بعد تسميم أليكسي نافالني، بات وقف العمل بخط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2» المثير للجدل بمثابة «الخيار النووي» لألمانيا ضد روسيا.

نشرت شبكة «بلومبرج» الإخبارية الأمريكية مقالًا، أشارت فيه إلى تداعيات قضية تسميم زعيم المعارضة الروسية، أليكسي نافالني، على موقف ألمانيا من استمرار العمل بخط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2»، الذي شارفَ بناؤه على الانتهاء، والذي من المفترض أن ينقل الغاز الروسي إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق.

دولي

منذ 4 أسابيع
مترجم: الكرملين متهم بتسميمه.. من هو أليكسي نافالني ولماذا يُمثل تهديدًا لبوتين؟ 

وفي مستهل مقاله، ذكر الكاتب الصحفي أندرياس كلوث – الذي عمل سابقًا رئيسًا لتحرير صحيفة «هاندلبلات جلوبال» الألمانية وكاتبًا بمجلة «الإيكونوميست» البريطانية – أن السياسيين البارزين في ألمانيا يشعرون، مثلهم مثل معظم الناس خارج الكرملين، بالغضب حيال حادثة تسميم أليكسي نافالني، الذي يُعالج حاليًا في عيادة في برلين، والذي أفاقَ للتو من الغيبوبة. ورغم أن هؤلاء السياسيين شعروا بالغضب عددًا لا يحصى من المرات من قبل بسبب تصرفات روسيا في عهد الرئيس فلاديمير بوتين، فإن سخطهم لم يصل إلى هذا الحد من قبل؛ إذ إن الأمر مختلف هذه المرة.

وأشار الكاتب إلى أن نوربرت رويتجن – رئيس لجنة السياسة الخارجية في البرلمان الاتحادي الألماني (البوندستاج)، وأحد المرشحين الثلاثة لخلافة المستشارة أنجيلا ميركل في زعامة الحزب الديمقراطي المسيحي المنتمي ليمين الوسط – يعتقد أنه يتعين على ألمانيا وأوروبا التحدث مع بوتين بلغة يفهمها الزعيم الروسي؛ الغاز، وعلى وجه التحديد، يريد رويتجن وقْف بناء خط الأنابيب الذي يمتد من روسيا إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق، والذي انتهى بناء 94% منه بالفعل، وهو ما تتفق معه مجموعة متزايدة من الأصوات في ألمانيا.

والواقع أن هذا المشروع – الذي يُطلق عليه اسم «نورد ستريم 2»؛ لأنه يمتد مباشرةً إلى جانب خط أنابيب آخر قائم، «نورد ستريم»، والذي تديره شركة «غازبروم» العملاقة للطاقة التي يسيطر عليها الكرملين -عُد لسنوات طويلة بمثابة كارثة جيوسياسية ودبلوماسية بالنسبة لميركل. ويعارض معظم حلفاء ألمانيا مَدَّ هذا الخط بشدة، من البولنديين وشعوب البلطيق في الشرق إلى الفرنسيين والأمريكيين في الغرب. وقد جعل ألمانيا تبدو في صورة الشريك غير الجدير بالثقة المتبلد الحس تمامًا، في الوقت الذي تحاول فيه ميركل الحفاظ على العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والعلاقات عبر المحيط الأطلسي من الانهيار.

لماذا تصر ميركل على «نورد ستريم 2»؟

وقال الكاتب إنه لا يساوره شك في أن ميركل أدركت طوال الوقت أن بناء «نورد ستريم 2» كان خطأً، ومع ذلك فقد دافعت عنه حتى الآن على الملأ. وأكدت قبل أيام فقط أن خط الأنابيب – الذي استثمر فيه عديد من الشركات الأوروبية الخاصة – يجب أن يظل منفصلًا عن قضية نافالني. ولكن لماذا؟

المصدر: بلومبرج

– مسار نورد ستريم

– مسار نورد ستريم 2

– الحدود المائية الإقليمية

– حدود المنطقة الإقليمية الخالصة

– موقع نورد ستريم 2 على اليابسة

السبب أن ميركل تحتاج إلى الحفاظ على السلام في ائتلافها الذي يضم يسار الوسط والديمقراطيين الاجتماعيين الموالين لروسيا عمومًا، والذين دائمًا ما عَدُّوا «نورد ستريم 2» بمثابة طفلهم المُدلل. وقال الكاتب إن أكثرهم وقاحة هو جيرهارد شرودر، صديق بوتين، الذي كان سلف ميركل في منصب المستشار، والذي يشغل حاليًا منصب رئيس مجلس إدارة شركة نورد ستريم التابعة لشركة «غازبروم» وشركة «روسنفت أويل»، عملاق الطاقة الروسي الآخر. وأضاف أنه حتى قادة الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني – حزب شرودر – الحاليين واصلوا دعمهم لإنشاء خط الأنابيب.

أمريكا تصعِّب الموقف على ميركل

وقد صعَّبت الولايات المتحدة من هذا المأزق الداخلي المفروض على ميركل؛ إذ يواصل الرئيس دونالد ترامب انتقاده لها لأنها جعلت ألمانيا «أسيرة» لروسيا، وهو ما عَدَّه كاتب المقال مبالغة. كما ينظم ثلاثة من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، من بينهم تيد كروز، حملة لفرض عقوبات على ميناء ألماني يساعد على استكمال العمل بمشروع «نورد ستريم 2»، ومن المصادفات أن هذا الميناء يقع في دائرة ميركل الانتخابية.

وكما كان متوقعًا، أثار هذا الأمر كل دوافع اليساريين والألمان الشرقيين المُناهِضَة لأمريكا، وتعالت الصيحات الرافضة «للابتزاز» من جميع الأطياف السياسية. ولا يمكن أن ينُظر إلى ميركل على أنها ترضخ لهذا الضغط الأمريكي. ولو لم يكن شيء آخر قد حدث، لكانت ميركل أقل استعدادًا من أي وقت مضى لإخفاء خط الأنابيب هذا من الوجود.

غير أن شيئًا ما حدث: أكدت المختبرات العسكرية الألمانية أن نافالني تعرض بالفعل لهجوم بـ«نوفيتشوك»، غاز الأعصاب الذي طُوِّر في الاتحاد السوفيتي، واسُتخدِم من قبل ضد أعداء الكرملين وحظرته منظمة حظر الأسلحة الكيماوية. وفي غضون ذلك، يمارس الكرملين – بتوجيه من بوتين – اللعبة نفسها التي يلعبها دائمًا: يخلق روايات وهمية مضادة للتشويش وصرف الانتباه. والفكرة هي استعراض القوة الغاشمة التي تسمح لبوتين بتغيير الحقيقة والإفلات من العقاب.

يجب أن تغتنم ميركل الفرصة في اللحظة المناسبة

لكن الأزمة هذه المرة أكبر من الاحتمال بالنسبة لبعض أعضاء الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني، ومنهم وزير خارجية البلاد، هيكو ماس، الذي قال لإحدى الصحف الألمانية إنه يأمل «ألا يدفعنا الروس لتغيير موقفنا» من «نورد ستريم 2». وقد أفصحتْ ميركل أنها تعتقد أيضًا أنه «من الخطأ استبعاد» حدوث تغيير في السياسة الخاصة بخط الأنابيب. ولاحظ هنا التغيير الدقيق.

Embed from Getty Images

ويتذكر أولئك الذين راقبوها طيلة الأعوام الخمسة عشرة التي قضتها في المنصب أحد المنعطفات الأخرى البارزة: مدَّدت ميركل في البداية – وتماشيًا مع سياسة حزبها في ذلك الوقت – عُمْر محطات الطاقة النووية في ألمانيا، إلا أنها كانت تعرف أن الأغلبية الساحقة من الشعب الألماني تعارض الطاقة النووية. ثم تسبب التسونامي الذي ضرب اليابان في ثلاثة انهيارات نووية في فوكوشيما عام 2011م، وهنا أدركت ميركل أن الفرصة سنحت لها لتغيير الاتجاه. وبدلًا من إطالة أمد الاعتماد على الطاقة النووية، بدأت ألمانيا في التخلي عنها تمامًا.

وأوضح كلوث أنها قد تنظر إلى الجريمة المُرتَكبة ضد نافالني بالطريقة نفسها التي نظرت بها إلى حادثة فوكوشيما؛ فالحجة الجيوسياسية لإيقاف «نورد ستريم 2» أصبحت أقوى من ذي قبل، تمامًا مثلما باتت الحجة الاقتصادية لإنشائه أضعف من أي وقت مضى. لذا، فإن ميركل تستطيع – بل يجب عليها – اغتنام هذه اللحظة وإنهاء العمل بهذا الخط خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة.

واختتم الكاتب مقاله بالقول إن إنهاء العمل بخط الغاز يجب أن يكون جزءًا من قرار مشترك يتخذه الاتحاد الأوروبي بالتنسيق مع الحلفاء الآخرين في حلف الناتو. وعلى سبيل التغيير، يُمكن لترامب أن يُساعد في ذلك عن طريق الصمت لفترة مؤقتة. وفي غضون ذلك، ما يزال أمام بوتين فرصة لإنقاذ خط الأنابيب من خلال البدء في التعاون بصدق في التحقيق الخاص بهجوم «نوفيتشوك» على نافالني. ولكن ما مدى احتمال أن يحدث ذلك فعلًا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد