إخواني وأخواتي، أتى ذلك الوقت من العام الذي تظهر فيه محلات بيع الملابس التنكرية من أجل الهالويين في كل أرجاء المدينة. وتتباين الملابس من أميرات فيلم Frozen  إلى دونالد ترامب والزومبي (اللذين أراهما نفس الشيء لا فرق).

ويفقد بعض الناس عقولهم بهوس الهالويين؛ الأمر الذي جعلني أفكر في التفسير النفسي من وراء ذلك الاحتفال. فالهالويين في الحقيقة هو يوم عطلة عند قدماء الكلتيين (الشعوب التي كانت تعيش وسط وشمال أوروبا قبل الميلاد) والذي كان يظن فيه الناس أنهم بحاجة إلى ارتداء الأقنعة ليحموا أنفسهم من الأرواح الشريرة التي تطوف حول الأرض عشية ذلك اليوم.

ولا يزال الناس يرتدون الأقنعة بعد آلاف السنين ويختبئون وراء أي شيء من ابتسامة زائفة، إلى سماعات الأذن، إلى الشيء المفضل لديّ وهو ارتداء نظارات الشمس في المترو رغم كونك لست شخصًا مشهورًا.

ثم توجد الأقنعة الانفعالية؛ كالأقنعة التي نختبئ وراءها بسبب الخوف، فإذا شعرنا مثلًا بانعدام الثقة في أنفسنا يمكن أن نختبئ وراء ذكر أسماء شخصيات مشهورة نعرفها أو ندعي بأننا نعرفها، وإذا لم نكن واثقين من قوتنا يمكن أن نختبئ وراء قناع “البلطجة”. أيضًا إذا ظننا أن العالم من حولنا لا يحبنا يمكن أن نختبئ وراء قناع الغضب. ونخبئ الديون التي نتكبدها بسبب مستوى المعيشة الذي نعيشه ولا نقدر على مصروفاته. ونتظاهر بأن الأمور تسير بشكل جيد في العمل عندما تكون وظائفنا على المحك، كما نتظاهر بأن زواجنا يسير بشكل جيد عندما تكون هناك مسافة لا بأس بها بيننا.

 

لِـمَ ترتدي الأقنعة؟

 

أعتقد أن أهم الأسباب التي تجعلنا نرتدي الأقنعة هو ما أستطيع أن أصفه بمتلازمة المحتال (أو الخوف من أن يكتشفنا العالم على حقيقتنا، ولقد سمعت من يصف الأمر بالشعور بأنك شخص متصنـِّـع، مثل أن تشعر بأنك لا تنتمي بالفعل للمكان، أو أنك لست ناجحًا حقـًا ولكنك تتظاهر بذلك فقط). تمامًا مثل ملابسي التنكرية للهالويين وأنا في السابعة من عمري عندما ارتديت ملابسَ غجرية وزومبي في الوقت نفسه والذي ظننت أنه سوف يكون مخيفـًا بشدة إلى أن انتزعت جارتنا القناع الذي كنت أرتديه وقالت “ياه، إنه أنتِ فقط”.

فأشد مخاوفنا هي أن نـُظهر أنفسنا على حقيقتها فحينها سيقول العالم “ياه، إنه أنت فقط”. لكن في الحقيقة كونك أنت هو أفضل وأعظم شيء يمكن أن تكونه، كما قال أوسكار وايلد: “كن نفسك، فكل الآخرين محجوزون”

أو إذا كنت مهتمًا أكثر بالجانب الروحاني فقد كتب كاتب المزامير (مز 139: 14): أَحْمَدُكَ مِنْ أَجْلِ أَنِّي قَدِ امْتَزْتُ عَجَبًا. عَجِيبَةٌ هِيَ أَعْمَالُكَ، وَنَفْسِي تَعْرِفُ ذلِكَ يَقِينًا”.

 

وتوجد ثلاثة أسباب فعلية تـُحتِّم علينا أن نـُسقط أقنعتنا؛ أولًا، حتى نستطيع أن نحيا بطاقاتنا الكامنة؛ فينبغي أن نستحضر ذواتنا حينما نقوم بأعمالنا، لأنه يوجد أناس كثيرون ممن لديهم نفس مهاراتنا أو حتى أفضل منها، لكن لا يوجد من يستطيع أن يستحضر نفس شخصيتك، وإبداعك، وروحك إلى المهمة التي تقوم بها. فهذا شيء لا يستطيع أحد أن يماثله، وتكمن السخرية في أننا غالبًا ما نخبئ ذلك الجزء من أنفسنا أثناء العمل فنفقد بذلك أعظم طاقاتنا الكامنة.

السبب الثاني هو الراحة النفسية، لأنه أن تحيا حياة زائفة أمر مرهق للغاية؛ فأنت تضع قناعًا أو اثنين أو حتى عشرة ثم تخلع بعضًا منهم ثم تضع زوجًا جديدًا من الأقنعة.. أمر مرهق للغاية! والأسوأ من ذلك كله هو أنك تبدأ في نسيان من أنت في الحقيقة. كما قالت الممثلة الكوميدية فاني برايس: “اجعل العالم يعرفك كما أنت وليس كما ينبغي أن تكون لأنه عاجلًا أم آجلًا إذا كنت تتظاهر بشيء معين فإنك سوف تنساه، ثم أين ستجد نفسك وقتها؟”.

أما السبب الثالث فهو المداواة؛ فنحن نقتطع أجزاء من أنفسنا ونخبئها خلف الأقنعة ظنًا منـَّا أنها غير جديرة بأن نظهرها للعالم. لكن في علاقاتنا، وخصوصًا علاقاتنا الروحانية؛ لن نتداوى حتى نبوح بكل أجزائنا. تمامًا مثلما تعطي أحدًا مزهرية مكسورة كي يلصقها لكنك تحجب عنه قطعتين أو ثلاثًا من القطع المكسورة. كما قال أحد القساوسة بكنيسة مدينة الأمل بولاية إنديانا*: “إن الأقنعة تجعل ما أراده الرب أن يكون عميقـًا سطحيـًا… فكل شيء في حياتنا يصبح خدعة عندما نختار أن نخبئ أنفسنا خلف الأقنعة”.

فنحن لم نولد بتلك الأقنعة، إنما نرتديها لاحقًا لذلك يمكننا انتزاعها! حاول أن تبدأ بهذا التدريب البسيط: فكر في رسالة سلبية كنت متمسكًا بها واسأل نفسك إن كانت صحيحة أم لا؟ غالبًا ما سوف تكون الإجابة بلا، وإذا لم تكن كذلك ينبغي أن تسأل نفسك هذه الأسئلة: لماذا أتمسك بهذه الرسالة؟ وماذا سيحدث إذا نحَّيتُها جانبًا؟ غالبًا لن يحدث شيء فأكبر مواجهة سنلاقيها هي رد فعل العالم، فكونك تصبح على سجيتك يهدد الآخرين، ويدعوهم إلى إعادة تقييم حياتهم، وفي كثير من الأحيان يجبرهم على إدراك مقدرتهم على التغيُّـر بدورهم لكنهم لم يتغيروا.

لا تدع ذلك الأمر يوقفك، ولا تنتزع القناع بشكل جزئي ثم تسمح للعالم بأن يخيفك لترتديه مرة أخرى. وكما كتب الشاعر إي.إي.كامينجز: “إن أعظم معركة نخوضها كوننا بشرًا هي المعركة التي نحاول فيها حماية أنفسنا الحقيقية من الأنفس التي يريدنا العالم أن نصبح عليها”.

فكر في الأقنعة التي ترتديها والزم نفسك بانتزاعها، وأظهر مواهبك إلى العالم: لا اعتذارات، لا خزي، ولا ندم؛ مثلما تقول الحكمة القديمة: كل مخلوق له مكانه المناسب، وفي هذا المكان بالذات يصبح جميلًا”.

* Hope City Church in Indianapolis, Indiana

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد