كان ماكس فيبر يُعرف بـ«أسطورة هايدلبرج»، واكتسب ذلك اللقب في الجامعة الألمانية الشهيرة، حيث انتهت أيضًا مسيرته التدريسية الواعدة، قبل أن يعود لاحقًا إلى أبحاثه في القانون والتاريخ ليصيغ أعماله الرائدة.

يعود أستاذ التاريخ الفرنسي الحديث روبرت زاريتسكي في هذا المقال، الذي نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، إلى إحدى كلاسيكيات العلوم السياسية وعلم الاجتماع التي طرحها عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر منذ نحو مائة عام. واستلهم منه رؤيته لأمراض عصره وعلاجها، إذ يرى زاريتسكي أنها تشبه إلى حد كبير واقعنا المعاصر، ومن ثم يبحث فيها عن إعادة إحياءٍ لـ«السياسة بوصفها حرفة».

ويعرّج زاريتسكي في بداية مقاله على ألمانيا أوائل عام 1919، ليقول إن ألمانيا حينها خاطرت بأن تصبح دولةً فاشلة. إذ أخذت الحرب تتحول إلى حربٍ أهلية في صورتها الشاملة، حيث تواجه الثوار ضد الرجعيين، والأمميون ضد القوميين، والمدنيون ضد الجنود.

وكانت ميونيخ هي الساحة الأكثر دموية، إذ تعاقب على حكم المدينة ملك بافاري ورئيس حكومة اشتراكي وجمهورية سوفيتية على مدار بضعة أشهر قصيرة، وأُطيح بالأول وقُتل الثاني واغتيل أنصار الأخير بصورة بشعة.

وقد بلغ الأمر أن كتب الأستاذ في جامعة ميونيخ، فيكتور كليمبرر، في مذكراته: «كل شيء بائس، وكل شيء دمويّ، حتى أنك يتنازعك طيلة الوقت البكاء والضحك في آن معًا». وقد شكّلت تلك الوقائع إطار المحاضرة التي طال انتظارها: «السياسة بوصفها حرفة» والتي ألقاها زميل كليمبرر، ماكس فيبر، في هذا العام ذاته.

ورغم مرور مائة عام بعدها، فليس هناك سوى القليل من النصوص التي يمكنها أن تكون بمثابة دليل أفضل لنا في الأحداث البائسة والعنيفة التي يتكشف عنها الآن زمننا ومكاننا الحاضر. لا سيما وأن أطروحة فيبر حول السياسي ذي الشخصية الكاريزمية، وكذلك تمييزه بين أخلاقيات القناعة وأخلاقيات المسؤولية، ربما تكون أوثق صلةٍ بعصرنا منها بعصره.

مفهوم الشخصية الكاريزمية عند ماكس فيبر

حين وصل ماكس فيبر إلى ميونيخ في عام 1918، كان يُعرف بـ«أسطورة هايدلبرج». وكان قد اكتسب اللقب في الجامعة الشهيرة التي أُسّست في العصور الوسطى، وهناك انتهت مسيرته التدريسية الواعدة حين عانى من انهيار عصبي بعد عدة سنوات. لكن فيبر عاد، ريثما كان يتعافى ببطء، إلى أبحاثه في القانون والتاريخ ليصيغ أعماله الرائدة: «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية» و«الاقتصاد والمجتمع».

وقد كان لصرامته المهنية واستقامته الشخصية أثرٌ بالغ في أصدقائه ونقّاده جميعًا، مما جعل عالم الاقتصاد الأمريكي جوزيف شومبيتر يعجب أيما إعجاب بـ«تأثير فيبر العميق»، وجعل الفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز يجد في فيبر «رجلًا كرّس فكره لاستقصاء كل شيء انطوت عليه التجربة الإنسانية»، ووصل بعالم الاجتماع الألماني روبرت ميشلز إلى القول إن فيبر كان «رجل ألمانيا المنتظر، والمنقذ في ساعة شدّتها».

ماكس فيبر، عالم الاجتماع الألماني

وقد حان أوان تلك الساعة في عام 1914، عندما اندلعت الحرب وعزم فيبر (50 عامًا آنذاك) على الالتحاق بالجيش، إلا أنه رُفض بطبيعة الحال. وخدم، عوضًا عن ذلك، في الجبهة الداخلية، وتولى مهمة الإشراف على العديد من المستشفيات. في أثناء ذلك، حافظ فيبر على التعامل بأسلوبه المعتاد -شديد التدقيق- مع مسائل مهمة كميزانيات الموظفين، وصولًا إلى أمور عبثية مثل ميل إحدى الطباخات لغسل شعرها في أواني الطبخ.

وفي الوقت الذي امتلأت خلاله عنابر مستشفياته بالجنود الجرحى والمصابين، رأى فيبر بعينه النتائج المروعة لحرب الخنادق. وزاد على قضائه خدمته بين تيار الجنود الذين تعرضوا للبتر والتشوهات، أنه تلقى صدمات وفاة أخيه الأصغر وصهره والعديد من أصدقائه الذين قتلوا على جبهات القتال.

يقول زاريتسكي إن فيبر اعتقد في البداية أن ألمانيا كانت تخوض حربًا دفاعية بحتة. لكنه سرعان ما أدرك أن حكومته تخضع لإدارة مجموعة من الحمقى والأوغاد. وتعمقت تلك القناعة حين كشفت الحكومة عن سعيها إلى ضم فرنسا وبلجيكا وأجزاء من الإمبراطورية الروسية، وأطلق القيصر غواصات اليو بوت الألمانية لمهاجمة سفن التجارة والمسافرين التابعة للحلفاء.

حينها حذر فيبر من أن سياسة الحرب تلك لا تعد جريمة فحسب، بل وأنها خطأ أيضًا. وكان رأي فيبر أن هذه الاستراتيجية ستفشل وستحول ألمانيا إلى بلد منبوذ عالميًّا، وصرح قائلًا: «إذا استمرت الأمور على هذا المنوال، فمن المحقق أننا سنكون في حرب مع العالم بأسره».

بحلول عام 1918، كان فيبر نفسه يخوض حربًا على عدة جبهات. فقد تضمنت معاهدة فرساي التي أنهت الحرب العالمية الأولى شرطًا قابلًا للانفجار، وهو «بند ذنب الحرب» الذي أعلن ألمانيا مسؤولةً عن جريرة الحرب والأضرار الناجمة عنها. وفي حين أقرّ فيبر بأن حكومة بلاده ارتكبت الكثير من الأخطاء، فإنه حذّر من أن هذا البند يخلط ما بين المسؤولية والذنب، وأنه من ثمّ سيؤدي إلى عواقب مدمرة في النهاية.

وأشار إلى أن الذنب، حسب رأيه، متعلقٌ بماضٍ لا رجعة عنه ولا قدرة على تغييره، لكن تحميل المسؤولية يستتبع التزامات إزاء مستقبل غير محدد. ولفت الانتباه إلى أن الحلفاء بإلقائهم ذنب كل ما حدث بالفعل على ألمانيا، تهرّبوا من المسؤولية عما كان سيأتي لاحقًا.

أصرّ ماكس فيبر على هذا الموقف إبان توجيه انتقاداته إلى القوميين الألمان الذين اختاروا إلقاء اللوم في هزيمة بلادهم على أعداءٍ وهميين -احتلّ اليهود موقعًا متقدمًا في قائمتهم- بدلًا من «قطيع المجانين الذين كانوا يحكمون ألمانيا»، حسب كلامه. واستنكر الحصة التي فرضتها الدولة بتحديد عدد الأساتذة اليهود، متحسسًّا من تصاعد حدّة القومية المتطرفة ومعاداة السامية في الحياة الأكاديمية الألمانية، ومندّدًا بذلك النظام الذي «يؤثرُ الآري الأقل مهارةً على اليهودي الكُفء».

وشدّ فيبر الأنظار إليه، خلال تلك السنوات، بحضورٍ عام أشبه بهيئة الأنبياء التوراتيين. فوفقًا لأحد تلاميذه، الفيلسوف كارل لوفيث، كان وجه فيبر «بلحية شعثاء نمت حول كل أجزاء وجهه، في صورةٍ تستدعي إلى الذهن توهجَّ الأنبياء الحزين». وحريٌ بفيبر أن يحظى بمثل ذلك التأثير القوي في طلّابه وزملائه: فهو من قدّم في دراسته البارزة عن الاقتصاد والمجتمع المفهوم الحديث للشخصية الكاريزمية، وهي حسب كلامه العنصر الأساسي للتمكن من فرض السلطة (Herrschaft) أو الحكم السياسي.

ورغم أننا نميل إلى الاعتقاد بأن الشخص إما يحظى بشخصية كاريزمية أو لا، فإن فيبر يرى أن الأصح القول إن الآخرين هم من يقررون ما إذا كان هذا الشخص يحظى بشخصية كاريزمية أم لا. والواقع أن الكاريزما، عند فيبر، ميزة مؤقتة إلا أنها على قدر كبير من الأهمية، وهي في الوقت ذاته سمة يستلزم تحققها شروطًا موضوعية، إذ يمتلكها نوع معين من القادة وتنبع من حالةٍ ذاتية، وثيقة الصلة بنظرة الآخرين.

مترجم: لماذا يحب اليمين البديل نيتشه وأفكاره؟

ويفصّل زاريتسكي قائلًا إن الشخص الكاريزماتي عند فيبر هو من يمتلك «قوة ثورية إبداعية في التاريخ»، وهو بهذا المعنى لم يبتعد كثيرًا عن مفهوم الإنسان الأعلى (الإنسان المتفوق) الذي طرحه واحدٌ من أعظم المؤثرين في فيبر، أي فريدريك نيتشه. إذ لا يختلف القادة الكاريزماتيين عن الإنسان الأعلى، فهم يمتلكون القدرة على التسامي فوق القوى الفكرية المشوّشة والأيديولوجيات المتنازعة في عصرهم، وبإمكانهم التحكم في التطرفات والتعصّبات السياسية السائدة لخدمة مصالحهم. ومع ذلك فإنه بمجرد زوال هذه التعصبات، تضمحل هيمنة القادة الكاريزماتيين أيضًا.

العلم والتقنية و«نزع السحر عن العالم»

يذكر زاريتسكي أنه لم تكن هناك الكثير من الشكوك، بين أولئك الذين عرفوا ماكس فيبر، حول أنه كان «الرجل الكاريزماتي الذي يصفه»، على حد قول أحد أصدقائه جازمًا. ففي رسالة من عام 1919، ناشد أحد الطلاب فيبر بأن يقود الأمة، قائلًا: «إنها الآن مسألة ما إذا كان ينبغي أن نستسلم للحشود والأعداد الكبيرة (…) أم أنه يجدر بنا أن نطلق لطاقاتنا العنان ونوجهها إلى المسارات التي ستصنع فيها أعمالًا ذات قيمة».

وبعد حضور خطابٍ عام ألقاه فيبر، صاح أحد الزملاء قائلًا: «إن لكلماته وقعًا قويًّا، كأنها سيل جارف يتدفق من جميع مسام كيانه». وقد كانت تلك التوقعات العالية والمزايا الاستثنائية هي من دفعت بفيبر الذي كان مستعدًّا، في خضم الظروف الفوضوية داخل ميونيخ ما بعد الحرب، ليضطلع بدورٍ لم يختبره يومًا سوى القليل من الأكاديميين.

وجرى ذلك رغم أن فيبر كان قد حذّر، قبل بضع سنوات فقط، زملاءه من قبول القيام بمثل هذا الدور في محاضرة ألقاها عام 1917 تحت عنوان «العلم بوصفه حرفة» أمام أحد التنظيمات الطلابية. وقد أثار الخطاب بعدها ضجة كبيرة، وصار محتواه منذ ذلك الحين عملًا كلاسيكيًّا. ناقش فيبر في هذا الخطاب معنى تمثُّل العلم بوصفه حرفةً –وكلمة (Wissenschaft) تشير إلى «العلم» في اللغة الألمانية، وتعني أيضًا «الدراسة الأكاديمية» أو«التعلّم».

ويتساءل عن جدوى الفهم الذي أدى إليه التعلّم بالطريقة السائدة، ليقول إن كل الإجابات التي قُدّمت منذ اليونان القديمة إلى أوروبا التنوير قد سُحقت وصارت هباءً تحت ضربات المنهجية العلمية الحديثة. فقد أدّت سيرورة العلم والتقنية إلى ما أسماه فيبر بـ«نزع السحر عن العالم»، من خلال اكتشاف واستخدام قوانين الطبيعة التي أزالت الغموض والقداسة عنه، وبالتالي تلاشت تلك المعاني الملازمة لوجوده والكامنة فيه والتي افترض الأسلاف أنها ساكنة في طياته.

«الجارديان»: هل الموجة الشعبوية الأخيرة تضر الديمقراطية في العالم فعلًا؟

وأجاب زاريتسكي عن التساؤل حول ما ينبغي على المرء فعله. إذ يرى ماكس فيبر أن العالِم –أو أي أكاديمي في الواقع- هو آخر شخص مؤهل للإجابة عن هذا السؤال. فمن المؤكد أن العلم بإمكانه إخبارنا عما سينتج عن الجمع بين عناصر متفاوتة، أو إجراء تحليل مقارن بين نصوص مختلفة، غير أنه لا يمكنه أن يخبرنا بسبب استحقاق تلك الأمور لعناء المعرفة.

وبوصفه عالم اجتماع، جعل ماكس فيبر شغله الشاغل أن يستقصي مصادر وخصائص ظواهر اجتماعية معيّنة. لكن كتاباته المتعلقة بحرفته بوصفه عالم اجتماع، لم تتوسع بعيدًا عن ذلك لسبب بسيط، وهو أنه لم يستطع الزعم بأن اكتشافاته كانت لها قيمة جوهرية تتجاوز الافتراضات الثقافية التي تشاركها مع قرائه ومستمعيه.

ومن ثمّ فإن ممارسة الأستاذية الأكاديمية تجعل من المرء قائدًا سيئًا. إذ إنه حين يتعلق الأمر بالأسئلة الكبيرة، فلن تكون لديهم إجابات كبيرة لتقديمها. وأقصى ما بإمكانهم توفيره هو أدوات التحليل ومساعدة طلابهم على إدراكٍ أفضل لمنطق وتبعات التزاماتهم. والخلاصة التي وصل لها فيبر في النهاية، هي أن «النبي المخلّص الذي يتوق إلى مجيئه الكثير من أبناء هذا الجيل الشاب، ليس موجودًا ببساطة».

من حرفة العلم إلى حرفة السياسة

ومع ذلك فإنه في غضون عامين، كان ماكس فيبر بشخصية النبي الكاريزماتية هناك، سواء أدفعَ بنفسه للقيام بهذا الدور تحديدًا أو كان قد دُفع به إليه. حيث كانت المناسبة هي دعوةٌ من «عصبة الطلاب الأحرار» الليبرالية، لتناول قضية امتهان السياسة أو السياسة بوصفها حرفة، وحين طُرِحَ السؤال حول أفضل من يجيب عن تلك الأسئلة، اجتمع الطلاب على أنه ليس هناك أفضل من «أسطورة هايدلبرج».

بيد أن أسطورة هايدلبرج لم يكن مهتمًّا أول الأمر، حتى أن فيبر كان رده: «لا أحد أقل اتخاذًّا لها حرفةً مني، [كي يختاروني] لأتحدث عن احتراف السياسة»، ورغم أنه لان للأمر في النهاية، فإنه بقي مرتابًا في قراره. وذهب حاملًا شكوكه معه وهو يقطع بخطواته الكبيرة القاعة الكئيبة، في إحدى أمسيات يناير (كانون الثاني) شديدة البرودة، في طريقه لإلقاء كلمته عن «السياسة بوصفها حرفة».

وبينما كان يحملق في هذا الجمهور الكثيف المتوقع حضوره، استهل خطابه بالقول: «هذه المحاضرة، التي أُلقيها بناء على طلب منكم، ستخيّب أملكم حتمًا لأسبابٍ كثيرة»، ومن ثمّ نوّه إلى أنه ليس لديه أي نية لتناول المسائل الملحّة اليومية، وبدلًا من ذلك، ستكون مقاربته تحليلية وصارمةً في منهجيّتها، إلا أن التحليل المنهجيّ والحدّة العاطفية لم يكونا أقل توفرًا في فيبر مما كان عليه الأمر مع دراسته الأكاديمية الجديّة واشتباكه السياسي، بل الأحرى أن تلك التناقضات الظاهرة كانت متكاملة فيه إلى حد كبير.

قارن ماكس فيبر بين صعود الأحزاب الحديثة في ألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية. ولاحظ أنه مع نضوج تلك الدول لتصير أكثر ديمقراطية وعقلانية، أصبح السياسيون يعيشون «من» السياسة، عوضًا عن العيش «لأجل» السياسة. وفي هذه الأوضاع، تساءل فيبر عن معنى ذلك التطور، بالنسبة لطبيعة الحرفة السياسية واستحسانها ذاته. واسترسل فيبر، إبان تحريك ذراعيه ومطالعة عينيه للملاحظات التي كتبها بين الفينة والأخرى، وأشار إلى أنه ليس هناك من سلِم من آفة الغرور، وبالتأكيد لم يسلم منها العاملون في الأوساط الأكاديمية.

لكن فيبر يرى أن الزهو ليس صفة خطيرة على نحو خاص في العالِم، ولكنه خطير للغاية بالنسبة للساسة الذين يكمن السعي إلى السلطة في «صميم» أهدافهم. ومع أن التعطش إلى السلطة أمرٌ طبيعي في السياسي، فالسياسي الذي لا ينشغل بالسلطة لا يقل تناقضًا عن كاتب لا يبالي بالكلمات. والأمر غير الطبيعي، وفقًا لفيبر، هو أن «تصبح الرغبة بالسلطة رغبةً غير موضوعية وتتحول إلى نشوة شخصية بحتة».

ومن هنا كانت الضرورة الملّحة للسؤال الذي طرحه فيبر على مستمعيه: «أي نوع من الرجال ينبغي أن يكون عليه الرجل الذي يُسمح له أن يسيّر عجلة التاريخ؟». (ويرى زاريتسكي في ذلك السؤال تمييزًا جنسانيًا غريبًا، إذا أن زوجة ماكس فيبر -ماريان- كانت قد خدمت بالفعل مندوبة للديمقراطيين الألمان في مجلس الولايات الفيدرالي في بادن).

ويرى فيبر أنه فيما يتعلق بهؤلاء الأشخاص، فإن ثمة نوعين من الخطايا المميتة: الذاتيّة وانعدام المسؤولية. ويجمع الديماجوجي، مدفوعًا برغبته في لفت الانتباه إليه، بين الخطيئتين. ونظرًا لأنه في حاجة دائمة إلى الاعتماد على التأثير في الآخرين، «فهو معرّضٌ باستمرار لخطر أن يتحول إلى مسرحي». إلا أن هذا النوع من القادة، الذي تتمحور أفعاله حول الانطباع الذي يصنعه، لا يمكنه التعامل بجديةٍ مع «المسؤولية المترتبة على نتائج أفعاله».

وكذلك فإن هذا الافتقار إلى الموضوعية، بدوره، «يغريه بالسعي وراء المظهر البرّاق للسلطة بدلًا من السلطة الفعلية». وفي الوقت نفسه، فإن افتقاره إلى المسؤولية «يشير إلى تمتعه بالسلطة لمجرد السلطة دون غاية جوهرية».

صورة تجمع ماكس فيبر مع زوجته آنا

صورة تجمع ماكس فيبر مع زوجته آنا

إن التصور الذي طرحه ماكس فيبر عن هذا النوع من الساسة المسرحيين مناسب ليومنا الحاضر من وجهة نظر زاريتسكي، كما كان لعصره. لكن الأمر الأوثق صلة بنا، هو الصورة التي رسمها عن هؤلاء الذين يسعون بدلًا من ذلك إلى السلطة لتحقيق غايات أخلاقية. إذ تحدث عن نوعين: المتأثرين بـ«أخلاق الغايات المطلقة»، والأكثر ارتباطًا بـ«أخلاق المسؤولية». ويعني فيبر بالأولى، هؤلاء الذين لا يتساءلون أو يغتمّون بعواقب السعي وراء اعتقاداتهم، فالغاية عندهم تفوق كل اعتبار آخر. والحاصل أنها تسوّغ التضحية بالنفس وبالآخرين ما دام أن «شعلة النوايا الخالصة لا تطفأ».

في حين أن أخلاقيات المسؤولية، من ناحية أخرى، تصر دائمًا على أن ثمة جهة أخرى للأمر. فهؤلاء الذين يتوجهون صوب هذا النوع من الأخلاق يدركون ما يدعوه فيبر بـ«أوجه القصور العادية المشتركة بين الناس»، أي أننا ضعاف وخطّائون وأننا جميعًا في النهاية بشر. ومن ثمّ، فإن العواقب يجب أن توضع في الحسبان دائمًا.

كما أن الشخص الذي يتبع تلك الأخلاق «لا يشعر أنه في موضعٍ يتيح له أن يُثقل الآخرين بنتائج أفعاله بالقدر الذي كان يستطيع معه أن يتكهن بها مسبقًا؛ لذا سيقول إن هذه النتائج مرتبطة بأفعالي». فهذه الشخصية ترى أنها يجب أن تكون مستعدة دائمًا لتقديم كشف حساب كامل بكل الحقائق، التي عُرفت والتي لم تكن معروفة، عن أي مسار معين لفعل قامت به. وعلى هذا الأساس، يقول فيبر إنه شيء مؤثر للغاية أن تنتبه إلى شخص يعي مسؤوليته عن عواقب سلوكه، و«يستشعر فعلًا هذه المسؤولية من قلبه وروحه. ثم يتصرف تبعًا لأخلاق المسؤولية، بحيث يصل إلى النقطة التي يقول عندها: (ها أنا أتوقف ها هنا، بعد أن فعلت كل ما أستطيع فعله».

ويذكرنا فيبر بأن الخط الفاصل بين أخلاقيات الغايات المطلقة وأخلاقيات المسؤولية ليس بالصعوبة والسرعة التي نتخيلها. إذ أننا قد نكون واعين بالكامل بكلفة فعل معين، ومع ذلك نقرر التمسك بقناعاتنا. ويمكننا، على نفس المنوال، أن نكون مقدرين تمامًا لأهمية الاعتقاد والقناعات، ومع ذلك نظل على استعدادٍ للتضحية بها إذا أصبحت عواقبها فوق طاقتنا. علاوة على ذلك، فإن فيبر يصر على عدم وجود طريق وحيد أو صحيح لاختياره من بين هذين المسارين. ولهذا السبب ذاته، فإن فقط أولئك الأشخاص الذين يسكنهم نوعا الأخلاق كلاهما، «هم المدعوّون حقًا لاحتراف السياسة».

ويشير زاريتسكي إلى أن ماكس فيبر لم يكن في حاجة إلى التأكيد لجمهوره على فهمه المأساوي للحرفة السياسية، وهو يعاني من آثار الهزيمة في الحرب والفوضى المنتشرة في الداخل، وأن أولئك المدعوّين إلى اتخاذ السياسة حرفة سيواجهون دائمًا عقبات مُثبّطة.

ولهذا السبب، أصرّ فيبر على أن «الشخص الوحيد المدعوّ إلى احتراف السياسة، هو من يكون واثقًا بأنه لن ينهار حين يكون العالَم من وجهة نظره في غاية الحماقة أو شديد الانحطاط ولا يستحق ما يريد أن يقدمه. والوحيد الذي سيبقى -في مواجهة ذلك كله- قادرًا على أن يقول: (رغم كل شيء!)، هو المدعوّ لاحتراف السياسة».

ويختتم زاريتسكي بالقول إن الحماقة والانحطاط، ولو في عالم السياسة فقط، متفشيتان اليوم كما كانتا في زمن ماكس فيبر. وبدون أدنى شك، سيظل الرجال والنساء جبناء وجهلة بما يكفي للتواطؤ مع رموز كاريزماتية تمتطي أحقاد التعصب العرقي والكراهية الدينية.

لقد جادل فيبر ضد اليأس حتى في مواجهة مثل هذه الأحقاد. وفي حين أنه قدم حججًا قوية لتأييد نزعة البشر المتنامية لنزع السحر عن العالم الطبيعي، فإن حياته وكتاباته وقفت صامدة حتى لا يعاني العالم السياسي من المصير ذاته.

مترجم: كيف تقرأ الفلسفة؟ 10 نصائح لتساعدك

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات