في ظل الأزمات المتتابعة التي يثيرها البيت الأبيض في الولايات المتحدة، وخلافاته المستمرة مع مع بعض أعضاء إدارته ومع الكونجرس الذي يغلب عليه الديمقراطيون، يخرج البعض لوصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ«الأحمق»، ويتمادى البعض أحيانًا ويصفه بـ«المجنون».

لكن هل يمكن بالفعل تشخيص رئيسٍ أمريكي بينما يتولى منصبه بالاعتلال العقلي؟ وهل يمكن عزله بعدها لعجزه عن الوفاء بمهامه؟

في مقالهما بموقع «ذي كونفرزيشن» استخدم جون روجان، أستاذ القانون الزائر بجامعة فوردهام، وجوزيف فينز، أستاذ الطب وأخلاقياته في جامعة كورنيل، رواية «ليل كامب ديفيد (Night of Camp David)» لمناقشة تلك المسألة.

هل ترامب مريض نفسي؟ علم النفس يجيبك

أشار روجان وفينز إلى أنَّه عقب اغتيال الرئيس الأمريكي السابق جون كينيدي، اجتمع أعضاء الكونجرس لتحديث إجراءات التعامل مع الرئيس في حالة عجزه عن أداء مهامه. ثم أدركوا أنَّ بعض المواقف تشكل تحديًا أكبر من الباقية.

وحينها سلط العالم السياسي الشهير ريتشارد نيوستاد الضوء على واحدٍ من أكثر هذه المواقف شؤمًا حين أدلى بشهادته أمام مجلس الشيوخ. إذ حذر قائلًا: «الدستور لا يستطيع حمايتك من الرجال المجانين. هذه مسؤولية من يتصدرون المشهد حينها».

وبحسب المقال، كُللت جهود الكونجرس بتعديل الدستور الخامس والعشرين، والذي أدخل تحسيناتٍ ضرورية على المواد الأساسية التي توضح من يخلف الرئيس في منصبه بعد عزله في حالة عجزه عن أداء مهامه. لكنَ رواية «ليل كامب ديفيد»، التي صدرت عام 1965، في نفس العام الذي أقر فيه الكونجرس التعديل، هي في رأي الكُتاب حجة قوية على أنَّ رؤية نيوستاد للموقف كانت صائبةً.

والسبب هو أنَّ الرواية التي ألفها الصحافي المخضرم فليتشر كنيبيل، والتي أعيد نشرها حديثًا، تُبرز في رأي الكاتبين التحديات الرهيبة التي تطرأ حين يكون القائد الأعلى للقوات المسلحة معتلًا عقليًا، وغير مستعد للاعتراف بذلك.

المرونة جزء مهم من التعديل الخامس والعشرين

بحسب المقال، تتبع الرواية شخصية السيناتور ماكفاي، الذي يستنتج أنَّ الرئيس المختل مارك هولين باك «مجنون» بعد أن شهد مكيدته التي يدبرها ليُسيء استخدام سلطاته القانونية ويقيم حكومةً عالمية.

يصل وزير الدفاع سيدني كاربر إلى النتيجة نفسها، دون علم ماكفاي. ويبدي رأيه إذ يقول: «أدى الكونجرس أفضل ما لديه في ما يتعلق بمسألة عجز الرئيس، رغم أنَّه لا توجد آلية حقيقية للكشف عن الاضطراب العقلي».

بالنسبة للكُتاب، أراد من صاغوا التعديل الخامس والعشرين أن يغطي القانون حالات الاضطراب النفسي عند الرؤساء، فالنائب ريتشارد بوف، أحد النواب الرئيسين في جهود صياغة التعديل، تصوَّر رئيسًا يعجز عن «اتخاذ أي قرارٍ منطقي». لكنَّ مصطلح «العجز» الموجود في نص التعديل تُرك دون توضيحٍ ليوفر المرونة.

ويتابع الكاتبان بأنَّ التعديل الخامس والعشرين صعب الاستخدام عمدًا، وبه عددٌ من العقبات الإجرائية التي تهدف إلى منع الاعتداء على السلطات الرئاسية. إذ يجب أن يُصدِّق ثلثا مجلس الشيوخ والنواب على رأي نائب الرئيس والإدارة حين يختلف معهم الرئيس في ما يتعلق بكونه عاجزًا عن أداء مهامه. وإلا يعود الرئيس إلى منصبه.

يعتقد البعض أنَّ هذه الإجراءات تخلق تحدياتها الخاصة. إذ يفسر كاس سانستين، أستاذ القانون بجامعة هارفارد، وجهة النظر هذه في كتابه «العزل: دليل المواطن Impeachment: A Citizen’s Guide» قائلًا: «الخطر الحقيقي ليس أن يُستدعى التعديل الخامس والعشرين في حين لا يجب تنفيذه، بل إنَّه لن ينفذ عندما يجب ذلك».

ويتضاعف هذا الخطر بحسب الكاتبان حين يُحتمل أن يكون الرئيس معتل نفسيًا. ذلك أنَّ التقييم النفسي وصفي، ولا تدعمه أدلةٌ حاسمة مثل بقية تخصصات الطب. وفي الرواية لا تشير تقارير طبيب الرئيس إلى أية مرض عقلي، والسبب هو أنَّ الأمراض النفسية يمكن أن تخضع للتلاعب الواعي.

وبصفته سياسيًا بارعًا، كان الرئيس هولين باك – بحسب الرواية – يعرف كيف يُخفي اعتلاله. ففي الوقت الذي يبدو فيه مصابًا بجنون العظمة بوضوح في معتزله بأسبن لودج في منتجع كامب ديفيد حين يشارك ماكفاي أوهامه، يظهر عاقلًا تمامًا كما يليق بالرئيس في المناسبات العامة.

ويرى الكاتبان أنَّ هناك تاريخًا طويلًا من الرؤساء الذين نجحوا في إخفاء أمراضهم عن العامة، منهم ليندون جونسون وريتشارد نيكسون، الذين تجلى جنون العظمة فيهما في المقابلات الخاصة.

ما الذي يمكن أن يساهم به الطب النفسي

ما يزيد تعقيد مسألة التقييم النفسي في رأي الكاتبين هو أنَّ طبيعة التشخيص النفسي غير الموضوعية تسمح بوقوع الأطباء في الانحيازات السياسية حين يُطلب منهم تشخيص رئيس.

ويشير روجان وفينز أيضًا إلى قاعدة «جولدووتر» التي أقرتها الجمعية الأمريكية للطب النفسي، والتي تحظر صراحةً على الأطباء الذين لم يفحصوا الرئيس مباشرةً أن يحللوا شخصيته دون مقابلته. وعليه، فالطبيب الذي ستُتاح له الفرصة ستُقيده بالضرورة، وبالقدر نفسه، قاعدة سرية معلومات المريض. ما يخلق مأزقًا أخلاقيًا لا يمكن الفكاك منه.

لكن تتجنب باندي إكس لي، الطبيبة النفسية بجامعة ييل، وزملاؤها في كتاب «الحالة الخطرة لدونالد ترامب The Dangerous Case of Donald Trump» هذا الحظر، ويشعرون أنَّ مشاركة رأيهم المهني واجبٌ أخلاقي، يضع على عاتقهم مسؤولية التحذير من الوضع الحالي. ويقول روجان إنَّه بينما لا يمكن تشخيص حالة شخصٍ ما عن بعد، ولا يجوز خرق قاعدة الثقة، لكنَّ الأطباء النفسيين تقع عليهم مسؤولية غير ملزمة تقتضي منهم مشاركة معارفهم المتخصصة.

وفي رأي الكاتبين، هذا ضروري بالأخص عند مناقشة الحالات النفسية، التي ربما يكون من الصعب فهمها. وهدف متخصصي الصحة العقلية في رأيهما ليس تشخيص المرضى عن بُعد، بل تثقيف المواطنين بهذه الحالات لنشر الديمقراطية التداولية.

وهناك أيضًا تحيز مستشاري الرؤساء وحلفائهم، إذ ربما يعميهم ولاؤهم عن قصور الرئيس، ويدفعهم لحماية رئيسٍ عاجز عن تولي منصبه.

وهناك عائق سياسي في رأي الكاتبين أيضًا، يعوق دون الإقرار بانعدام أهلية الرئيس. ذلك أنَّ أعضاء الإدارة في النهاية يعملون وفقًا لإرادته. وفوق هذا، مجرد تخيُّل أنَّ هناك رجلًا مجنونًا في البيت الأبيض في العصر النووي أمر مخيف، لذا يميل الجميع لغض الطرف عن المسألة.

لكنَّ هؤلاء المسؤولين الذين يتجنبون تحدِّي السلطة الرئاسية مباشرةً ربما يلجأون إلى استراتيجيةٍ أخرى لتقليل ضرر بقاء الرئيس في منصبه. وهذا هو الحل البديل الذي لجأ له كاربر، وزير الدفاع في رواية «ليل كامب ديفيد».

فبدلًا عن إقناع حلفاء الرئيس بمخاوفه، واستدعاء المواد الدستورية لتنحية الرئيس، يعقد كاربر وحدة مهام شديدة السرية لفرض بعض الضوابط على سلطة الرئيس في استخدام الأسلحة النووية. وهذه الإجراءات التي اتخذها كاربر للحد من سلطات الرئيس الفردية لا تقتصر على الرواية فحسب، إذ يقول الكاتبان: «إنَّ لها نظيرًا في الحياة الحقيقة».

يستشهد الكاتبان بما فعله جيمس شليسنجر، وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، أثناء اضطرابات الرئيس نيكسون العاطفية في أزمة «ووترجيت». إذ أمر الجيش بالرجوع إليه أو إلى وزير الخارجية قبل تنفيذ أوامر نيكسون بإطلاق الأسلحة النووية. أما حديثًا، فيشيرا إلى ما تردد بين مسؤولي البيت الأبيض بأنَّ وزير الدفاع السابق جيمس ماتيس سعى إلى تثبيط اندفاعات الرئيس ترامب.

أما في الرواية، اتخذ السيناتور ماكفاي الخيالي  طريقًا مغايرًا، ومحفوفًا بالمخاطر. إذ سعى إلى عزل الرئيس، وتعرض للانتقام نتيجةً لذلك. رآه كبار المسؤولين رجلًا مخبولًا، وأمروا بإيداعه في مصحةٍ نفسية. وبدلًا عن القلق بخصوص الرئيس العاجز، عاقبت نخبة واشنطن السياسية السيناتور الشاب.

ويعتقد الكاتبان أنَّه هذا يوضح استحالة عكس نتيجة العملية الانتخابية، ومعارضة السلطة الراسخة، حتى لو كان الشخص يحاول – للمفارقة – الحفاظ على الجمهورية.

لكنَّهما يشيران إلى أنَّ مصير الأمة يبدأ في التحول في رواية «ليل كامب ديفيد» حين يعمل ماكفاي وكاربر سويًا ويتشاركا المعلومات. وبهذا يمكن للمسؤولين تخطي هذه العقبات، بالتوحد وإدراك هدفهم المشترك.

وفي الواقع، لم يستقل نيكسون إلا باتحاد مجموعة من كبار المشرعين الجمهوريين بقيادة عضو مجلس الشيوخ الأسبق باري جولدووتر – الذي سُمِّيَت «قاعدة جولدووتر» على اسمه – ومواجهتهم للرئيس أثناء فضيحة ووترجيت.

توقعاتهما لمستقبل الرئيس الأمريكي

الأحداث الدرامية الحالية في البيت الأبيض ما زالت تتشكل بحسب الكاتبين، لكنَّ الوضع يزداد تعقيدًا. إذ تشكك تغريدات قلقة حديثة في أهلية الرئيس، وتتضمن هذه تغريدات من أعضاء بارزين في حزب ترامب.

ويرى روجان وفينز أنَّه لم يتضح بعد ما إن كانت هذه الإشارات هي المعادل الواقعي لما فعله ماكفاي وكاربر في الرواية. ويشيران إلى أنَّه في تلك الدراما الأمريكية، الأمريكيون ليسوا مجرد قراء، بل شخصياتٌ تشارك في الأحداث.

يعود الكاتبان مجددًا إلى ريتشارد نيوستاد، ويعتقدان أنَّه كان محقًا في رأيه، وأنَّه على أصحاب السلطة ممن يتصدرون المشهد الاستعداد لوضع مشاكل الأمة قبل مشاكلهم. فالدساتير لا يمكنها الوقوف أمام رجلٍ مجنون كما حذَّر، لأنَّها تخلق قواعد وأنظمة قانونية تصبح قويةً فقط بقدر قوة الأشخاص المنوطين بحمايتها.

ويختمان مقالها موضحين أنَّه سواءٌ الرئيس، أو من يؤيدون التدخل لعزله، فكلهم عُرضة للضعف الإنساني، والشجاعة، والجبن، والعظمة، والتعقل. وعندما تسو الأمور، سواءٌ في كامب ديفيد أو في أيٍ من مقرات السلطة الأخرى، لا يبقى للأمة إلا الاعتماد على نزاهة وبصيرة قادتها ومواطنيها.

«النار والغضب»: تلخيص شامل للكتاب الذي قد يطيح بترامب

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s