تمهيد: مارك بويل -الكاتب- شاب أيرلندي يكتب لصحيفة الجارديان، اشتهر في عام 2010 عندما قرر أن يحيا بلا مال. بالفعل عاش مدة 5 سنوات بلا مال. فماذا يقرر الشاب الآن؟

بدءًا من الأربعاء القادم، سأعيش بدون لاب توب أو إنترنت أو هاتف أو غسالة الملابس أو التلفاز. أريد أن أستعيد حياتي، أريد أن أستعيد روحي مجددًا.
لن أعرف أبدًا عدد الناس الذين أعجبوا بهذا المقال، أو شاركوه، أو وجدوه غير ذي صلة، أو رجعي مناهض التقدمية، أو ساخر. كما لن أتمكن من قراءة التعليقات بشأن نظافتي الشخصية، أو المقترحين أن شخصًا لُدِّيًّا مثلي –محطمو الآلات خوفًا من سطوتها- يحتاج إلى أن يحتضن العصر التصنيعي. وأن ذلك ليس بشيء سيئ؛ ففي اللحظة التي تصبح فيها الكتابة منافسة شعبية -مكافأة الإثارة والتفكير الجمعي وخداع الاستكشاف الصادق للقضايا المعقدة- يخسر المكان والناس، وأولئك الذين يحتاجون أن ينصَّبوا بالفوز، الفوز هنا هو لحظة قصيرة البصيرة.

السبب أنني لن أرى أي رد فعل على شبكة الإنترنت هو أنني أعيش في مقصورة –بنيت من شجر الصنوبر والتنوب والقش والأيدي وتنوب دوغلاس (نوع من الأشجار دائم الخضرة) ومن العناد والتراب والكد- بدون كهرباء أو ما يدعى بوسائل الراحة الحديثة (لم أجد فهم الراحة سواء في العمل أو في الحصول عليهم).

بدءًا من الأربعاء، أنبذ عالم التكنولوجيا المعقدة تمامًا. وهذا يعني لا وجود للحاسب الشخصي المحمول، أو التليفون، أو غسالة الملابس، أو ماء الصنبور، أو الغاز، أو المبرد، أو التلفاز، أو الموسيقى الإلكترونية، وكذلك أي أي شيء يتطلب تعدين النحاس، أو التنقيب عن البترول، أو تصنيع البلاستيكات التي تعتبر أساسية في إنتاج محمصة خبز كهربائية، أو حتى أنظمة الألواح الشمسية.

وبعد أن رفضت بالفعل هذا النطاق الصناعي والتكنولوجيا المعقدة، أعتزم التحول بالكامل لما ينظر له بازدراء: التكنولوجيا البدائية، وبقدر ما يسمح به التعامل مع الحضارة، أحاول أيضًا مقاومة الهيمنة العصرية لما يدعوه «جاي جريفيث» في كتابه «بيب بيب» بوقت الساعة، وأفشل يوميًّا.

على الأرجح يبدو أنني تخليت عن الكثير، لكن بينما أعتزم أن أكون واضحًا وصادقًا بشأن الصعوبات المتضمنة على مر الأشهر القادمة، خاصةً في هذا العصر الرقمي، أنا على نفس القدر من الانبهار باستكشاف دروس جديدة عن الحياة –عن نفسي والمجتمع وعالم الطبيعة- والتي ربما أتعلمها، ربما هي أشياء لا يمكن لعقلي الإلكتروني تخيلها بعد. كانت تلك تجربتي في العيش بدون أموال لمدة 3 سنوات.


لم يكن نبذ التكنولوجيا التي يعتبرها جيلي من الضروريات الأساسية للحياة من منطلق نزوة طائشة. بالفعل أفتقد كوني غير قادر على التقاط سماعة الهاتف، والتحدث إلى والديّ. الكتابة كانت مختلفة، فقلمي الرصاص بدون مساعدة خاصية النسخ واللصق، والإلغاء بسهولة، اثنين من وظائف معالجة النصوص تعكس ثقافة عامة عابرة غريبة ومتحولة، فقد مضى وقت طويل منذ أن عمل عالمي الميديا والنشر بالبريد التقليدي/ الحلزوني.

قررت أن أتحاشى التكنولوجيا المعقدة لسببين: الأول كان لأنني وجدت نفسي أكثر سعادة بعيدًا عن الشاشات، وكم الاتصالات التي تولدها بلا هوادة، وعوضًا عن ذلك عشت بطريقة حميمية مع الناس المحليين من حولي. السبب الثاني وهو الأهم، كان إدراكي أن التكنولوجيا تدمر بطرق عدة.

هي تدمر علاقتنا بالعالم الطبيعي، فهي في البداية تفصلنا عن الطبيعة، بينما تحول حياتنا تلقائيًا نحو الأموال في المجتمع النفطي الاستهلاكي. وذلك تحديدًا يمكننا من تدمير البيئة بكفاءة، لكن بمرور الوقت يؤدي ذلك الانفصال إلى عدم تقديرنا للعالم الطبيعي حقيقة، بمعنى آخر، يقل اهتمامنا به وبحمايته. ومن خلال تلك الحلقة التكنولوجية المفرغة، نحن نتسبب عمدًا في الانقراض الجماعي السادس للأنواع.

التكنولوجيا تدمر الأماكن، وبصرف النظر عن المحيطات والأنهار والتربة السطحية والغابات والجبال والمروج، هي تساعدنا على تنفيذ مذبحة جماعية للأنواع، وتلويث الطبيعة بدقة وسرعة غير مسبوقة. وتعقيد تكوينها ينشرنا سريعًا حول العالم آمنين بمعرفتنا أننا يمكننا أن نبقى على اتصال مع أحبتنا من خلال التكنولوجيا التي تتيح البديل الوحيد السام للتواصل، والوقت الحقيقي معًا. الضرر كبير وسيئ، وربما مميت، المجتمعات الريفية تستدرج شبابها وتغويهم بالمجتمعات الصناعية والمراكز المالية –المدن- التي يعتمد وجودها على ما أطلق عليه الكاتب الأمريكي النشط في مجال البيئة وينديل بيري، تدمير مكان ناء آخر، والذي لا يكون المستهلكون بحاجة إلى الانتباه له بفضل التكنولوجيا التي نجحت في توفير مبدأ: البعيد عن العين بعيد عن البال.

عندما أذهب إلى ينبوع المياه لأحضر الماء صباحًا، أقابل الجيران ونتبادل الأحاديث، إنه يستغرق وقتًا طويلًا بالفعل، وهو ما رأيته شيئًا محبطًا في البداية، لكن البطء يصبح سيئًا فقط عندما يتحول الوقت إلى نقود، كما أن السير لمسافة أربعة أميال للوصول إلى مكتب البريد لإرسال خطاباتي يستغرق الكثير من الوقت، إلا أنه يربطني بالناس والأماكن في طريقي بدلًا من جلوسي وحيدًا في غرفة نومي أكتب رسائل إلكترونية لا نهاية لها، وهو ما لن تفعله أبدًا كتابة الرسائل الإلكترونية.

التكنولوجيا تدمر الناس، أصبحنا بالفعل أحد أشكال السايبورغ، وفي طريقنا إلى شكل آخر من الواقع المرير لـ«الأخ الأكبر» في تلك الطوباوية الإلكترونية. وبالنظر إلى حالنا، تسبب أسلوب حياتنا الراكدة، والمدمرة في حجم هائل من الأمراض السرطانية، والعلل العقلية، والسمنة المفرطة، وأمراض القلب، واضطرابات المناعة الذاتية، والحساسية المفرطة للطعام، بالإضافة إلى مسببات الموت البطيء كالوحدة، ومراقبة الوقت، وفقدان الهدف، يبدو أننا نقضي وقتًا أكثر في مشاهدة الأفلام الإباحية من قضاء الوقت مع من نحب، تنهار علاقاتنا بسبب أننا نحدق في الشاشات بدلًا من الأعين، بينما تجعلنا وسائل التواصل الاجتماعي متنافرين مع المجتمع.


تحتوي الحياة بدون الأدوات التكنولوجية المعقدة صعوباتها الخاصة، بالأخص لأمثالي الذين لم ينخرطوا في مثل هذه السبل على الإطلاق، إلا أنني بالفعل أفضل ذلك كثيرًا، فبدلًا من أن أعمل لكي أُسدد احتياجاتي، فقد أصبح عملي هو حياتي. وخلافًا للتوقعات، لم يكن الملل أكبر مشاكلي، ولكن كيف أقوم بكل الأشياء التي أحب أن أفعلها، بالتأكيد قد يسبب غسل ملابسك يدويًّا بعض الآلام من حين لآخر، إلا أنها مجرد مشكلة صغيرة لا تستحق تدمير العالم الطبيعي من حولك.

كثيرًا ما يحاول أصدقائي بسلامة نية إقناعي بالتخلي فقط عن شبكة الإنترنت، إلا أن باستخدام البطاريات والأسلاك الكهربائية وألواح الخلايا الشمسية كما فعلت ذات مرة، سوف أظل متصلًا عن طريق نوع خاص من الأسلاك غير المرئية بشبكة عالمية من المحاجر، والمصانع، والمحاكم، والمناجم، والمؤسسات المالية، والمؤسسات الحكومية، والجيوش، وشبكات المواصلات، وعمال إنتاج مطلوبين لإنتاج مثل تلك الأشياء. طلبوا مني أيضًا أن أتحدث عن المشاكل التكنولوجية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنني قلت لهم ببساطة إنني سوف أقاوم التعقيدات التكنولوجية عن طريق اعتزالها. فقد عقدت ثقافتي اتفاق –فاوستي- مع الشيطان نيابة عني مع الطغاة الشيطانيين: السرعة والأرقام والتجانس والكفاءة والجداول، والآن ها أنا أقول للشيطان أريد استعادة روحي مجدًدا.

نالت حياتي نصيبها الكبير من السخرية، والذي يبدو نفاقًا في بعض الأحيان، فعلى الرغم من كتابتي لهذه الكلمات بواسطة أدوات تكنولوجية، بقلم تكنولوجي، في حجرة تكنولوجية، فالمفارقة في كون هذه المدونة على الإنترنت لها تأثير كبير فيّ. يعد ذلك هو التسوية المناسبة حاليًا، لأنك إذا كنت تريد أن تساهم في مجتمع أكثر صحة؛ فالحلول الوسطى قد تصبح صحية، بشرط أن تعرف حدودك جيدًا، أن أكون منافقًا هو المثل الأعلى بالنسبة لي، لأنه يعني أنني وضعت معايير أعلى لنفسي كي أسعى لتحقيقها أكثر من أي معايير حققتها في أي وقت.

نعلم جميعًا أنه وفقًا لأدنى التقديرات، هناك أدوات تكنولوجية مضرة بعالمنا الطبيعي، ومضرة بمجتمعاتنا، وبالتالي مضرة بنا، لذلك، يجب أن ندرك الحاجة لنبذ بعض الوسائل التكنولوجية.

إذا أردنا حقًّا أن نتفادى التطرف التكنولوجي، سيتحتم علينا وضع حد لموقفنا في مرحلة ما. أما أنا فقد رسمت حدودي، وسوف أتحرك باتجاه منزلي.



هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد