كتبت إيزوبل يونج، وهي صحافية بريطانية غطت العديد من القضايا العالمية مثل الصراعات، والإرهاب، والاعتقال الجماعي، والإبادة الجماعية، تقريرا في صحافية «الجارديان» حول ما يتعرض له أصحاب الأمراض العقلية في اليمن، الذين يعانون الأمرَّين من جراء الحرب ونقص الأطباء علاوة على تلاشي التمويل من المنظمات الدولية والوصمة المجتمعية التي تلاحق المرض العقلي.

تستهل الكاتبة تقريرها باستعراض حالة مريض يدعى رضوان علي حسن، يعيش مع والدته في منزل صغير يقع أعلى قرية يمنية هادئة تسمى العقيقة، على مشارف مدينة تعز. من داخل غرفته ذات الجدران العارية، يسمع الشاب البالغ من العمر 35 عامًا صوتًا بعيدًا يصدح من عربة الآيس كريم. يرى أطفالًا يركضون إلى جانب نافذته ويشتم رائحة الماعز، لكنه لا يتذكر آخر مرة سار فيها خارج المنزل.

دولي

منذ شهر
مترجم: بايدن يريد إنهاء الحرب في اليمن.. لكن لهذه الأسباب قد يشعل حروبًا أخرى

يجلس في غرفته مكبلًا بأصفاد معدنية سميكة حول كاحليه، مربوطة بسلسلة ثقيلة مثبتة في الجدار البعيد. وهي تصدر قعقعة بينما يسير حسن في غرفته، يتنقل من جانب إلى آخر ويبتسم ابتسامة بلا معنى، وحدقتا عينيه واسعتان، وحركاته بطيئة.

تقول أمه: «أجبرناه على ارتداء الملابس اليوم. لكنه عادة ما يكون عاريًا، ويكتفي بالنوم هنا. أحيانًا يغضب مني كثيرًا. لا يريد أن يرى وجهي عندما يكون في حالة سيئة. لذلك أترك طعامه عند الباب دون أن أدخل».

تشير الكاتبة إلى أن الأسرة لا تعرف سبب حالته، أو المرض الذي يعاني منه؛ إذ لم تشخص حالته مطلقًا. فتكلفة النقل ورسوم الاستشارة لزيارة أقرب طبيب نفسي ليست من الخيارات التي يمكن تحمل تكلفتها المالية.

أدت حرب اليمن المستمرة منذ ست سنوات إلى ارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية، وتركت عائلات مثل عائلة رضوان في فقر مدقع. إنهم ينفقون كل ما لديهم لدرء الجوع أو دفع ثمن الأدوية المهدئة لرضوان، والتي تسيطر على أعنف نوباته.

بعد أشهر من وعد الرئيس جو بايدن بإنهاء الدعم الأمريكي لحرب اليمن، واصلت أسوأ أزمة إنسانية في العالم التدهور. وتسبب الصراع الذي يغذيه التنافس السعودي الإيراني المرير، في جعل ثلثي البلاد يعتمد على المساعدات من أجل البقاء.

Embed from Getty Images

ومن المتوقع أن يعاني أكثر من مليوني طفل من الجوع أو الموت جوعًا هذا العام. ومع تصعيد الحوثيين هجومهم على مدينة مأرب، اقتُلِع عشرات الآلاف من منازلهم في الأشهر القليلة الماضية وحدها.

خُمس من يعيشون في مناطق الحرب يعانون من متاعب عقلية

مع عدم وجود نهاية تلوح في الأفق، يكافح شعب بأكمله من أجل التأقلم. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، يُرجح أن خُمس من يعيشون في مناطق الحرب يعانون من بعض أنواع الاضطرابات العقلية، بما في ذلك الاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة، أو الاضطراب العقلي. وفي اليمن، حيث أدت معدلات الفقر المرتفعة إلى تفاقم الصدمات وجرى استهداف نظام الرعاية الصحية واستنزافه وإهماله، من المرجح أن يكون هذا الرقم أعلى.

البيانات محدودة، ولكن من عام 2014 إلى عام 2015 أُبلِغ عن زيادة بنسبة 40٪ في حالات الانتحار المسجلة في العاصمة اليمنية، صنعاء. وفي واحدة من الدراسات العلمية القليلة التي أجريت حول الصحة العقلية، أظهر ما يقرب من 80٪ من الأطفال الذين شملهم الاستطلاع في عام 2018 أعراض اضطراب ما بعد الصدمة.

ممرضتان لـ143 مريضًا

في مستشفى تعز للصحة العقلية، وهو واحد من أربعة مرافق عامة للأمراض النفسية في البلاد، لا يعد وضع المرضى مختلفًا كثيرًا عما لو كانوا في المنزل. هناك ممرضتان فقط مسؤولتان عن 143 مريضًا داخليًا يعانون من أمراض شديدة. يقيد عديد منهم بالأصفاد لمنعهم من الهروب، وجميعهم تقريبًا تحت تأثير التخدير الشديد، يتجولون في الممرات، يغلف وعيهم الضباب.

يتابع التقرير: بدا العديد من المرضى الذكور في حيرة من أمرهم عند رؤية زائر يدخل من البوابات المعدنية مزدوجة المزاليج ويمضي إلى الفناء الرئيس للمستشفى. ملابسهم الرياضية الرمادية تفوح منها رائحة البول. رأى رجل نحيف في الثلاثينيات والده يقتل بالرصاص أمامه ولم يكد ينطق كلمة واحدة منذ ذلك الحين.

تحكي الكاتبة عن حالة مريض آخر في منتصف العشرينات من عمره جاء يجر قدميه ليطلب سيجارة. برزت يده بزاوية 90 درجة وهو يتناول السيجارة، قبل أن ينهار مرة أخرى على الأرض المغبرة، وابتسامة على وجهه.

يقول الدكتور عادل ملهي، الموجود في المستشفى منذ عام 2003 وهو الآن مديرها: إن مريضه أصيب برصاصة في ذراعه قبل خمس سنوات، لكن عندما لم يتمكن والداه من تحمل تكاليف العلاج الذي يحتاجه انزلق تدريجيًا إلى اكتئاب عميق. جاءوا به إلى المستشفى منذ عام ولم ير عائلته منذ ذلك الحين.

Embed from Getty Images

يقول ملهي: «بالنسبة للكثير من الناس، فإن وصمة العار تتحكم في مصائرهم. إذا لم تكن صحيحًا من الناحية العقلية، فسيشعر الناس أنك ضعيف، أو أنك لست متدينًا بما يكفي، أو أنك ممسوس من الشيطان. مجتمعنا لا يؤمن (بأننا) يمكن أن نكون مصابين بمرض عقلي».

العامل الثقافي وضغوط الحرب

يعتقد ملهي أن هذا العامل الثقافي، جنبًا إلى جنب مع ضغوط الحرب الشديدة، هو السبب وراء انتهاء المطاف بالعديد من أفراد الأسرة إلى حبس أحبائهم، أو إحضارهم إلى المركز. ويضيف: «إنهم يريدون فقط التخلص منهم. إنه أمر محزن للغاية».

يعرف ملي كل مرضاه بالاسم ويربت على رؤوسهم بمودة، ويوزع كلمات التشجيع وهو يمر بغرفهم. أصبح أخصائيو الطب النفسي مثل ملهي أكثر ندرة، إذ غادر الكثير منهم إلى بيئات أقل توترًا وأكثر أمانًا. لم يزل حوالي 40 طبيبًا في اليمن اليوم لخدمة عدد سكان يبلغ 30 مليون نسمة.

أما النساء فغالبًا ما يحرمن من العلاج في ظل تجاهل معاناتهن النفسية تمامًا. يسعى الكثيرون للحصول على آراء غير مؤهلة، أو يجربون أي علاج غير مثبت يمكنهم العثور عليه. قال العديد من القرويين في العقيقة: إنهم دفعوا آلاف الريالات اليمنية لعلاج أفراد الأسرة المصابين بأمراض نفسية بالصدمات الكهربائية، لكنهم اكتشفوا أن حالتهم ساءت أكثر.

بالنسبة للمهنيين الذين يواصلون تقديم خدماتهم، تعد الموارد شحيحة. إذ يعتمد المركز الذي يديره ملهي بالكامل على التمويل الحكومي، وهو ما يكفي بالكاد لربع الأدوية اللازمة لعلاج مرضاه. حتى ديسمبر (كانون الأول) 2019، كان المستشفى يتلقى مساعدات مالية من «صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)»، وهو أحد الوكالات الدولية القليلة التي تعطي الأولوية للرعاية الصحية النفسية في اليمن. لكن انخفاض تمويل الصندوق أجبره على سحب الدعم.

تراجع التبرعات الدولية ونقص التمويل

في السنوات الأخيرة تراجعت التبرعات الدولية لليمن كثيرا. في مارس (آذار) أوردت الأمم المتحدة «نتيجة مخيبة للآمال» لمؤتمر التعهدات السنوي لمانحي المساعدات. كانت المملكة المتحدة من بين أكثر من 100 حكومة ومانح خفضوا مساهماتهم، ليتركوا صندوق اليمن بحوالي نصف المستهدف البالغ 3.85 مليار دولار (2.7 مليار جنيه إسترليني)، أي أقل بأكثر من مليار دولار مما جرى التعهد به في عام 2019. ويوفر كوفيد-19 للمانحين ذريعة معقولة لقطع مساهماتهم، إلى جانب مزاعم الفساد في صناعة المساعدات نفسها.

Embed from Getty Images

في العام الماضي أغلق صندوق الأمم المتحدة للسكان 80 منشأة رعاية صحية من أصل 180، كان بعضها يقدم خدمات نفسية اجتماعية لمجمل سكان اليمن. هذا العام بعد أن وصلت إلى 13٪ فقط من ميزانيته الضرورية، يتوقع الصندوق إغلاق المزيد من المنشآت.

تقول وكيلة وزارة الصحة اليمنية، الدكتورة إشراق السبيعي: «لم تكن الصحة النفسية أحد اهتماماتنا الرئيسة، ولم تزل كذلك». وأقرت بأن جميع البرامج والمبادرات لمعالجة مشاكل الصحة العقلية متوقفة.

إهمال الصحة العقلية

تقول الدكتورة إشراق: «تركز جهودنا على إعادة بناء المستشفيات وعلاج جرحى الحرب والتعامل مع الرعاية الصحية الإنجابية. لكن مع الوضع الحالي للاقتصاد وتفشي كوفيد-19، لا نستطيع التعامل مع الأمر. تعاني الصحة العقلية من إهمال كامل».

بالنسبة للعاملين في مركز تعز، فإن فكرة إعادة تأهيل مرضاهم، بدلًا عن تقييدهم، هي فكرة موضع استهزاء. يقول ملهي: «بالطبع لا أحد هنا يحصل على ما يحتاج إليه. لكن الوضع الآن ليس آمنًا بالنسبة لنا، ناهيك عن أن يكون آمنا بالنسبة للمرضى العقليين. كل ما يمكننا فعله هو احتواؤهم».

ويضيف: «هذه مجرد شرارة. لم يأت البرق بعد. مثلما ذهب الجنود الأمريكيون إلى فيتنام وما زالوا يعانون الآن. هذه الحرب، هذا العبء العقلي، هذه المأساة ستصبغ المرض العقلي في المستقبل بصبغةٍ أخشى أننا لن نتمكن من مواجهتها. وآمل إن شاء الله ألا أكون على قيد الحياة عندما يأتي ذلك الوقت. أتمنى أن أكون قد دفنت بحلول ذلك الوقت».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد