لماذا يُريد الشعب النيجيري تفكيك وحدة الفرقة الخاصة لمكافحة السرقة (سارس)؟

نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا لـ تاريلا ماركلينت إيبيدي، المختص في الشؤون السياسية وصاحب دراسة عن العنف السياسي وانعدام الأمن في نيجيريا، رصد فيه أسباب التظاهرات والاحتجاجات التي عمَّت أرجاء نيجيريا في الآونة الأخيرة.

أشار الكاتب في مستهل تقريره إلى مقتل 10 مواطنين نيجيريين على الأقل جرَّاء إطلاق الجنود النيجيريين النار على المتظاهرين عند بوابة ليكي تول في يوم 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعدما أغلق المتظاهرون طريقًا سريعًا في مدينة لاجوس، عاصمة نيجيريا التجارية وأكبر مدنها، من أجل جذب الاهتمام لنضالهم ضد الممارسات الوحشية للشرطة في البلاد.

ثقافة

منذ سنة واحدة
71% من مسلميها يريدون تطبيق الشريعة.. 6 أشياء قد لا تعرفها عن نيجيريا!

وفي هذه الليلة، هاجمت قوات الشرطة وجنودها المتظاهرين في عدة مواقع من لاجوس وأماكن أخرى، وأفادت منظمة العفو الدولية أن 38 نيجيريًّا على الأقل لقوا مصرعهم في هذه الاشتباكات، فضلًا عن إصابة عشرات المتظاهرين.

وأوضح الكاتب أن تسلسل الأحداث التي أدَّت إلى انتشار وَسْم (هاشتاج) مذبحة ليكي/#LekkiMassacre الذي أطلقه النيجيريون على مواقع التواصل الاجتماعي يُشير إلى أن الهجوم الذي قامت به قوات الشرطة كان على ما يبدو مخططًا له بعناية. إذ بينما كان المتظاهرون على قارعة الطريق يرقصون على الأغاني، فرض حاكم مدينة لاجوس حظر تجوال يبدأ من الساعة 4 مساءً، ورفض المتظاهرون المغادرة، وبعد ذلك، أزال العاملون في أكشاك دفع رسوم المرور جميع كاميرات الدوائر التلفزيونية من الأكشاك وأُطفِئت الأنوار، ومن ثم وصل الجنود وفتحوا النار على المتظاهرين ما بين الساعة 6:45 مساءً والساعة 9 مساءً.

لماذا يحتج النيجيريون؟

يُجيب الكاتب عن هذا التساؤل قائلًا: أنشأت سلطات الشرطة في لاجوس وحدة الفرقة الخاصة لمكافحة السرقة (سارس) في أوائل تسعينيات القرن الماضي لمكافحة انتشار ظاهرة السطو المسلح في المدينة وضواحيها. وفيما بعد، أصبحت وحدة سارس جزءًا من استراتيجية الشرطة الوطنية النيجيرية لمكافحة المجرمين المسلحين. لكن بعد ذلك -بحسب زعم المنتقدين لها- بدأت الوحدة بالعمل دون أن تخضع لأي شكل من أشكال المساءلة، وشاركت بانتظام في انتهاكات حقوق الإنسان ضد الشعب النيجيري.

وأظهرت تقارير تقول واشنطن بوست في تقريرها أنها تحققت من صحتها لشهادات من ضحايا هذه الوحدة أن ضباط سارس شاركوا بصورة منتظمة في ارتكاب ممارسات وحشية عنيفة، من بينها القتل خارج نطاق القانون والاختفاء القسري والتعذيب والابتزاز تحت تهديد السلاح والاختطاف. ولم تكترث السلطات النيجيرية السياسية كثيرًا بالشكاوى المقدمة ضد ممارسات وحدة سارس.

Embed from Getty Images

وألمح الكاتب إلى أنه منذ عام 2017، كانت مجموعات الشباب تحتج بطرق سلمية على ممارسات وحدة سارس. وقد شكَّلت الحكومة الفيدرالية النيجيرية في عام 2018 لجنة للتحقيق في الشكاوى المُقدَّمة ضد سارس، لكن نتائج تحقيقات اللجنة لم تُعلَن ولم يُواجِه ضباط سارس أي مساءلة أو عقاب على جرائمهم.

واضطرت الحكومة النيجيرية إلى إعلان حل سارس بسبب الاحتجاجات المستمرة، لكنَّ المحتجين طالبوا بإجراءات ملموسة لإنهاء أشكال ممارسات الشرطة الوحشية كافة وإرساء العدالة في الجرائم التي اقترفتها وحدة سارس قبل التوقف عن الاحتجاجات ومغادرة مواقع التظاهر في الشوارع.

وأبرز الكاتب أن متظاهري حركة تفكيك وحدة سارس/#EndSARS في نيجيريا، ومعظمهم من الشباب، يُعدَّون جزءًا من حركة عالمية واسعة النطاق تناهض ممارسات الشرطة الوحشية، على غرار حركة حياة السود مهمة/#BlackLivesMatter في الولايات المتحدة وحركة هذا العلم/#ThisFlag في زيمبابوي، وقد أصبح وَسْم #EndSARS على وسائل التواصل الاجتماعي بمثابة نقطة التقاء الحشود وأساسًا لتنظيم الاحتجاجات في جميع أنحاء نيجيريا.

ونوَّه الكاتب إلى أن الاحتجاجات الأخيرة اندلعت في 3 أكتوبر عندما نشر مستخدمو مواقع وسائل التواصل الاجتماعي تقارير عن إطلاق وحدة سارس النار على شاب أعزل في أوجيلي، وهي مدينة تقع في منطقة دلتا النيجر الغنية بالنفط في نيجيريا. ثم انتشرت الاحتجاجات سريعًا في 21 مدينة في جميع أنحاء نيجيريا انطلاقًا من لاجوس، حيث خرج المشاهير والرسامون والفنانون وخبراء مجال التكنولوجيا وآخرون غيرهم من مجال الإبداع إلى الشوارع. وكان أحد أهم أسباب الاحتجاجات هو أن عديدًا من النيجيريين لديهم تجربة مباشرة مع وحدة سارس.

كيف «جرَّمت» الحكومة النيجيرية شبابها؟

وأشار الكاتب إلى أن نيجيريا دولة معظم سكانها من الشباب، إذ لا يزيد عُمْر أكثر من نصف سكانها، البالغ عددهم قرابة 200 مليون نسمة، عن 30 عامًا. وقد وصف الرئيس النجيري محمدو بخاري الشباب المتمدن، منذ وصوله إلى سدة الحكم في عام 2015، مرارًا وتكرارًا بأنهم كسالى ولا يرغبون في العمل، ودعاهم للبحث عن فرص عمل في المناطق الريفية الزراعية في نيجيريا.

يضيف التقرير أن الشباب النيجيري، وخاصة هؤلاء القاطنين بالمناطق العمرانية، يتأثرون بالاقتصاد المعلوماتي أو المعرفي، وبدلًا من البحث عن عمل في المناطق الريفية ينجذبون انجذابًا شديدًا نحو الفرص التي تتوفر مع تزايد إمكانيات الوصول إلى التكنولوجيا، وقد تميز شباب نيجيريا في صناعة التكنولوجيا، إلا أن هذا الطموح الرقمي كان أيضًا سبب كسرهم وتحطيمهم أيضًا، إذ تستهدف الشرطة النيجيرية غالبًا الشباب الذين يحملون أجهزة كمبيوتر محمولة أو هواتف ذكية أو غيرها من الأدوات، وتتهمهم بأنهم يمارسون الاحتيال عبر الإنترنت.

Embed from Getty Images

وخلُص الكاتب إلى أن غياب الحوار بين الأجيال في نيجيريا يؤدي إلى تفاقم الاختلافات في التوجُّهات، ولا يزال جيل بخاري والنيجيريين الأكبر سنًا يُركزون على قطاعي النفط والزراعة فحسب في البلاد. وتغذي ثروة نيجيريا النفطية المحسوبية في البلاد، إذ يستغل الرعاة الأثرياء ذوو النفوذ والسلطة مواردَ نيجيريا لكي يكسبوا ولاء عملائهم.

أما شباب نيجيريا فيبحثون عن سبل أخرى غير النفط لجني الأموال. وقطاعات التكنولوجيا والإبداع تتطلب الموهبة وليس المكانة الاجتماعية. والشباب الذين بمقدورهم تكوين ثروة بشروطهم الخاصة ليسوا في حاجة إلى رعاة أقوياء كما كان آباؤهم وأجدادهم في حاجة إلى ذلك. وقد بدأ جيل الشباب في اكتساب الثقة ليتمكن من تحدي سياسات المحسوبية التي تهيمن على كل جوانب الحياة اليومية في نيجيريا.

ولفت الكاتب إلى أن عدم التواصل بين جيل الشباب المتميز في مجال التكنولوجيا والنيجيريين الأكبر سنًا الذين تحفزهم الوصاية والرعاية أصبح واضحًا خلال احتجاجات حركة تفكيك وحدة سارس. إذ أسست مجموعة من نشطاء التكنولوجيا سريعًا، مع انطلاق الاحتجاجات، نظامًا وطنيًّا للاستجابة عبر الإنترنت لتوفير الطعام والإسعافات الأولية الطارئة وسيارات الإسعاف والدعم القانوني ودفع فواتير المستشفيات من دون اللجوء إلى أي شكل من أشكال رعاية الدولة.

هل قمع الاحتجاجات في نيجيريا أمر جديد؟

وأشار الكاتب إلى أن احتجاجات حركة تفكيك وحدة سارس ليست غريبة على التاريخ النيجيري، إذ تُعد الاحتجاجات في البلاد، من الناحية التاريخية، أحد أكثر أشكال المشاركة السياسية شيوعًا في أوساط الشباب، الذين يتعرضون للتهميش من مراكز القوة في نيجيريا في كثير من الأحيان، واعتادت الحكومة النيجيرية على التعامل بالقمع الشديد مع الاحتجاجات السابقة. 

وسبق للرئيس بخاري، الذي حكم نيجيريا في السابق بوصفه ديكتاتورًا عسكريًّا بعد قيادته لانقلاب عسكري في منتصف ثمانينيات القرن المنصرم، أن قمع جميع أشكال الاحتجاج المدني. وسحقت الحكومة، في أوائل التسعينيات، تظاهرات النشطاء المؤيدين للديمقراطية، إلى جانب تسجيل جماعات حقوق الإنسان حالات لسجن صحفيين وقتل القوات الحكومية للنشطاء، وهو ما دفع عديدًا من الشباب إلى الفرار من البلاد.

لماذا حركة تفكيك وحدة سارس الآن؟

مع أن نيجيريا انتقلت إلى الحكم المدني في عام 1999، إلا أن دعائم الديمقراطية لم تترسخ في البلاد بعد. وفي حين أن انتخابات تولي بخاري للسلطة في عام 2015 كانت أول انتقال سلمي للسلطة في تاريخ نيجيريا، لا تزال نتائج الانتخابات تُحدَّد باستخدام العنف في أغلب الأحيان.

Embed from Getty Images

كما أن الديمقراطية النيجيرية لا تزال تنطوي على حقائق مروعة تتمثل في فساد السلطة القضائية وتدخل السلطة التنفيذية في عملها وضعف السلطة التشريعية في البلاد. وعلى الرغم من أن بخاري شن حملة للقضاء على الفساد وانعدام الأمن، إلا أن الفساد استشرى في البلاد في الواقع على نحو أكثر من أي وقت مضى، إذ فُصل رئيس مكافحة الكسب غير المشروع الذي عيَّنه بخاري بسبب اتهامات بالفساد. بالإضافة إلى أن الحكومة لم تتمكن من منع جماعة بوكو حرام الإسلامية المتطرفة من ترويع النيجيريين في شمال شرق البلاد.

وتوصل الكاتب في ختام تقريره إلى أن هذا المناخ العام في نيجيريا يخنق الإبداع الذي يُعد أمرًا محوريًّا من أجل استمرار الحراك الاجتماعي للشباب المحرومين من خيرات بلادهم رغم موهبتهم. ويجعل تحقيق الشباب النيجيري للعدالة أمرًا مستحيلًا إلى حد ما في ظل انتهاك ضباط وحدة سارس لحقوقهم، نظرًا لعدم وجود آليات مضمونة لحماية الشباب من بطش قوات الشرطة ووحشيتها ومعاقبتها على أفعالها.

وقد يكون تاريخ بخاري بصفته ديكتاتورًا جعل تعامل القوات الحكومية العنيف مع الاحتجاجات أمرًا حتميًّا، إلا أن الطريقة التي يتعامل بها شباب نيجيريا مع مذبحة ليكي وغيرها من ممارسات العنف التي ارتكبها الجنود تحت قيادة بخاري ستحدد المستقبل الذي تنتظره نيجيريا. ومن المحتمل أن يستخدم الشباب الموهوب ابتكاراتهم وإبداعهم للحفاظ على زخم نضالهم من أجل تحقيق مستقبل أفضل لنيجيريا. أو ربما يُضطرون إلى الرحيل عن البلاد، كما حدث في ثمانينيات القرن المنصرم، إلى بلدان تُشجِّع المواهب والمبدعين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد