وجد بحث حديث أنَّه ليس هناك ما يُدعى «عقل ذكوري» أو «عقل أنثوي»، فقد خلصت الدراسة إلى أنَّ عقول الرجال والنساء خليط لا يمكن توقعه من السمات المائلة للذكورة والسمات المائلة للأنوثة. والتنوع أكثر شيوعًا من التماثل، حتى في مناطق المخ التي كان يُعتقَد سابقًا أنَّها تبرز فروقًا مبنية على الجنس.

كتب باحثو الدراسة في مجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم: «توضِّح دراستنا أنَّه على الرغم من وجود اختلافات قائمة على الجنس/النوع في بنية العقل، إلَّا أنَّ العقول لا تندرج تحت فئتين: فئة قياسية للذكور، وأخرى قياسية للإناث، ولا تصطف على جانبي متسلسلة من العقول الذكورية والعقول الأنثوية. وحتى عندما ننظر إلى المجموعة الصغيرة من السمات العقلية التي تبرز أكبر اختلافات قائمة على الجنس/النوع فقط، نجد أنَّ كل عقل هو فسيفساء فريدة من السمات، قد يكون بعضها أكثر شيوعًا لدى الإناث مقارنةً بالذكور، وقد يكون بعض آخر أكثر شيوعًا لدى الذكور مقارنةً بالإناث، وقد يكون بعض آخر شائعًا لدى كل من الإناث والذكور».

البحث الجديد هو البحث الأول الذي يفحص الاختلافات القائمة على الجنس في العقل بأكمله، وقالت عالمة النفس البيولوجي بجامعة تل أبيب دافنا جويل وزملاؤها أنَّه إذا كان العقل حقًّا ذا قسمة جنسية ثنائية، يأتي على هيئة ذكورية وأخرى أنثوية، فينبغي أن يكون هناك اختلاف ثابت بين الجنسين. لننظر إلى الطاووس، بذيله ثنائي الجنس، فالاختلاف في اللون والحجم ثابت بين الجنسين، وليست هناك مجموعة من إناث الطاووس تلوح بريش أرجواني قزحي.

من الواضح أنَّ العقول لا تتماشى مع هذا النمط، فهناك من التنوع في العقول داخل الجنس الواحد أكثر ممَّا هناك بين الجنسين، وهي حقيقة معروفة منذ وقتٍ طويل كما تقول ريبيكا جوردن يانج، أستاذة دراسات الجنسانية ونوع النساء الاجتماعي في كلية برنارد في نيويورك، ومؤلِّفة كتاب Brain Storm: The Flaws in the Science of Sex Differences الصادر عن جامعة هارفارد عام 2010. وتقول ريبيكا ⎼التي لم تشارك في الدراسة الجديدة⎼ أيضًا إنَّ العديد من علماء الأعصاب قد توصَّلوا بالفعل إلى أنَّ العقول تمتلئ بمربَّعات متباينة تمزج بين البنية المائلة للأنوثة وتلك المائلة للذكورة.

ولكن فكَّرت جويل وزملاؤها أنَّه على الرغم من هذا التنوع، قد تكون هناك متسلسلة من العقول الذكورية والعقول الأنثوية طالما أنَّ الاختلافات القائمة على النوع بين البنى ثابتة بين الرجال والنساء، فقرَّروا اختبار صحة هذه الفرضية.

فحص الباحثون أكثر من 1400 صورة رنين مغناطيسي من دراسات متعدِّدة لعقول الذكور والإناث، مُركِّزين على المناطق التي بها أكبر اختلافات قائمة على أساس النوع. في التحليل الأول، وباستخدام مسوح على عقول 169 رجل و112 امرأة، كانت نسبة 33 بالمئة منها هي الأكثر اختلافًا على أساس النوع في المادة الرمادية من 10 مناطق في المخ، وحدَّد الباحثون هذه النسبة بأنَّها «مائلة للذكورة» و«مائلة للأنوثة».

وحتى مع هذا التحديد للحصيلة «الذكورية» و«الأنثوية»، لم يجد الباحثون أدلة كثيرة على الثبات الذي يحتاجونه لإثبات ثنائية العقل. لم تكُن هناك عقول ذكورية أو أنثوية بثباتٍ دائم سوى بنسبة 6 بالمئة فقط، ممَّا يعني أنَّ هناك 10 مناطق بالمخ إما تكون مائلة للأنوثة أو مائلة للذكورة كما وجد الباحثون. ووجد تحليل آخر لأكثر من 600 عقل لأشخاص تتراوح أعمارهم بين 18 و26 عامًا أنَّ 2,4 بالمئة فقط منهم ذكور أو إناث بثبات دائم، بينما كان التنوُّع الجوهري هو السائد عند أكثر من النصف (بنسبة 52 بالمئة).

بمعنى آخر، كانت هناك مجموعة قليلة جدًا من الأفراد الذين كانت مناطق المخ لديهم مائلة للذكورة تمامًا أو مائلة للأنوثة تمامًا، ولم تكن هناك متسلسلة واضحة بين النقطتين. لكن العقول متشابكة جدًا في المادة الرمادية والمادة البيضاء وأنماط الاتصال، لدرجة أنَّ دعوة شكل معين بالذكوري أو الأنثوي لا معنى لها كما تقول جويل وزملاؤها.

وكتبوا: «توضِّح نتائجنا أنَّه حتى عندما تقتصر التحليلات على عدد قليل من مناطق المخ التي تبرز أكبر الاختلافات القائمة على الجنس/النوع، يكون الثبات الداخلي نادرًا وأقل شيوعًا من التنوُّع الجوهري (أي أن يكون العقل على أحد طرفي متسلسلة الذكورة والأنوثة في بعض العناصر، وعلى طرفها الآخر في العناصر الأخرى).

قالت لايز إيليوت، عالمة الأعصاب في جامعة روزاليند فرانكلين في شيكاغو، ومؤلِّفة كتاب Pink Brain, Blue Brain: How Small Differences Grow Into Troublesome Gaps: «يدرك كل من على وعيٍ بالبيانات الحالية عن الاختلافات الجنسية في المخ أنَّه ليس هناك ما يُدعَى بالعقل الأنثوي أو العقل الذكوري الموحَّد، تمامًا كما ليس هناك ما يُدعى بالقلب الأنثوي والقلب الذكوري».

قالت لايز ⎼والتي لم تشارك في الدراسة الحديثة⎼ إنَّ البحث وسيلة مبتكرة للتدقيق في الاختلافات النوعية في المخ، وقالت لموقع لايف ساينس إنَّه بينما توجد بالفعل اختلافات إحصائية بين الأنواع الاجتماعية، توضِّح الدراسة أنَّ توزيع الصفات المائلة للذكورة والمائلة للأنوثة غير متساوٍ وغير موحَّد.

لقد وجدت دراسات سابقة بالتأكيد مساحات كبيرة من التداخل في هيكل بنى عقول الإناث وعقول الذكور، حتى عند وجود اختلافات قائمة على النوع على مستوى المجموعات.

قالت أخصائية الأشعة راجيني فيرما لموقع لايف ساينس في عام 2013 بعد العثور على اختلافات في الاتصال بين عقول الذكور والإناث: «قد يتمتَّع كل فرد بجزء رجولي وجزء نسائي داخله».

كتبت جويل وزملاؤها أنَّ النتائج متسقة مع مجموعة من الأبحاث الجديدة على السيطرة الهرمونية على نمو العقل، كان علماء الأعصاب سابقًا ينظرون إلى الهرمونات الخاصة بالجنس باعتبارها مفتاح الاختلاف الجنسي في العقل، فالتستوستيرون (يُذكِّر) العقل والإستروجين (يؤنِّثه).

برغم أنَّ التأثيرات الهرمونية هامة، إلَّا أنَّ الحقيقة أكثر تعقيدًا بكثير كما ذُكِر في مجلة Nature في عام 2011. هناك مجموعة من الأدلة المتزايدة التي تشير إلى أنَّ النمو هو عملية أخذ وعطاء بين العوامل الجينية والبيئية والوراثية اللاجينية، والتي تعمل جميعها بالتوازي مع بعضها البعض وتؤثِّر في بعضها البعض بطرقٍ معقَّدة. تتفاعل المناطق المختلفة من العقل بطرقٍ مختلفة مع التأثيرات الخاصة بجنسٍ مُحدَّد، والتي ليست قاصرة على الإستروجين والتستوستيرون. وقد تعود التأثيرات البيئية مثل الضغوط في الصغر أو قبل الولادة إلى هذه العملية بأثر رجعي وتُغيِّر ثانيةً من كيفية نمو العقل.

قد تُفسِّر كل هذه العمليات المتوازية سبب فشل الصور النمطية البسيطة عن اهتمامات الذكور والإناث وقدراتهم وذكائهم على المستوى الفردي غالبًا، فتقول جوردان يانج: «اتَّضح أنَّ فكرة الشخصية (الذكورية) أو (الأنثوية) الموحَّدة لا تصف الأشخاص الحقيقيين، فهي تصف صورًا نمطية نقارن أنفسنا والآخرين بها باستمرار، ولكن هناك من الناس مَن لا ينتمون لنوع اجتماعي معين أكثر ممَّن ندركهم».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد