في أعقاب انتخاب «دونالد ترامب» رئيسًا للولايات المتحدة للسنوات الأربع القادمة، وصعود اليمين المتطرف في فرنسا وألمانيا والمجر وعدة بلدان أوروبية، وتعرض الأقليات هناك للاعتداءات، ثارت مخاوف لدى العديد من الأوساط من تراجع قيم العدالة والتسامح في تلك البلدان. وفي ضوء ذلك، يرى البعض أن المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل» باتت آخر قلاع الدفاع عن قيم التحرر الغربية، وأنها قائدة العالم الحر، أمام موجة صعود اليمين المتطرف، وذلك بعد إعلانها الترشح لفترة ولاية رابعة، وفق ما تذكر «جودي دمبسي» من معهد كارنيجي.

ما حدا بالبعض إلى الاعتقاد بذلك، هو ما صرحت به في تهنئتها المقتضبة للرئيس الأمريكي المنتخب، حين قالت «أتطلع للتعاون معه على أساس الحفاظ على مبادئ الديمقراطية والحرية واحترام حقوق الأفراد، بصرف النظر عن لونهم ودينهم وعرقهم وجنسهم». ويبدو أن تركيزها على تلك القضايا له ما يبرره؛ إذ لم يترك الرجل قيمة واحدة لدى الغرب، إلا وهاجمها وسخر منها.

ولعل أصحاب تلك النظرية محقون في وجهة نظرهم؛ فبعد عقود طويلة من التبعية للولايات المتحدة، باتت ألمانيا تتحمل مسئوليات كزعيمة لأوروبا؛ فالدولة صاحبة الاقتصاد الأكبر تنفق المزيد الآن لدعم الناتو. وتنخرط بفعالية في الحرب ضد «تنظيم الدولة» (داعش) بتدريبها للبيشمركة الكردية، وهي تحاول باستمرار حل مشكلات الشرق الأوسط وإفريقيا، إثر استضافتها قرابة 800 ألف لاجئ فار من جحيم الصراعات في تلك المنطقة، وفق تقديرات معهد بروكنجز للدراسات.

ولكن آخرين يرون أن الحال لم يعد في أوروبا كما كان عليه منذ وصولها سدة الحكم قبل 11 عامًا، وأن مهمة ميركل باتت شبه مستحيلة؛ إذ تتعرض قيم التكافل والانفتاح على الآخر إلى هجمة من القوميين، وباتت الرجعية ظاهرة منتشرة؛ مما سيعيق أوروبا عامة، وألمانيا خاصة عن التعامل مع الزلزال السياسي الذي ضرب أمريكا.

يمثّل انتخاب ترامب تقويضًا لنظام الاقتصاد الحر السائد منذ عقود في الغرب ويؤكد تخلي الدول الغربية عن قيمها. ولا يخفى أن هذا التغير قد حظي بترحيب من المستبدين، من أمثال «بوتين». فالعلاقة بين ضفتي الأطلسي هشة جدًا، وستنهار مع وصول ترامب إلى السلطة. لذا فإن استمرار التعاون مع الولايات المتحدة أصبح محل تشكيك كبير.

ولهذا كان اتخاذ قرار الترشح صعبًا؛ فعلى الرغم من أن فوزها بالمنصب ربما يكون سهلًا، إلا أن التحديات التي ستواجهها كمستشارة لألمانيا عظيمة. ينظر الكثيرون إلى ميركل على أنها حامية أوروبا؛ بوصف ألمانيا أكبر دولة أوروبية، والقادرة على كبح جماح القوميين والحفاظ على القيم الأوروبية.

لكن ميركل غير واثقة للغاية في قدرتها على تلبية تلك الطموحات؛ فقد صرحت في خطاب إعلانها الترشح بالقول «إن هذه الانتخابات استثنائية. نحن نجابه تحديات من كافة الاتجاهات».

تشهد ألمانيا تصاعدًا في العداء ضد المهاجرين بقيادة حزب البديل من أجل ألمانيا، الذي رحب بشدة بفوز دونالد ترامب. وبات المجتمع الألماني منقسمًا؛ بسبب سياساتها تجاه المهاجرين. وهو ما يتعين على ميركل التعامل معه سريعًا.

وبالرغم من رفضها الاستسلام أمام الحركات القومية، إلا أنها ترى أنه من السخف والحماقة الاعتقاد بأن مواجهة تلك الحركات يمكن أن تجري بدون تضافر الجهود بين مختلف دول أوروبا والعالم.

حصلت ميركل على هذه القوة بتفويض من باراك أوباما. كانت هي من تصدى لبوتين شخصيًا في أزمة استحواذ روسيا على شبه جزيرة القرم. وكانت هي من أقنعت الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على روسيا. إلا أنها الآن ستُضطر للتعامل مع رئيس أمريكي جديد معجب بـ«فلاديمير بوتين»، ويرغب في علاقات وثيقة مع موسكو.

ويعول عليها كثيرًا في الحفاظ على تماسك منطقة اليورو بعد خروج بريطانيا من الاتحاد. وهي تسعى جاهدة لحماية النظام الدولي القائم على احترام القانون.

تحظى ميركل بتأييد أغلبية الناخبين الألمان، حسبما أظهره أحدث استطلاع للرأي. فالألمان يشعرون بأنها القادرة على الحفاظ على الاستقرار في منطقة تعج بالمشاكل.

ولكن على الأرجح لن تمثل الانتخابات المقبلة في 2017 نزهة بالنسبة لميركل، حيث سيتعين عليها التصدي لمحاولات روسيا تقويض شعبيتها في الداخل، مثلما فعلت حين روجت لقصة مختلقة مفادها أن لاجئًا قد اختطف مراهقة روسية في ألمانيا؛ ما أشعل مظاهرات ضد سياستها في التعامل مع المهاجرين.

وتشهد دول مثل النمسا وإيطاليا وهولندا وفرنسا استحقاقات انتخابية، ويبدو أن القوميين يقتربون من الانتصار فيها. لذا سيتعين على ميركل التصدي لسياسات العنصرية التي بدأت تجد من يدعمها.

وفي هذا، عليها أن تعالج المظالم الحقيقية والشرعية التي تشعر بها الشعوب الأوروبية، وأن تعمل على تبديد المخاوف الخاصة باحتمالية تغيير التركيبة السكانية لأوروبا إثر تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد