لقد قاوم الفلسطينيون على مدار الـ 68 عامًا الماضية جهود الحكومة الإسرائيلية المتواصلة لمحو ذكريات الصدمة والمقاومة التي بدأت مع النكبة.

في 15 مايو (أيار) من كل عام، أطلب من جدتي أن تحكي لي كيف أصبحَت بلا مأوى. وقعت هذه القصة منذ 68 عامًا. كانت في الرابعة عشر من العمر، وكانت أصغر أحد عشر طفلًا لأسرة مسيحية من الطبقة المتوسطة. لقد انتقلوا، عندما كانت جدتي طفلة صغيرة، من الناصرة إلى حيفا وأقاموا في شارع البستان في المستعمرة الألمانية، التي كانت مستعمرة للفرسان الألمان، والتي أصبحت فيما بعد، خلال الانتداب البريطاني، مركزًا «كوزموبوليتانيًّا» للثقافة العربية. عندما أطلب منها تذكُّر كيف كانت الحياة آنذاك في حيفا، يستقر ناظراها على الأفق أمامها.

قالت جدتي، وقد اختنق صوتها: «كانت أجمل مدينة رأيتها على الإطلاق، الخُضرة، والجبال التي تطل على البحر المتوسط».

تتذكَّر جدتي بوضوح الليلة التي غادرت فيها أسرتها. أيقظهم في منتصف الليل طَرقٌ عالٍ على الباب الأمامي. كان أبناء عمَّات جدتي، اللاتي كُنَّ يعِشن في حي عربي بحيفا، قد وصلوا ليخبرونهم أنَّ حيفا تنهار. لقد أعلن البريطانيون أنَّهم سينسحبون، وكانت هناك إشاعات تقول إن البلاد تُسلَّم إلى الصهاينة. كانت المستعمرة الألمانية آنذاك معزولة نسبيًّا عن حوادث العنف الواقعة في بقية البلاد، والتي شملت مداهمات ومجازر في القرى الفلسطينية على يد الجماعات الصهيونية شبه المسلَّحة. ولكن الهاجاناه، وهي منظمة شبه مسلَّحة شكَّلت فيما بعد نواة جيش الدفاع الإسرائيلي، رأت الانسحاب البريطاني من حيفا فرصةً، ونفَّذت سلسلة من الهجمات على أحياء عربية مهمة كانت تعيش فيها عمَّات جدتي وأبنائهن.

تتذكَّر جدتي فتقول: «قال لنا جيراننا اليهود تلك الليلة ألَّا نغادر، وأراد أبي البقاء، والانتظار حتى انتهاء الأمر. ولكن والدتي، كان لديها 11 طفلًا، وكانت بالطبع تريدنا أن نكون بأمان. وكانت أخواتها ستغادرن بسبب الهجمات التي وقعت في أحيائهن».

عائلة بطحيش. جدة الكاتب، أصغر الأطفال الإحدى عشر، الثانية من جهة اليسار في الصف الأمامي. حوالي 1936 – 1937

تناقشت الأسرة في الأمر طوال الليل. وتوصلَّت إلى قرار في الصباح. حزم كلٌ منهم سريعًا حقيبةً صغيرة وتركوا بقية أغراضهم. قالت ضاحكةً: «أخفينا الأشياء القيّمة التي لم نستطِع أخذها في غرفة مغلقة بمنزلنا، معتقدين أنَّها ستكون بأمان حتى نعود».

بينما كانت نساء الأسرة تحزم الأغراض، عقد أخ جدتي الأكبر، الذي كان قد عمل قبل ذلك مع القوات البريطانية، صفقةً تسمح لهم بالمغادرة على متن إحدى آخر المركبات البريطانية المنسحبة من حيفا. سافرت أسرة جدتي بالقليل الذي استطاعت حمله إلى الحدود اللبنانية، مختبئة في مركبة عسكرية بريطانية.

عندما وصلوا إلى الناعورة، الواقعة على الحدود بين فلسطين ولبنان، صُدِموا عند رؤية أناس آخرين كثيرين من أنحاء البلاد. قالت: «شعرنا وكأنَّ العالم قد انتهى. كانت الحدود شديدة الازدحام بالسيارات والشاحنات المليئة بالناس الفارين من العنف وأغراضهم. كان هناك آخرون يغادرون عن طريق البحر».

وعلى الحدود، صدرت أوامر بأن تقلّهم سيارة سارت في الطريق إلى لبنان عدة ساعات أخرى. أوصلتهم السيارة لاحقًا في تلك الليلة إلى الدامور، وهي بلدة لبنانية ساحلية تقع جنوب بيروت. كان الظلام قد حلّ، ولم يعرفوا أحدًا، ولم يكُن لديهم مكان للراحة، فنامت الأسرة المكوَّنة من 13 فردًا في الشارع أمام أحد المحال التجارية، على الأرض المتسخة المليئة بالخضروات والفواكه العفنة. مع شروق شمس اليوم التالي، ساروا في شوارع البلدة الغريبة، ووجدوا أصدقاءً وجيرانًا من حيفا كانوا يجوبون الشوارع أيضًا بلا هدف. بعد أن سمعوا أنَّ بيروت مزدحمة كثيرًا باللاجئين، توجَّهوا إلى جزين، في جنوب لبنان، حيث ساعدهم الأصدقاء في الاستقرار في غرفة صغيرة في منزل بعض أصدقاء العائلة.

تقول جدتي: «انتظرنا طوال الصيف وصول أخبار تفيد بإمكانية عودتنا. بحلول شهر سبتمبر (أيلول)، أدركنا أنَّ الأمل في ذلك ضئيل، وخطَّطنا للانتقال إلى بيروت».

نجت أسرة جدتي في السنوات القليلة التالية بفضل خير الأصدقاء والغرباء، إضافةً إلى المواد الغذائية التي كانت تمنحهم إيّاها وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، التي كانت تحتوي على مسحوق البيض المجفف، من بين أشياء أخرى، وهو ما أدهش جدتي كثيرًا. عمل إخوانها الأكبر سنًّا في وظائف في بيروت من أجل الإنفاق على الأسرة. كانت أسرة جدتي في النهاية محظوظة: فقد حصل أفرادها على الجنسية اللبنانية، لكونهم لاجئين مسيحيين أكثر ثراءً من غيرهم. ولكن الأغلبية العظمى من اللاجئين الفلسطينيين لم يتجنَّسوا قط، بل سُكِّنوا في أحد المخيمات الاثنا عشر في لبنان، حيث يعيشون حتى يومنا هذا.

ليست قصة جدتي قصةً فريدة. في عام 1948 دمَّرت الميليشيات الصهيونية أكثر من 530 بلدة وقرية فلسطينية وأخلتها من سكّانها. طُرِد ما يقدّر بـ 750 ألف فلسطيني من منازلهم، وذُبِح الكثيرون الذين عجزوا عن الفرار. بحلول نهاية يوليو (تموز) 1948، كان مئات الآلاف من المهاجرين اليهود من خارج فلسطين، والذين كان الكثيرون منهم ناجين من المحرقة النازية، قد سُكِّنوا في المنازل المملوكة سابقًا لأسرٍ فلسطينية مثل أسرة جدتي. في ديسمبر (كانون الأول) طبَّقت الدولة الإسرائيلية الجديدة مجموعة من القوانين التي يُشار إليها عادةً بقانون أملاك الغائبين. وضعت هذه القوانين تعريفًا قانونيًّا لغير اليهود الذين قد غادروا أو أُجبِروا على الفرار من فلسطين، مثل جدتي. أتاحت القوانين للدولة الإسرائيلية المنشأة حديثًا  مصادرة مليوني دونم (حوالي 500 ألف فدان) من أراضي الأسر الفلسطينية، بما فيها أرضي. في أبريل (نيسان)
توسَّع القانون ليشمل الأراضي الواقعة في الضفة الغربية، مقنِّنًا بذلك الإجلاء المستمر للفلسطينيين ومصادرة أراضيهم وأملاكهم من أجل تسكين المواطنين الإسرائيليين الجدد القادمين من الخارج.

يرتبط تفرُّد ما أصبح يُعرَف بالنكبة الفلسطينية ارتباطًا جزئيًّا بالتوقيت: فقد حدثت في فجر تكوين الدول عبر أجزاء كبيرة من آسيا وإفريقيا، ممَّا عنى أنَّ مئات الآلاف من الفلسطينيين غير اليهود قد وجدوا أنفسهم بلا وطن وغير معترَف بهم في عالم الدول الأممية الجديد في حقبة ما بعد الاستعمار. ربما نتيجةً لذلك، ظهرت النكتة الخاصة بهوس الفلسطينيين بجمع جوازات السفر، خشيةً من تجريدنا من أحدها. ولكن هل كان ذلك مفاجئًا حقًّا بالنظر إلى تاريخنا؟ ففي اللحظة التي أُغلِق فيها الباب في وجوهنا، وبقينا بالخارج غير معترف بنا، لسنا بلا مأوى فقط، بل بلا وطن كذلك.

صورة لجوازات سفر جدة الكاتب المختلفة على مدار السنوات

عقب تأسيس إسرائيل عام 1948، صرَّح ديفيد بن جوريون، مؤسِّس إسرائيل ورئيس وزرائها الأول، أنَّ «الكبير سوف يموت، والصغير سوف ينسى». بالنظر إلى التركيز الذي تسلِّطه التقاليد اليهودية على الذاكرة وتخليد ذكرى النضال والمعاناة، كان على بن جوريون أن يكون أذكى من ذلك. لقد قاوم الفلسطينيون على مدار الـ 68 عامًا الماضية جهود الحكومة الإسرائيلية المتواصلة لمحو ذكريات الصدمة والمقاومة التي بدأت مع النكبة. ما زال الفلسطينيون من جيل جدتي يعلِّقون مفاتيح منازلهم القديمة في سلاسل يرتدونها حول أعناقهم حتى يومنا هذا، وهي علامة على أنَّ ذكرياتهم ترفض الخفوت على الرغم من حرمانهم من أراضيهم.

كلَّما روت جدتي تجربتها، ظهرت ذكرى جديدة، أضيفها إلى القصة، كي أحسِّنها بتفاصيل ونوادر جديدة. ولكن مع ظهور ذكرياتها على الصفحة، شككت في نفسي لحظة: في ذكريات جدتي، كانت متأكدة أنَّ أسرتها قد اتَّخذت قرارًا بالمغادرة. هل يمكن أن يسهم هذا في إحدى الأساطير المستخدَمة لتبرير تأسيس إسرائيل المعاصرة على أرضٍ فلسطينية؟ وهي الأسطورة القائلة بأن الفلسطينيين غادروا بإرادتهم الحرة، على الرغم من توافر الأدلة التاريخية الغامرة على العكس.

سألتُ جدتي: «هل غادرتم طواعيةً؟» أجابت: «كانت هناك حرب».

استأنفتُ: «ولكن لم يطردكم أحد، أليس كذلك؟ لم يهاجمكم أحدٌ هجومًا مباشرًا؟»

جد الكاتب وجدته بعد زواجهما حديثًا، بيروت، 1952

قالت: «لم يهاجمنا أحدٌ شخصيًّا، ولكن الأخبار أقلقت والدتي. اعتقدنا أنَّنا سنغيب بضعة أسابيع على الأكثر».

هل يمكن أن تعزِّز ذكرى جدتي عن النكبة الرواية الزائفة القائلة بإن الفلسطينيين غادروا طواعيةً، نظرًا إلى أنَّ أسرتها لم تُنتزَع فعليًّا من منزلها؟ بينما كنت أفكِّر في هذا، بدأت أفكاري تتضافر حول نقطتين. الأولى ـ والتي تبدو مثيرةً للشجن في عام 2016 تحديدًا، مع غرق قوارب المهاجرين العرب والأفارقة على الشواطئ الأوروبية ـ هي سؤال: ما الذي يُعَد نزوحًا طوعيًّا؟ في 15 من مايو (أيار) 1948، وفي مواجهة العداوات المتنامية وخطر الحرب الإقليمية، فعلت جدتي الكبيرة الشيء الوحيد الذي تعرفه كي تحمي أطفالها: غادرت. هل يُعَد الهروب من حرب وشيكة بحقيبة صغيرة وخطط للعودة رحيلًا طوعيًّا؟ وإذا كان يُعَد كذلك، فهل لا يصبح للمغادِرين حق في الأرض والأغراض التي تركوها ويمنَعوا من العودة إلى الأبد؟

تركَّزت فكرتي الثانية على سياسة الذكرى في الحرب. كتب ميلان كونديرا في روايته كتاب الضحك والنسيان: «إنَّ صراع الإنسان ضد السلطة هو صراع الذكرى ضد النسيان». يأمل الساسة الإسرائيليون أن ينسى الفلسطينيون ويتكيَّفون مع خسارتهم، إذا مُنِحوا وقتًا كافيًا وتعرَّضوا لضغطٍ كافٍ. ما زال هذا ينطبق حتى اليوم، مع تدعيم الدولة الإسرائيلية احتلالها، وضغط الفلسطينيين الباقين في «جيتوهات» مستمرة في الانكماش.

في هذه الأثناء، تستمر الذكرى الإسرائيلية الجمعية عن النكبة في تجاهل الأحداث الدامية التي أدَّت إلى طرد السكَّان العرب الفلسطينيين ونزوحهم. لا تذكر الكتب المدرسية في أحداث 15 من مايو 1948 مطلقًا كيف عانى الفلسطينيون من النكبة، بل تصوِّر إسرائيل بأنَّها ديفيد البطل الذي يهزم الأعداء الكثيرين المصطفِّين ضده. منذ عام 2011، أصبح رفض الاعتراف بالنكبة الفلسطينية مقدَّسًا في القانون الإسرائيلي، إذ تواجه المنظمات دفع غرامات إذا أحيت ذكرى اليوم.

هناك دافع لتوحيد الصفوف وصياغة قصة واحدة، في مواجهة إسرائيل القوية التي تسعى إلى محو بقايا الحياة الفلسطينية وثقافتها. فالفروق البسيطة والتناقضات رفاهية لا يقدر عليها شعب تحت التهديد. ولكن تذكُّر أحداث 1948 وروايتها، بفروقها وتنوعاتها، شكل من أشكال المقاومة، مقاومة ضد النسيان. تتشكَّل الذكرى الجمعية للنكبة من 750 ألف قصة، قصة لكل مَن ترك منزله ولم يستطِع العودة قط. تُقدِّم هذه الروايات، عند جمعها سويًّا، نظرةً حانية إلى رد فعل مجتمعٍ على ما يعترَف الآن على نطاقٍ واسع بأنَّه تطهير عرقي. إنَّ قصة جدتي، الفريدة في نظرها، ليست سوى جزء من ذكرى جمعية لهذه الصدمة التي لا بد من حكايتها بكل جوانبها الغامضة.

إنَّ رواية قصص أولئك الذين خاضوا تجربة النكبة  الشخصية الفريدة تعني تخليد نضال الفلسطينيين الذين فقدوا أراضيهم وحيواتهم في وقت كان المسلمون والمسيحيون واليهود يعيشون فيه جنبًا إلى جنبٍ على أرض فلسطين التاريخية، ومعاناتهم. وتعني تدوين المصائر الفردية على لوحات التاريخ التي رسمها المنتصرون بحواجز كبيرة قبيحة. إنَّ الحكايات الشخصية مثل حكاية جدتي، والقدرة على تناقلها بين الأجيال المستقبلية، هي ما يقوم بدور المنبِّه بأنَّ السلام والتعايش ممكنان، طالما كانت ذكريات الجميع معترَفًا بها.

سليم حدَّاد مؤلف وعامل في مجال المساعدات الإنسانية. صدرت روايته Guapa في مارس (آذار) 2016.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد