كبرت مريم وهي تستمع إلى الموسيقى والشعر، وبدأت بالغناء والعزف على آلة الطبل التقليدية، وما لبثت أن انضمت إلى أمها ونساءٍ أخريات في إحياء سهرات الخميس الدينية عشية يوم الجمعة المبارك. انخرطت أيضًا في السياسة منذ مراهقتها، وفي أغسطس من العام 1975 ، كانت تغني في تجمعٍ سريّ لجبهة البوليساريو التي كانت تقاتل المستعمرين الإسبان حين انقضّت عليهم الشرطة الإسبانية، ففرّت من النافذة.

تغيّرت حياتها جذريًّا في شهر أكتوبر من ذلك العام، حين انسحبت إسبانيا من الصحراء التي سارعت المغرب إلى دخولها وفرض سيطرتها في ما عُرف حينها بالمسيرة الخضراء. كانت مريم وعائلتها بين أولئك الذين فروا عبر الحدود إلى الجزائر ليستقروا في مخيم للاجئين ما زال موجودًا حتى الآن تذكارًا للنزاع الأطول عمرًا حول أرضٍ إفريقية. وفيما ذهب الرجال لقتال المغاربة، مكثت النساء للاهتمام بأحوال المخيم وللعناية بالجرحى.
في العام 1977، أصبحت مريم ممرضة، وما لبثت بعد عامٍ أن لعبت دورًا آخر، من خلال مناصرة الكفاح كمغنية.

انضمت مريم إلى فرقة الوالي التي كانت قد تأسّست تكريمًا لمؤسس جبهة البوليساريو والي مصطفى سيد، وأصبحت مغنيتها الرئيسية. جالت بصحبة الفرقة على مخيمات اللاجئين مشجعةً المقاتلين، كما سافرت إلى أوروبا لنشر رسالة جبهة البوليساريو. غنت بالـ”حسانية”، وهي اللغة المحلية الصحراوية، وذاعت شهرتها بفضل الأغاني التي مجّدت الجبهة، وكانت هذه الأغاني تبثُّ عبر الإذاعة الصحراوية.

انتهت الحرب مع المغرب في العام 1991، لكن لم يتحقّق تقدمٌ يُذكَر في قضية ما يسميها الصحراويون “الصحراء الغربية المحتلة”، فاستمرت مريم في حملتها الموسيقية. في العام 1998، انضمت إلى فرقة “ليواد”، وجالت معها أوروبا محققةً نجاحًا كبيرًا، وأطلقت معها ألبوم” مريم حسان وفرقة ليواد” في العام  2004، كانت لها مساهمة في ألبوم “مدج.”

في العام 2005، سجلت مريم ألبومها الفردي الأول، (أماني)، إلا أن نجاحها المتصاعد تزامن مع تشخيص إصابتها بمرض سرطان الثدي، مما اضطرها إلى الانتقال إلى إسبانيا للخضوع لعملية ولعلاجٍ كيميائي. من أجمل أغاني ألبومها أغنية البلوز  “لا تمشوا عني”، وكانت تحية لقتلى الحرب، كما كانت دعوةً للشعب الصحراوي  ليؤازرها في مرضها.

واصلت مريم العمل وفي العام 2007، شاركت في الفيلم الوثائقي: صوت الصحراء، الذي حمل توقيع منتجها ومدير أعمالها الإسباني مانويل دومينغيز، الذي وصفها بأنها “واحدة من الشخصيات الأقوى حضورًا واحترامًا على المسرح الموسيقي العالمي.”

أغنية لا تمشوا عني: 

 

ازدهرت شهرتها العالمية، وبين العامين 2008 و2010، شاركت في مجموعة من مهرجانات  “WOMAD”)عالم الموسيقى والفن والرقص (حول العالم، من بينها حفلات لها في تشارلتون بارك في المملكة المتحدة في العام 2009، وزيارات إلى أستراليا ونيوزيلندا في السنة التالية. في العام 2010، أطلقت ألبومًا حمل عنوان “شوكة”، استُعمِلَت فيه آلات وإيقاعات صحراوية، وتضمن أغنيات استرجعت تاريخ الصحراء الغربية وأوضاع اللاجئين، وفي العام  2012، أطلقت مريم ألبومها الفردي الثالث “العيون أكدت.. العيون تشتعل”، وكان من الألبومات الأكثر مبيعًا في أوروبا. تضمن العمل أغنية “كديم إيزيك” تيمّنًا بالانتفاضة التي حملت ذلك الاسم، وهي أغنية سياسية غاضبة تحدثت عن اعتداء المغرب على مخيم احتجاجي في العام 2010، وذكّرت بقوةِ صوت مريم وسحره .وفي هذا العام، أطلقت” بايلا صحرا بايلا “وهو ألبوم تضمن أغنيات صحراوية ذات إيقاعاتٍ راقصة.

قدمت مريم حفلها الأخير في المخيمات الصحراوية الحزينة في مهرجان” في الصحرا “العام الماضي، حيث شكرت اللاجئين لسماحهم لها بأن تكون صوتهم .كان السرطان قد انتشر في عظامها، وإذ تدهورت صحتها، عادت مريم إلى المخيمات للمرة الأخيرة أوائل أغسطس من هذا العام، وبقيت هناك حتى وفاتها.

*مريم حسان، مغنية، من مواليد مايو 1958- توفيت في 22 أغسطس 2015 . ما زالت أم مريم على قيد الحياة، كذلك زوجها، بشير محمد وولداهما سالم وأغاليا، وأولادها الثلاثة من زوجها السابق حمادي بريكة، أحمد ونينا وفاتيماتو.

 

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد