من الصعب تخيّل أن تحمل سلسلة مطاعم «ماكدونالدز» دلالة قوية في عالم السياسة. قبل 20 عامًا، وضع الكاتب والمؤلف «طوماس فريدمان» نظرية «الأقواس الذهبية لمنع النزاعات»، والتي تنص على أنّ تواجد ماكدونالدز في دولتين يمنع نشوب أي حربٍ بينهما. وفقًا لـ«فريدمان»، الرأسمالية العالمية يمكن أن تخلق «نقطة تحوّل تحدّ عندها البلاد من قدرتها على التسبب في المشاكل، وتشجّع على الترسيخ التدريجي للديمقراطية والسلام الشامل، باندماجها في الاقتصاد العالمي، وفتحها أبوابها أمام الاستثمار الأجنبي، وتمكين المستهلكين».

اليوم، يستعيد الكاتب البريطاني «جورج مونبيو» هذه الدلالة في سياق المتغيّرات العالمية الحالية، والتي تشهد تغلّب العواطف على الحقائق، وانهيار معدلات التأييد للحكام إلى أدنى مستوياتها، مع صعود الحركات الشعبوية. من هذا يخرج «مونبيوه» باستنتاجه الغريب؛ لا تجتمع بأرضٍ الديمقراطية وسلسلة مطاعم «ماكدونالدز» في آن واحد.

رأس المال يكتسح قوة الشعب

 

في الدول الديمقراطية، القوة في يد الشعب، يُمارسها عن طريق الاقتراع، والمجالس النيابية. ظاهريًا، لم يتغير هذا؛ ما زال الكونجرس قائمًا في الولايات المتحّدة، بيد أن قوّته الفعلية أوهنها الهجوم الشرس الذي لا يتوقّف، من قِبل رأس المال متعدد الجنسيات، الذي لا تحدّه الحدود الجغرافية. وماكدونالدز نموذجًا.

اليوم، يقول «مونبيوه»، القوة السياسية التي ينبغي أن تمتلكها أيدينا هربت منها إلى اجتماعات سرية مع شركات الضغط السياسي والمتبرعين الأثرياء. إلى صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي؛ مؤسسات تلبي أوامر القطاع المالي، وليس الشعوب. قوة الشعوب تسحق تحت وطأة معاهدات واتفاقات دولية تُصاغ خلف الأبواب المُغلقة، حيث تُمرّر بنود «لا يمكن أن يوافق عليها ناخبٌ متنوّر» تحت اسم «الشراكة العابرة للأطلنطي»، و«اتفاقية الإتجار في الخدمات».

أبرز هذه البنود هي التي تسمح بتشكيل لجان أجنبية تفتقر إلى الشفافية، تُقاضي أمامها الشركات العملاقة الحكومات والدول، ومتخطية المحاكم الوطنية، ومطالبة بالتعويضات عن نتائج قرارات ديمقراطية اتخذتها الشعوب. يقول «مونبيوه» إن هذه المعاهدات تقضي على حقوق العمال، وحماية المستهلك، وجود المعيشة، وتسخر من السيادة الوطنية. وربّما لأن «دونالد ترامب» وعد بإسقاط هذه المعاهدات الجائرة، فقد حظي بدعمٍ شعبي كافٍ لينتصر على منافسته «هيلاري كلينتون» في الانتخابات الأمريكية الأخيرة.

التغريب واللا انتماء

 

يلفت «مونبيوه» النظر كذلك إلى التأثير المدمّر للشركات العملاقة على الإحساس بالانتماء الوطني، مقتبسًا عن إحدى روايات «طوم وولف» «الطريقة الوحيدة التي تعرف بها أنّك خرجت من مجتمع، ودخلت آخر، هو عندما تبدأ محال السلاسل التجارية في التكرار، عندما ترى متجر 7-Eleven آخر، وWendy’s آخر، وCostco آخر، وHome Depot آخر». هذا التكرار يدمّر معنى الديمقراطية، والتي ترتكز على إحساس بالثقة والانتماء للوطن، وانتماء الوطن إليك.

أمّا الآن، فكل الأوطان سواء. «ماكدونالدز» في كل مكان. ونظامُ المراقبة والإحصاء والتقييم، والذي تتفوق ماكدونالدز فيه تفوقًا تامًا، لا يسمح بأي نوعٍ من الاختلاف بين فرع ماكدونالدز وآخر. الشركات العملاقة لا تكترث لتصاعد معدلات وفيات الأمريكيين في منتصف العمر؛ بسبب أمراض السمنة والسكر وإدمان المسكنات والفشل الكلوي. ليس التغيير المناخي في حسبانها، حتى وإن كان إنتاج ماكدونالدز للحم البقري من أبرز أسباب التغير المناخي، والذي يمكن أن يؤدي إلى انهيار مناخي شامل يهدد السلام العالمي.

المعضلة الثلاثية

ينقل «مونبيوه» عن كتاب «إشكال العولمة» لـ«داني رودريك»، عالم الاقتصاد بجامعة هارفارد، وصفه لمعضلة سياسية ثلاثية، أطرافها الديمقراطية، والسيادة الوطنية، والعولمة المفرطة. ثلاثتهم لا يجتمعون. ويستعيد «مات سترولر» في مقاله بصحيفة «ذا أتلانتك» عن تاريخ الحزب الديمقراطي ما قاله المشرع الأمريكي العظيم «لويس برانديز»، «يمكنك أن تحظى بالديمقراطية، أو يمكنك أن تحظى بتركيز الثروة في أيدي الأقلية، لكن ليس بكليهما». رأس المال يطغى على السياسة الداخلية، وهو ما يستفز ردّ فعلٍ عالمي ينبذ الساسة التقليديين وينتخب «دونالد ترامب» وكل دونالد ترامب، سعيًا إلى إعادة ترسيخ السيادة الوطنية في وجه العولمة غير الديمقراطية.

في 1938، حذر الرئيس الأمريكي «فرانكلين روزفلت» من أن «حرية الديمقراطية ليست بمأمن، إن تسامح الناس مع تنامي نفوذ القطاع الخاص إلى نقطة يصبح عندها أقوى من دولتهم الديمقراطية ذاتها. هذه هي الفاشية في جوهرها». لهذا حاول الديمقراطيون كسر قوة البنوك العملاقة وسلاسل المتاجر، قبل أن ينسى الحكام وكبار الصحفيين الأمر، ويستفحل الوحش الرأسمالي على الشعوب.

لكن ضحايا النظام لم ينسوه، وهم الآن يشنون ضرباتهم بتصعيد أمثال ترامب إلى المناصب التنفيذية، أملًا في الخلاص من قبضة الرأسمالية. ينتهي مونبيوه إلى أن أحد طرق مجابهة أمثال «ترامب، بوتين، وأردوغان، ولو بان»، هو بإنقاذ الديمقراطية من براثن الشركات متعددة الجنسيات، وبالدفاع عن المجتمع؛ الوحدة  السياسية الأساسية ضدّ هجمات البنوك والممارسات الاحتكارية. «لا خطر على السلام بين الأمم أكبر من نموذجٍ مؤسسي يسحق الخيار الديمقراطي».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد