يبدو سباق الوصول إلى قصر الإليزيه المقرر في العام القادم 2022 وكأنه معركة بين إيمانويل ماكرون الرئيس الفرنسي المترنح، ومارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي. ويعتقد البعض أن مارين قد تفوز هذه المرة بالرئاسة الفرنسية. 

أعدَّت كيم ويلشر، مراسلة دولية تقيم في العاصمة الفرنسية باريس، تقريرًا نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية تناولت فيه فرص فوز مارين لوبان – رئيس حزب التجمع الوطني – ذي التوجه اليميني المتطرف، مسلِّطةً الضوء على عدد من التيارات الاشتراكية واليسارية التي تقدَّم بعضها وتقهقر بعضها الآخر. 

السباق الرئاسي يبدأ مبكرًا

استهلت المراسلة تقريرها بالإشارة إلى عدد من الشباب الموجودين في ساحة الجمهورية (لا ريبوبليك) التي تحمل رمزية كبيرة في باريس، وتحت الأعين الساهرة لتمثال ماريان، رمز جمهوري كبير (يرمز للحرية والديمقراطية ضد كل أشكال الديكتاتورية، والتمثال مصنوع من الحجارة والبرونز ويبلغ ارتفاعه 15.5 مترًا، ويجسد «ماريان» التي ترمز إلى الجمهورية الفرنسية واقفة تتوسط ثلاث شخصيات جالسات هي: الحرية، والمساواة، والأخوة)، كانت الحالة المزاجية للشباب المتزلجين في الساحة لا تسمح بمناقشة شؤون السياسة. إذ توقفت حياة هؤلاء الشباب بصورة مؤقتة، كما هو الحال في كل بلاد العالم، خلال جائحة كوفيد-19 التي أوقفت الدراسة، والوظائف، والعلاقات الاجتماعية، والحفلات. إن كل ما يريده هؤلاء الشباب هو عودة حياتهم إلى طبيعتها، وليس الحديث عن انتخابات قادمة.

سياسة

منذ 4 سنوات
يُعَوِّده «التطرفَ» أقربوه: هكذا أصبحت «عائلة لوبان» رمزًا للعنصرية في فرنسا

يقول أحد المتزلجين الشباب: «في الوقت الحالي، هناك أمور أكثر أهمية يجب أن نقلق بشأنها». لكن الأمر خارج العاصمة الفرنسية باريس بات قصة مختلفة، إذ بدأ السباق على رئاسة الإليزيه في المقاطعات. ومن المقرر أن تخوض فرنسا، في هذا الوقت من العام المقبل، منافسة مريرة أخرى على الانتخابات الرئاسية، على أمل أن تكون بعد انتهاء جائحة كوفيد-19.

وأوضح التقرير أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية ستشهد مرة أخرى مجموعة متعددة الألوان من المرشحين من مختلف الأطياف السياسية، لكن جميع المنافسين سيُهزمون في الجولة الأولى، وستكون جولة الإعادة بين إيمانويل ماكرون ومارين لوبان.

وعلى غرار الشباب في ساحة الجمهورية الفرنسية، تواجه إدارة ماكرون قضايا أكثر إلحاحًا تتعلق بجائحة كوفيد-19 وكيفية التعامل معها، لكن مارين لوبان جاهزة تمامًا لإطلاق حملتها الانتخابية. وغرَّدت مارين يوم الجمعة قائلة: إن حزبها «التجمع الوطني (RN)» وجد مقره الانتخابي في الدائرة 16 الأنيقة في باريس.

وفي مقاطعة بورجوندي، كان «التجمع الوطني» يتقدم على المنافسين، حيث وُضِعت ملصقاته على لوحات الإعلانات البلدية ونُشِرت المنشورات عبر صناديق البريد، وحث الناخبين على دعم مرشحي «التجمع الوطني» في الانتخابات الإقليمية المزمع إجراؤها في شهر يونيو (حزيران) القادم.

وتابعت المراسلة قائلةً: عندما نتجه جنوبًا إلى مقاطعة بروفانس، معقل اليمين المتطرف، يبدو أن «التجمع الوطني» أقرب للفوز بكلتا الجولتين بسهولة، على الرغم من توقف السكان المحليين منذ مدة قصيرة عن الإعلان عن استعدادهم لتسليم الحزب مفاتيح قصر الإليزيه. 

عصر العنصرية والحروب الأهلية ولى وانتهى

واستشهد التقرير بقول كلود ميليسي، الذي يعيش في مقاطعة نيس ويبلغ من العمر 72 عامًا، إنه «سيصوت لصالح مارين لوبان في انتخابات الرئاسة الفرنسية؛ لأنه حان وقت التغيير»، بينما أعرب صاحب مقهى شهير في مدينة كان المجاورة قائلًا: إنه «بينما كانت المنطقة بأسرها يمينية جدًّا، لكني أشعر أن زمن حزب «التجمع الوطني» قد ولى، ولا يوجد أحد يُريد العنصرية والحرب الأهلية».

Embed from Getty Images

وأشار التقرير إلى أن شعبية ماكرون ربما تصل حاليًا إلى 37%، وهي نسبة منخفضة لكنها لم تزل أعلى بكثير من شعبية سلفه في الوقت نفسه في ولايتهما (كانت شعبية نيكولاس ساركوزي 29% و17% لفرانسوا هولاند) على الرغم من أن كليهما حظيا بمدة رئاسية واحدة.

ويعتقد مستشارو الرئاسة الفرنسية أن الأمر يصير كارثيًّا لماكرون بمجرد ذكر انتخابات العام المقبل في خضم أزمة صحية يصفها ماكرون نفسه بأنها «حرب»، ناهيك عن إعلانه عن سعيه للترشح لولاية ثانية. بينما لم تتردد مارين كثيرًا في محاولتها الثالثة لخوض انتخابات الرئاسة.

الفرصة سانحة للفوز

وردًا على سؤال يتعلق بإمكانية فوز مارين بالانتخابات الرئاسية، قال سيلفان كريبون، المحاضر البارز في السياسة والمتخصص في توجه اليمين المتطرف في جامعة تورز: إن «فوز مارين ممكن، لكنه غير مرجح»، وأوضح قائلًا: «قبل ست سنوات، كنا على يقين أن مارين لوبان لن تفوز في الانتخابات، لكن الأمور تغيرت الآن، ماريان لديها فرصة أفضل من الانتخابات السابقة، ولكن يجب علينا أن نضع أي فوز محتمل في سياقه».

وأضاف كريبون أن «الانتخابات العامة ستعقب الانتخابات الرئاسية، وليس لدى حزب «التجمع الوطني» سوى عدد قليل من الممثلين المحليين أو الإقليميين، وعدد قليل من الممثلين المنتخبين في البرلمان، وإمكانيات مالية قليلة للغاية وعدد ليس بكثير من الناخبين. وبالطبع ستكون ثورة إذا انتُخِبت مارين رئيسةً للبلاد، لكنها ستفقد القدرة على تنفيذ سياستها من خلال الحصول على أغلبية في البرلمان وتشكيل حكومة».

وترجِّح المراسلة أن تكون النتيجة الأكثر احتمالًا في هذه الحالة أن تحاول ماريان وحزبها «التجمع الوطني» التوافق مع التيار اليميني السائد، مما يُسفر عن إضعاف سلطتها. ومع ذلك ستظل مارين لوبان رئيسة لفرنسا وقائدة للقوات المسلحة، ومسؤولة عن الدفاع والسياسة الخارجية.

وفي هذا الصدد يقول كريبون: «لم يزل بمقدور مارين إحداث كثير من الجلبة. وحتى الآن، أعلن تسعة مرشحين عن عزمهم خوض السباق الرئاسي، ومنهم جان لوك ميلونشون زعيم حزب فرنسا الأبية اليساري الراديكالي. ويبدو من غير المحتمل أن يُقدم الحزب الاشتراكي مرشحًا رئاسيًّا موثوقًا به خلال الـ 12 شهر المقبلة، ومن غير المرجح أن يحظى بفرصة للفوز. وقد بَدَت آن هيدالجو، عمدة باريس، لوهلة قصيرة بمثابة بارقة الأمل للاشتراكيين، لكن التقديرات الأخيرة تشير إلى أن نتيجتها في الجولة الأولى ستكون كارثية وستتراوح بين 5 إلى 10%». 

استطلاعات الرأي لا تُؤكد شيئًا

وأضاف التقرير أن حزب «الجمهوريون» الفرنسي يمكن أن يُقدم مرشحًا يتمتع بالشخصية الكارزمية – ربما يكون إدوارد فيليب، رئيس الوزراء السابق صاحب الشعبية الكبيرة، ومن بين 27 استطلاعًا للرأي نُشرِت منذ بداية عام 2021، تُشير جميعها إلى إعادة سيناريو انتخابات عام 2017 بمواجهة ماكرون مع مارين لوبان وجهًا لوجه في الجولة الثانية. ومن بين 12 استطلاعًا للرأي نُشرِت عن الجولة الثانية، لم يرجِّح أيٌّ منها فوز مارين لوبان.

Embed from Getty Images

بيد أن المحللين السياسيين يرون أن استطلاعات الرأي ربما لا تستحق ورقة الرسم البياني التي طُبِعت عليها. إذ قال ألكسندر ديزيه، الأستاذ في جامعة مونبلييه ومعهد الدراسات السياسية في باريس: إن «استطلاعات الرأي أصبحت شكلًا من أشكال النبوءة الذاتية التحقق (التوقع الذي يجعل من نفسه صحيحًا بشكلٍ مباشر أو غير مباشر)». 

وفي حديثه مع صحيفة الأوبزرفر، قال ديزيه: إن استطلاعات الرأي بمثابة «تلاعب محض، ولا تستحق شيئًا على الإطلاق. كيف يمكنك أن تسأل الناس عن الطريقة التي سيصوتون بها في وقتٍ لا نعرف فيه حتى مَنْ هم المرشحون وليس لدينا أي فكرة عن برامجهم؟»، وأصر ديزيه على أن الدراسات والأبحاث تظهر فقط ما هو موجود في أذهان عدد من الناخبين، ويظل حزب التجمع الوطني «خطرًا ومعاديًا للديمقراطية».

واستطرد ديزيه قائلًا: إن «حزب التجمع الوطني هو حزب الناس الذين سئموا ويريدون التصويت لصالح مارين لوبان احتجاجًا على الأوضاع». وعلى غرار سيلفان كريبون، أشار ديزيه إلى أن التجمع الوطني لا يزال لديه عدد قليل من رؤساء البلديات، أو المستشارين المحليين، أو الممثلين المنتخبين في البرلمان. وليس لدى الحزب سوى عضو واحد فحسب في مجلس الشيوخ وستة نواب في الجمعية الوطنية المكونة من 577 مقعدًا.

معضلة تشكيل التحالفات

وأكد ديزيه على «أن قدرة مارين على القيام بذلك على نحو جيد يرجع إلى أن اليمين المتطرف أصبح يعبد الشخصيات. وهو ليس حزب سلطة، ولكن مع ضعف التيار السائد لليمين واليسار، يمكن أن تجد مارين نفسها في الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية».

واستشهد التقرير بما قالته كريستيل لاجيه، أستاذة العلوم السياسية في جامعة أفينيون، إنه إذا نجحت مارين في الوصول إلى الجولة الثانية، فستواجه مرةً أخرى معضلة تشكيل تحالفات لجذب ناخبين من أحزاب أخرى. وأوضحت كريستيل قائلة: «سوف تحتاج إلى حلفاء، ولا أعتقد أنها ستصنع حلفاء لها من الآن، وحتى ذلك الوقت».

ويتفق ديزيه مع كريستيل في ذلك، إذ أشار إلى أن «نظام التصويت على جولتين غير مناسب لحزب التجمع الوطني لأنه يتعين عليه تكوين تحالفات، وهي المشكلة التي يواجهونها دائمًا». وأقر كلٌ من كريبون، وديزيه، وكريستل، أن عدم معرفة مَنْ سيترشح بالضبط، أو ما هي برامجهم، يجعل التكهن بنتيجة الانتخابات قبل عام من الانتخابات أمرًا مستحيلًا، لكنهم مقتنعون بأن الامتناع عن التصويت سيكون مشكلة رئيسة. إذ قال الناخبون من ذوي التوجه اليساري، الذين دعموا ماكرون في عام 2017 لتشكيل جبهة جمهورية لإزاحة مارين من السباق الانتخابي، «كفى».

تأثير تشرشل

وفي السياق ذاته أبرز كريبون أن «كثيرًا من الناس صوَّتوا لمارين في عام 2017، لكنهم قالوا إنهم لن يفعلوا ذلك مرةً أخرى. ومع ذلك إذا كان البديل هو أنهم سيجِدوا أنفسهم في موقف سيئ للغاية، فمن يدري (ربما يغيِّروا رأيهم)؟». ومن غير المعروف هل يعاني ماكرون مما أطلق عليه الإليزيه «تأثير تشرشل». وهل سيرفضه الناخبون المنهكون بسبب تداعيات الجائحة – كما فعلت بريطانيا بزعيمها في زمن الحرب في انتخابات عام 1945 – ويسعون إلى طي الصفحة إذا خرجت البلاد من كارثة كوفيد-19؟

عام

منذ 4 سنوات
«على الرغم من عنصريتها».. كيف أصبحت ماري لوبان على أعتاب قصر الإليزيه؟

واختتم المراسل تقريره بالإشارة إلى أنه خلال آخر منافَستين للانتخابات الرئاسية الفرنسية، تعرض المرشحان اللذان كان فوزهما مضمونًا إلى حد كبير (الاشتراكي دومينيك شتراوس في عام 2012 واليميني فرانسوا فيون في عام 2017) لكبوة بسبب أحداث غير متوقعة وقعت قبل الانتخابات الرئاسية.

وإذا كان الأسبوع وقتًا طويلًا في عالم السياسة، كما يرى هارولد ويلسون، رئيس الوزراء البريطاني في ستينات القرن الماضي، فإن عامًا واحدًا في حملة الانتخابات الرئاسية الفرنسية يُعد بمثابة مدة سرمدية في عالم السياسة؛ إذ يمكن أن يحدث خلالها كثير من الأحداث التي تُعلِّم الناخبين ومستطلعي الرأي والمحللين أنه لا شيء مؤكد، وأن كل شيء يمكن أن يتغير.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد