تصور ما الذي كان سيحدث لو أن دونالد ترامب ضمن فترة رئاسية ثانية وحصل بنيامين نتنياهو على ما يكفي من أصوات داخل الكنيست تمكنه من تشكيل حكومة؟ لكانت إيران تعرضت للقصف الآن – فقد كان نتنياهو يضغط باتجاه شن هجوم عليها حتى عندما بات جليًّا أن ترامب قد خسر – ولكان السعوديون قد طبعوا العلاقات مع إسرائيل، ولكان الأردن يحكمه الآن شخص اسمه الملك حمزة.

هكذا استهل الكاتب الصحافي ديفيد هيرست مقاله المنشور في «ميدل إيست آي»، وترجمه «عربي 21» وينقله لكم «ساسة بوست»، وفيما يلي الترجمة الكامل لنص المقال:

بدلًا من ذلك ما زالت المحادثات مع إيران مستمرة بينما فتر السعوديون تجاه إسرائيل، وغدا عاهل الأردن الملك عبدالله أول رئيس دولة عربية يزور البيت الأبيض.

لا تفهموني خطأ. لا يوجد تغير في النوايا، ولم تشتعل شمعة مضيئة في رأس ديكتاتور عربي واحد، ولا يوجد من اقترب ولو قليلًا من التفكير على النحو التالي: «لماذا لا أعطي فرصة للشفافية والانتخابات والإعلام الحر؟» ولا نجم عن وصول جو بايدن، المرشح الذي وعد بالعودة إلى القيم، تغير في السياسة الخارجية للولايات المتحدة. فهي ما زالت تعتمد اليوم كما كان ديدنها في عهود الإدارات السابقة على قاعدة راسخة من الكلاب المستأنسة في الإقليم.

ولا أعجب في ذلك من السرعة التي تحول بها رئيس مصر عبد الفتاح السيسي من ديكتاتور ترامب المفضل إلى ديكتاتور بايدن المفضل (بعد الحرب على غزة). بل بلغت ثقة السيسي بنفسه وبحاجة بايدن له أن كلف رئيس مخابراته عباس كامل بأن يحرج الأمريكيين من خلال الكشف عن أن واشنطن كانت قد وعدت بسجن الناشط المصري محمد سلطان بعد إطلاق سراحه من المعتقل المصري.

الذي تغير، أو تعطل، هو الخطة الكبرى.

كانت الخطة تقضي بتنصيب إسرائيل قوة إقليمية عظمى وسط شبكة عسكرية وتجارية من الطغاة العرب السنة المتملقين، بحيث تزودهم إسرائيل بالمعدات التي بها يضطهدون شعوبهم، بينما يقومون هم بضخ أموالهم في الاقتصاد الإسرائيلي بدلًا من اقتصادهم. أما الفلسطينيون والأردنيون فسوف يختزلون في فئة من العمال الضيوف والباعة المتجولين في منطقة تجارية إسرائيلية سعودية ضخمة.

وبذلك تصطاد عصفورين بحجر واحد، فالوجود الإسرائيلي الدبلوماسي والعسكري الممتد في المنطقة يعوض انسحاب الولايات المتحدة منها بينما ينتهي الصراع الفلسطيني. لم يبالغ لا جاريد كوشنر ولا السفير الإسرائيلي السابق في الأمم المتحدة داني دانون حينما قالا إن الصراع كان سينتهي إلى الأبد فيما لو مضت هذه المخططات قدمًا.

كانت هناك سحابة واحدة فقط في أفق التفكير الذي كان يدور في ذهن كوشنر، وتتمثل في عدم وجود قيد أنملة من الرضا لدى الشعوب العربية نفسها. فحتى بمعايير اليوم عندما يحل الأمراء محل التفاوض الكلي، الذي تشارك فيها مؤسسات الدولة، تم إبرام صفقة اتفاقيات أبراهام رغمًا عنهم. فما كانت مثل هذه الصفقة القذرة لتحظى بتصويت شعبي لصالحها في أي من البلدان التي وقعت عليها، ناهيك عن الدول التي تمنّعت عن التوقيع عليها. بل اعتمدت على العلاقات الشخصية والمالية بين أربعة رجال، غادر اثنان منهما الآن خشبة المسرح.

اللصوص يتنازعون

الرجلان الآخران، ولي عهد السعودية محمد بن سلمان وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، بدءا يتصارعان، كما هي عادة اللصوص عندما تطرأ تغيرات على الخطة، فهما الخاسران من سقوط ترامب والخروج المبكر لنتنياهو.

بدأ محمد بن سلمان يمتعض من النظر إليه باعتباره تلميذًا لمحمد بن زايد، رغم أن ولي العهد السعودي ما كان ليصبح وليًّا للعهد في بلاده لولا التخطيط الإماراتي والضغط الذي مارسته الإمارات في واشنطن. في هذه الأثناء يمضي محمد بن زايد وبشكل متزايد في سبيل خدمة أجندته الخاصة.

لم يكن الخلاف على حصص النفط، والذي تم التوصل إلى حله عندما تراجعت السعودية عن موقفها، إلا واحدًا من قائمة من القضايا التي باتت تفصل الرجلين عن بعضهما البعض. ولكن حتى النزاع على حصص النفط بالكاد ظل مستترًا وراء أبواب مغلقة. بل تحدث عنه بملء الفم أمير سعودي رفيع المستوى داخل العائلة، هو وزير الطاقة عبد العزيز بن سلمان، وذلك قبل أن تضمن الإمارات زيادة في حصتها.

قد تفضي زيارة محمد بن زايد إلى الرياض يوم الاثنين إلى معالجة مؤقتة لعدد من التصدعات. فأولًا وفي المقدمة تأتي اليمن، حيث ضمن الإماراتيون مصالحهم، الجنوب والموانئ، تاركين السعوديين وحدهم في حرب مع الحوثيين لم تضع أوزارها بعد.

لقد أسخط السعوديين ما توفر لديهم من دليل على أن الإماراتيين طوروا لأنفسهم «علاقات عبر باب خلفي» مع الحوثيين، وذلك بحسب ما صرحت به مصادر خليجية مطلعة على الأمر. ونظرًا لعدم وجود إعلام حر في أي من البلدين، فإن تغريدات أولئك المعلقين الذين يصرح لهم رسميًّا بالتعليق تستحق الوقوف عندها.

بدون ذكر أبوظبي بالاسم، من الواضح أن عبدالله آل هتيلة، مساعد رئيس التحرير في صحيفة عكاظ السعودية، كان يقصدها حينما غرد قائلًا: «لمن في قلوبهم مرض .. #المملكة هي الدولة الوحيدة التي ليس لها أطماع في #اليمن.. مطمعها الوحيد أمن واستقرار اليمن بحكم الجوار ووشائج القربى بين الشعبين والمصالح المشتركة بين البلدين. المملكة حكومة وشعبًا لن تسمح لكائن من كان أن يعبث بأمن اليمن للإضرار بأمنها».

أما سليمان العقيلي، المحلل السياسي، فقد سمى الإمارات صراحة، حين قال: «إذا لم تساعد أبوظبي في تنفيذ اتفاق الرياض حول الأزمة في اليمن الجنوبي وتبقى مصرة على تعطيله، فأظن أن العلاقات السعودية الإماراتية ستظل تحت الاختبار».

تعطل رؤية 2030

وثانيًا، هناك الاقتصاد، أيها الأحمق. رؤية 2030 ليست فاعلة. كان ينبغي بموجب الخطة الأصلية أن تجذب المملكة العربية السعودية رأس المال الأجنبي لصناعة السيارات والأسلحة. وكما أوردت صحيفة وول ستريت جورنال، كان ينبغي أن تتضاعف أربع مرات الإيرادات غير النفطية. ولكن في الواقع بالكاد تضاعفت مرتين. وما زال قطاع النفط يشكل ثمانين بالمائة من إيرادات الميزانية وثمانية وثمانين بالمائة من الدخل الأجنبي.

لم تتدفق الاستثمارات الأجنبية إلى الاقتصاد المحدث، بل بالكاد يرشح رشحًا إلى داخل بلد يعاني من معدلات بطالة مرتفعة، وخاصة في أوساط الشباب. كان أكبر تدفق لرأس المال الأجنبي نحو الداخل هو ذلك الذي يتعلق بالاستثمار في مشروع خط أنابيب أرامكو. إذن، ما زال الأمر مرتبطًا بالنفط، ثم النفط، ثم النفط.

ويستمر محمد بن سلمان في اكتشاف أن حليفه الرئيسي هو منافسه الرئيسي، كما في قراره إجبار الشركات متعددة الجنسيات على أن تتخذ لنفسها مقرات داخل السعودية أو في رفضه تخفيض الضرائب على البضائع الواردة من مناطق التجارة الحرة في الإمارات.

بل وحتى فتر محمد بن سلمان تجاه إسرائيل، التي غدت الشريك التجاري الجديد لمحمد بن زايد. استثنت المملكة العربية السعودية من الإعفاء الضريبي التفضيلي البضائع المصنعة في المناطق الحرة من بلدان مجلس التعاون الخليجي أو التي تستخدم بضائع منشؤها إسرائيل.

إخماد أصوات المعارضين

كما أن تركيا أيضًا تعدل مسارها بدلًا من أن تغيره تمامًا. يبدو أن تركيا تتجاوب مع مطالب القاهرة من خلال إسكات الأصوات الناقدة لأهم المذيعين في القنوات التلفزيونية المعارضة في إسطنبول. وقد توقفت فعلًا برامج كبار المذيعين في قنوات التلفزيون المعارضة التي تعمل من إسطنبول مثل معتز مطر وهشام عبدالله في قناة «الشرق» ومحمد ناصر وحمزة زوبع في قناة «مكملين». وبالمقابل خفت حدة الانتقادات الموجهة إلى تركيا في وسائل الإعلام المصرية.

وبشكل منفصل، توصلت تركيا والإمارات العربية المتحدة إلى تفاهمات مشابهة. فقد سكتت الأصوات الإماراتية المعارضة داخل تركيا بينما طلبت تركيا من دبي تسليمها سيدات بيكر، زعيم العصابة الذي نشر عبر يوتيوب تهمًا بالفساد موجهة ضد كبار المسؤولين في الحكومة التركية بما في ذلك وزير الداخلية سليمان صويلو.

رفضت الإمارات العربية المتحدة الطلب التركي، ولكن قبل أربعة أسابيع اختفى بيكر من المشهد. قال بيكر إن المسؤولين الإماراتيين قالوا له بأن يتوقف عن الظهور في مقاطع الفيديو بسبب التهديدات بالقتل التي وجهت له. من قال ماذا لمن، لا أحد يمكنه الجزم، والأتراك لم يؤكدوا بأنهم طلبوا تسليم بيكر، ولكن تم لهم ما أرادوا على كل حال.

إلا أن أكبر مؤشر على المتغيرات الإقليمية الجارية هو التغير المفاجئ والكبير في حظوظ عاهل الأردن الملك عبدالله.

قبل ثلاثة شهور قصيرة، كان الملك يواجه انقلابًا مكتمل الأركان من داخل القصر بمشاركة أخيه غير الشقيق الأمير حمزة. حينها، حل في عمان وفد من أربع شخصيات سعودية كبيرة على رأسهم وزير الخارجية فيصل بن فرحان للمطالبة بإعادة باسم عوض الله، الرئيس السابق للديوان الملكي الأردني والمستشار الخاص السابق لمحمد بن سلمان، وكذلك الشريف عبد الرحمن حسن بن زيد، وكلاهما وجهت لهما تهم بالتحريض ضد الملك.

كانت المملكة حينها تغلي بسبب إخفاقات في التعامل مع جائحة كورونا ونقص الأكسجين وتراجع الاقتصاد، وكانت العشائر تشهد تململًا.

ولكن الملك عبدالله وبرفقته الملكة رانيا وولي عهده الأمير حسين بن عبدالله كانوا يوم الاثنين يخطون داخل البيت الأبيض، فكانت بذلك عائلتهم أول عائلة مالكة في العالم العربي يتم الترحيب بها في واشنطن من قبل الرئيس بايدن الذي وصف الملك بأنه «صديق جيد ووفي ونبيل»، ويجري في الوقت نفسه إعادة نشر القوات الأمريكية من قطر والعراق إلى الأردن.

في هذه الأثناء توقف الإسرائيليون عن حرمان الأردن من المياه، وتم الترتيب للقاء يجمع بين الملك ورئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد نفتالي بينيت. فجأة اكتشف الإسرائيليون منافع وجود أردن مستقر إلى جوارهم وتوقفوا سريعًا عن المضي قدمًا في المساعي المشتركة مع الرياض لزعزعة الاستقرار فيه. وصدر الحكم على عوض الله وعلى بن زيد بالسجن 15 عامًا مع الأشغال الشاقة.

كم تبدلت الدنيا في غضون ثلاثة أشهر.

إعادة التغيير

بينما يعيد الملوك والملكات والفرسان ترتيب مواقعهم على رقعة الشطرنج يبقى الجنود في أماكنهم دون تغيير.

من الخليج إلى البحر المتوسط، باتت هذه الدول أضعف بكثير مما كانت عليه. ارتفعت نسبة الفقر وكذا نسبة البطالة. قلة من الأردنيين تحسنت أوضاعهم نتيجة لقيام بايدن بإنقاذ الملك عبدالله. وحسب تقديرات البنك الدولي فقد انكمش الاقتصاد الأردني بنسبة 1.6 بالمائة في العام الماضي، وارتفعت نسبة البطالة إلى 24.7 بالمائة. ووصلت نسبة البطالة بين الشباب إلى مستوى مذهل بلغ 50 بالمائة. وحتى في السعودية الثرية بلغت نسبة البطالة 12 بالمائة، ولربما كان الرقم الرسمي أعلى من ذلك بكثير.

هناك انسداد سياسي تام. وانضم لبنان إلى القائمة المتزايدة من الدول الفاشلة، ولا توجد آفاق لإعادة تعمير سوريا أو اليمن أو ليبيا في المستقبل القريب. وتبقى ساحات المعركة الميتة حقولًا جرداء مقفرة.  

لن يحدث التغيير حتى تنهض الشعوب العربية من جديد وتضمن لنفسها حكومات تمثلها محاسبة من قبلها ومؤهلة لإعادة بناء الاقتصاد المدمر. كل ما نراه يجري من حولنا هو مجرد إعادة تعيير للتحالفات الإقليمية. لم يزل التغيير الحقيقي منتظرًا. وعندما يتحقق فإنه سيكنس جميع المتآمرين ومؤامراتهم، تمامًا كما تفعل الآن الحرائق والفيضانات التي تعصف حاليًّا بكاليفورنيا وألمانيا والصين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد