هل كنت يومًا بالقرب من امرأةٍ تبدو مُتوتِّرة، أو مستاءة، أو منزعجة؟ هل فكَّرت في سؤالها عن الدورة الشهرية، أو سألتها بالفعل؟ ربما تتصوَّر أنَّه سؤالٌ بسيط، أو افتراضٌ لا ضرر فيه، لكن ذلك هو أبعد ما يكون عن الحقيقة بحسب ما ذكرته ميليسا أوتشوا، باحثة علم الاجتماع بجامعة تكساس، في مقالها المنشور على موقع «ذا كونفرزيشن» الأمريكي.

وتنصح ميليسا في تقريرها بتجنُّب هذا السؤال تحديدًا، أي سؤال المرأة عن الدورة الشهرية. وتتحدَّث في ضوء خبرتها العلمية عن الأسباب الكامنة وراء هذا السؤال، والآثار المترتبة عليه. إذ ترى أنَّه من الوقاحة، والتحيُّز الجنسي، افتراض أنَّ الأعضاء التناسلية الأنثوية تدفع المرأة للتصرف بشكلٍ غير عقلاني. علاوةً على أنَّ ذلك الافتراض يُؤجِّج الاعتقادات غير العلمية التي لطالما قيدت النساء في حياتهن أيضًا.

وأوضحت ميليسا في مقدمة المقال أنَّها تبحث في المخاطر التي تواجهها النساء يوميًا لمجرد وجودهن، وأنَّها تعلَّمت أثناء دراستها للتحيُّز الجنسي أنَّ الرجال والنساء يمكنهم المشاركة على حد سواء في زيادة عدم المساواة بين الجنسين عن غير قصد، بما في ذلك ما قد يبدو وكأنَّه محادثة صغيرة بسيطة.

Embed from Getty Images

محظورات الدورة الشهرية والهستيريا!

ترى ميليسا أنَّ أكبر المشكلات التي تتعلَّق بالسؤال عن الدورة الشهرية هي الافتراضات الخفية التي ينطوي عليها السؤال؛ إذ إنَّ الشخص الذي يرغب في معرفة السبب المنطقي وراء غضب زميله الرجل، أو ضيقه أو ارتباكه، سينسب نفس ردود الفعل عند المرأة إلى فترة الحيض.

وذكرت ميليسا أنَّ كافة النساء تعرَّضن لهذا الافتراض، بغض النظر عن إمكانية حدوث الطمث لديهن لأسبابٍ مثل: بلوغهن سن اليأس، أو كونهن عابرات جنسيًا. وترتكز هذه الازدواجية في المعايير على افتراض الدونية البيولوجية للنساء، وتقوية التحيُّز الذي يُعيدنا إلى العصور القديمة.

وتُؤكِّد ميليسا في تقريرها أنَّ النساء حُرِمن على مر العصور من المساواة في الوصول للمساحات العامة والفرص الوظيفية لسبب واحد، ألا وهو امتلاك رحم. إذ ساد افتراضٌ بأنَّ الأجهزة التناسلية الأنثوية جعلت النساء مصابات بالـ«هستيريا» إلى حدٍ يعوقهن عن الحُكم، أو التعلُّم، أو الإدلاء بإضافةٍ قيِّمة، والهستيريا وفقًا للكاتبة هي مصطلحٌ إنجليزي مُستمد من كلمة «هستيريكا hysterika» اليونانية التي تعني «الرحم». وظلت أعراض الهستيريا مرتبطة على الدوام بالمعتقدات الطبية السائدة عن التشريح البيولوجي للنساء، رغم أنَّ تلك الأعراض تغيَّرت عبر السياقات الثقافية.

وسردت ميليسا موقف الحضارات القديمة من الأمر، قائلةً: إنَّ قدماء اليونانيين اعتقدوا أنَّ النساء هستيريات لأنَّهن يملكن «رحمًا متجولًا» يتحرك داخل أجسادهن. وأشار البريطانيون إلى الأمر في العصر الفيكتوري بـ«الوهن العصبي» أو «الإغماء»، دون الالتفات إلى أنَّ النساء ارتدين مشدات خصر ضيقة زادت صعوبة عملية التنفس. واستخدم الرجال تشخيص الهستيريا لتبرير إبقاء النساء داخل المنازل، وإبعادهن عن المجال العام.

وأدَّى وسم النساء بـ«الهستيريات» إلى تعزيز الإيحاء بأنَّ أهلية النساء – أو عدم أهليتهن – تعتمد على أعضائهن التناسلية في كل العصور وغالبية الثقافات، بحسب ميليسا. وهذا يعني أنَّ الرجال أكثر عقلانيةً وجدارةً بالثقة؛ لأنَّهم لا يمرُّون بـ«الدورة الشهرية»، إلَّا في حالاتٍ نادرة.

لم يتجاوز البشر الفكرة

تفترض الأبحاث أنَّ جيل الألفية والجيل زد – من الأمريكيين الذين وُلِدوا بين عامي 1995 و2015 – هي أجيالٌ أكثر تقبُّلًا لغيرهم مقارنةً بالأجيال السابقة، وذلك بغض النظر عن توجهاتهم الجنسية وهوياتهم الجنسانية. لكن ميليسا اكتشفت أنَّ التحيُّز الجنسي ما يزال يُمثِّل مشكلةً رهيبة بين الشباب اليافعين.

وقضت ميليسا ثلاث سنوات في إجراء دراسة شملت حوالي 185 طالبًا جامعيًا من الملتحقين بجامعتين كبيرتين في منطقتين مختلفتين في البلاد. ومثَّلت النساء النسبة الأكبر من الطلاب، في حين شكَّل ذوو البشرة البيضاء نسبة ثلثي الطُلاب. وطلبت ميليسا من المشاركين، الذين تراوحت أعمارهم بين 18 و21 عامًا، تدوين أي مثالٍ أدركوه أو شهدوه أو اختبروه أو لاحظوه عن التحيُّز الجنسي على مدار ستة أسابيع. وما تزال تُحلِّل البيانات التي جمعتها لأجل أطروحتها  إلى الآن، وتنوي كذلك استخدامها في مشاريع متعددة يجري العمل عليها.

وسردت الفتيات المشاركات تجارب عديدة منها التعرض للمعاكسة، بحسب المقال، ومنحهن أعمال سكرتارية إدارية في المشاريع المتعلقة بالعلوم والتكنولوجيا والرياضيات؛ لأنَّ أقرانهن الذكور لا يعتقدون أنَّهُن ذكياتٌ بما يكفي. وذكرت 12 امرأة أنَّهُن سُئلن إن كُنَّ في دورتهن الشهرية بواسطة رجالٍ على الأغلب.

Embed from Getty Images

يتصرف الرجال بلا رقيب

استعانت ميليسا بالقصص التي جمعتها لتُثبِتَ وجهة نظرها، وبدأت بقصةٍ لفتاة أطلقت عليها اسم ستيفاني حفاظًا على خصوصيتها، وروت ستيفاني ما حدث حين كانت تدرس مع طلاب أخرين. إذ أغلقت ستيفاني حاسوبها وقالت بغضب لمجموعتها إنها بحاجة للراحة بعد أن خاب أملها أثناء تأدية واجب مادة الرياضيات؛ لأنَّها حصلت على إجابةٍ خاطئة بشكلٍ متكرر. فسألها مات، الزميل الذكر الوحيد في المجموعة، إن كانت في دورتها الشهرية.

وفي القصة الثانية، كانت مجموعة من الطلاب في طريقها إلى حيٍ مُجاور للتزلُّج، حينها قرَّر جمال مغازلة زميلته كانديك، لكن مُحاولته فشلت في جذب اهتمامها. بعدها قال جمال لامرأتين من الحضور: إنَّ سبب الرفض هو أنَّ كانديك «ربما على وشك بدء أيام دورتها الشهرية».

وذكرت ميليسا أنَّ المواقف لا تقتصر على الجامعات فقط؛ إذ تحدث قصص مماثلة في كل مكان. ووجدت أنَّ الأسئلة المُماثلة طُرِحَت في أماكن العمل، وأنَّها اختبرت الموقف شخصيًا أثناء عملها في منصب متعهدة توظيف بمجال تكنولوجيا المعلومات منذ سنوات. إذ سألها مديرها إن كانت بخير، وحين أجابته قائلةً إنَّها «بخير، متعبة فقط»، بادرها بالاستفسار إن كانت في دورتها الشهرية وهو يومئ برأسه في تعاطفٍ وتَفَهُّم.

ما المتوقع من النساء؟

وذكرت ميليسا أنَّ المعنى الضمني لهذا النوع من التحيُّز الجنسي اليومي كان واضحًا للعديد من النساء الذين تضمنتهم الدراسة، ألا وهو أنَّ المجتمع يتوقَّع منهن أن يَكُنَّ مبتهجات على الدوام، إلا في حال تدخُّل الطبيعة وحدوث العكس.

وتقول آشلي، إحدى المشاركات في الدراسة، ساخرةً: «كلما كان مزاج المرأة سيئًا؛ تكون الدورة الشهرية هي السبب دائمًا. أما في كل الأوقات الأخرى، فيجب علينا أن نكون في أفضل مزاج، ومبتسمات، وسعيدات دائمًا».

ولا يقتصر فرض هذه القاعدة الاجتماعية على الرجال فقط؛ إذ تُشير ميليسا إلى أنَّ اثنتين من النساء في دراستها ذكرن تعرُّضهن لنفس السؤال على لسان نساءٍ أخريات، وأنَّهن شعرن بالإساءة بنفس قدر شعورهن بها عند استقبال السؤال من الرجال. لكن أبدين اعتراضهن على الفور، وأوضحن أنَّ هذا السؤال يُعبِّر عن التحيُّز الجنسي في هذه الحالة، على عكس ما يقمن به عادةً.

فجوةٌ كبيرة

ربما يختلف معنى كلمة هستيريا الآن عن السابق، بحسب ميليسا. لكن فكرة أنَّ النساء لسن مؤهلات، أو بارعات في الرياضيات، والهندسة، والمجالات التي يُهيمن عليها الذكور، ما تزال قائمة. وتُلقي القناعات الشائعة المُتحيِّزة جنسيًا اللوم في مسألة تدني مكانة المرأة وسط هذه العلوم على الاختلافات البيولوجية بين الجنسين. وترى ميليسا أنَّ ذلك التحيُّز يعوق النساء في مسارات وظيفية عديدة، بما في ذلك السياسة والقانون، ويُساهم في توسيع الفجوة بين الأجور التي يتلقاها الرجال والنساء مقابل العمل نفسه.

ولذا تنصح ميليسا – في ختام مقالها – بعدم سؤال المرأة: «هل حان موعد دورتك الشهرية؟» وذلك إن كنت لا تؤمن بدونية النساء، أو أنَّهن لا يستطعن التصرُّف بعقلانية.

«الجارديان»: جنس وسلطة واضطهاد.. لماذا ترتدي النساء الكعب العالي؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد