إن أردت تحديد أكثر الفعاليات غرابة في العالم، فإن لا شيء سيتغلب على تحدي الأرقام الثنائية، أحد مسابقات بطولة العالم للذاكرة. يتنافس أسياد الذاكرة خلال 30 دقيقة لحفظ أكبر عدد من أرقام الواحد والصفر بالترتيب الصحيح.

في الماضي، عندما كان هذا بالنسبة لي نشاطًا ممتعًا، كنت قادرًا على تذكر أكثر من ألفي رقم. لكن خصمي اللدود، د. جانثر كارستين، من ألمانيا، لم يتردد في وصف هذا المستوى من الأداء بالضعيف جدًّا، فقد كان قادرًا على تذكر 3200 رقم. الرقم القياسي العالمي حاليًا يتجاوز 4000: أكثر من رقمين في الثانية الواحدة!

مذهل، أليس كذلك؟ المذهل حقًّا، أنك عندما تخترق الغموض الذي يكتنف مثل هذه الأعاجيب، تجد مجموعة من التكنيكات وطرق التعلم، المليئة بالحكمة والمرح. حتى وإن لم يكن لديك اهتمام بحفظ الأرقام الثنائية وشفرات الكمبيوتر، فإن تكنيكات الذاكرة التي تمكنك من حفظ هذا الكم في هذا الوقت القصير، هي بالتأكيد كنز من البصيرة يعطيك القدرة على توجيه العقل المتعلّم وتحفيزه.

كانت بداياتي مع تكنيكات الذاكرة عندما كنت في المستشفى في سن الثمانية عشر، بلا شيء لأفعله سوى محاولة إبهار الممرضات. ابتاع لي صديقي حينها كتابًا كتبه دومينيك أوبراين، بطل العالم في الذاكرة لسبع مرات متتالية. في كتابه، يتحدث براين عن أنه لا شيء مميز في ذاكرته: لقد درّب نفسه لكي يصبح بطل العالم باستحدام حفنة من التكنيكات التي تعود للقرن الخامس قبل الميلاد، حين بدأ الرواة والشعراء والطلاب استخدامها في الحفظ.

على خطى أوبراين، تعلمت كيف أستخدم مخيلتي لأحيي ما أتعلمه، وكيف أربط المعلومات الجديدة بالقديمة، وكيف أستعرض وأمرّن ذكرياتي، لأبقيها في كامل صحتها. ولم يطل الوقت حتى أصبحت قادرًا على حفظ 200 كلمة جديدة في ساعة، أو مجموعة من أوراق اللعب في غضون دقائق.

اتضح لي على الفور أن هذا التعلم الخارق لا يقترب حتى من أن يكون مملًا أو آليًّا، لقد كان ممتعًا وزاهيًا للغاية، على عكس تعليم الحفظ الأصم في المدارس. لقد كان تدريبًا للإحساس أكثر منه للتركيز.

ظللت أتسلى بمهارات الذاكرة وأنميها طوال سبع سنين من دراستي لعلم النفس والفلسفة، والتي تناولت موضوعات متنوعة، مثل الفرق بين الإحساس بالرائحة والإحساس بالألوان (الوقت هو الفرق)، وكيف تجعل أحدهم يظن أن يده كبرت عن حجمها الطبيعي (خدعة اليد المطاطية).

كنت أجد الذاكرة دومًا، أثناء انغماسي في تلك الموضوعات، في أكثر الأماكن غير المتوقعة، وتشكلت نظرتي للذاكرة التي لا تراها كمخزن في منتصف الدماغ، ولكنها أكثر تكاملًا مع وظائفه بكثير: إنها النسيج الذي يبطن أفكارنا وكلماتنا وأحاسيسنا، وإدراكنا للعالم الخارجي. هذا النسيج ليس مجرد آلة تخزين، وإنما أكثر إبداعًا وإنسانية من ذلك بكثير.

عالم النفس العظيم، ويليام جيمس، قال ذات مرة:

“الشيء العظيم في التعلّم كله، أن تجعل جهازك العصبي حليفك، لا عدوّك”.

ما تكشفه ذكرياتنا، هو أن جهازنا العصبي معد لاستقبال أي شيء يحرك عاطفتنا، أي شيء يهمّنا؛ أي زاهٍ بالألوان، غير معتاد، أي شيء شخصي. فلنلق نظرة على بعض التطبيقات العملية التي يمكنك فعلها اليوم لتحسين ذاكرتك:

تعلّم بالموسيقى

أجزاء كبيرة من التعليم المدرسي تعتمد على تتابعات لفظية، مثل ألوان الطيف، أو أسماء الكواكب، أو عملية هابر-بوش الكيميائية البغيضة. هذه التتابعات صعبة التذكر، لكن عند تحويلها إلى دندنات موسيقية، خاصة إذا كانت مرتبطة بأغنية تحفظها وتحبها، فستصبح أسهل بكثير وأكثر متعة في التذكر.

التعلّم البصري

أتريد أن تتذكر أن كلمة Deliterious تعني مؤذيًا؟ اربط النطق بالمعنى. لقد كان فقدان فان جوخ لأذنه مؤذيًا، أو delete-ear-iou. سخيفةً جدًّا تلك الطرق، ربما هذا أحد الأسباب التي تجعل الذكريات المتولدة عنها أقوى، وأطول عمرًا، وأسهل في الاسترجاع!

أضف بعض الإنسانية

فلنتخيل أنك تحاول فهم التركيب الداخلي للخلية، وتحتاج إلى إدخال كل تلك المفاهيم المملة في عقلك: السيتوبلازم، السنتريول، الميتوكوندريا، أو الاسم المشجّع، جهاز جولجي.

لكن عند تشخيص هذه التفاصيل، يصبح الرسم التوضيحي الجامد حيًّا أمامك. تخيّل أن السيتوبلازم هو الإكتوبلازم الشبحي في فيلم Ghostbusters. تخيّل أن جهازًا جولجيًّا هو صديقك حارس المرمى. السنتريول هو رأس حشرة “أم أربعة وأربعين”. فجأة تدب الحياة في المشهد، ويصبح مليئًا بالشعور، وعقلك يستطيع الولوج إليه. من خلال هذه التخيلات، يمكنك فهم التراكيب الداخلية للخلية بشكل أسهل بكثير.

سواءً كنت معلمًا أو طالبًا، يمكنك تجربة هذه الأشياء بلا حاجة إلى تدريب: القاعدة الذهبية هي تفعيل الخيال، والربط بين اهتماماتك الشخصية وما تريد تذكره، وأن تختبر نفسك مرارًا وتكرارًا، لتستقر الذكريات في رأسك.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد