ما الذي نعرفه عن التاريخ القديم لمناطق الشرق الأوسط وما الذي نجهله؟ هل تُشيَّد الحضارات فقط في البلدان والممالك الشهيرة، أم أنَّ هناك قدرًا مماثلًا من الجمال في بلدان وممالك أقل حظًا؟ يستعرض المؤرخ بيتر فرانكوبان كل النقاط السابقة في تقريرٍ بمجلة «فورين أفيرز»، من خلال التحف والمقتنيات التي اشتمل عليها معرضٌ أُقيم حديثًا في متحف المتروبوليتان للفنون.

تاريخ الشرق الأوسط القديم بعيونٍ جديدة

يستعرض فرانكوبان ما كتبه القائمون على عرضٍ مُذهل يُقام حاليًا في متحف المتروبوليتان للفنون، فقد ذكروا أنَّه «منذ بداية القرن الأول قبل الميلاد حتى منتصف القرن الثالث بعد الميلاد، وخارطة الشرق الأوسط السياسية تُحددها اثنان من القوى العظمى»، إحدى القوى العظمى هذه كانت الإمبراطورية الرومانية «من قاعدة قوتها في منطقة البحر الأبيض المتوسط». أما الأخرى فتمثلت في الإمبراطورية البارثية «التي أحكمت سيطرتها على إيران ومناطق كثيرة من وسط آسيا».

بحسب تقريره، اسم العرض هو «العالم بين إمبراطوريتين: الفن والهوية في الشرق الأوسط القديم»، وسيظل مفتوحًا من 18 مارس (آذار) إلى 23 يونيو (حزيران). ويجمع مجموعةً عظيمة من الأعمال الفنية من المنطقة «ما بين» هاتين القوتين العظميين.

اشتملت هذه المنطقة على جزءٍ كبير من الشرق الأوسط الحديث، مثل جنوب غرب شبه الجزيرة العربية، والنبطية، ومملكة يهوذا، وسوريا، وبلاد الرافدين. وكان هذا الحيز الجغرافي، وفقًا للقائمين على المعرض، متنازعًا عليه ويُضيَّق عليه الخناق من البلدان المجاورة القوية، التي تتطلع إلى حيازة المزيد من الأرض على حساب بعضها.

بيد أنَّ مواطني هذه البلدان امتلكوا الكثير من القواسم المشتركة في ما بينهم، فقد تحدثوا بلغاتٍ ذات صلةٍ ببعضها، وعبدوا آلهةً مختلفة في ظروفٍ مماثلة، وكانوا جزءًا من شبكةٍ تجارية مترابطة جلبت البضائع والسلع الأساسية عبر مسافاتٍ قصيرة، وطويلة في بعض الأحيان.

وفي ما يتعلق بمسألة الهوية المشتركة هذه، أفاد فرانكوبان بأنَّه سواءٌ كانت إمبريالية أو خلاف ذلك، فهي مسألة مُربكة لا يبدو المعرض عازمًا على إيجاد إجابةٍ قاطعة لها. وعوضًا عن ذلك، ينجح المعرض في توجيه الأنظار إلى الأماكن التي غالبًا ما يجري تجاهلها والتغافل عنها وتهميشها، أو اعتبارها «عالمًا بين» أماكن أكثر أهمية.

أمَّا التحف المعروضة فيشير المؤرخ إلى أنَّها تتسم بجمالٍ مذهل. وأول هذه التحف المعروضة هو تمثال صغير لإلهة، طوله 10 بوصات ومصنوع من المرمر، ترتدي عقدًا ذهبيًّا وأقراطًا مُدلاة، ويوجد هلالٌ قمري على شعرها المصفف بعناية. وتقف مادةً أحد كفيها، عاريةً إلا من ياقوتة في سرتها وقطعتين من الياقوت مثبتتين في عينيها. ويؤكد الكاتب أنَّها تستحق عناء الذهاب لرؤيتها، فقد سلبته عقله وأذهلته.

ويؤكد فرانكوبان أنَّ المعرض مُفاجئ ومؤثر، ومبهر في كثيرٍ من الأحيان. ويتسم بأهميةٍ خاصة في رأيه، خاصةً في الوقت الحالي، إذ دُمرت المواقع الطبيعية الثقافية في سوريا والعراق خلال الحرب، وفي بعض الأحوال هوجمت عمدًا. فقد دمَّر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) معبد «بِل» في تدمر، إلى جانب مبانٍ وأضرحة وأشياء أخرى، وقتل هؤلاء الذين سعوا في السابق إلى صونها وحمايتها للأجيال القادمة.

ويُرجع الكاتب ذلك إلى رغبة التنظيم في محو الماضي، وتنظيف السجل التاريخي من الرسائل التذكيرية، التي مفادها أنَّ هذا الجزء من العالم لديه تاريخ طويل غير مرتبط بالإسلام، وأنَّ ناسه آمنوا وعاشوا بطريقةٍ مختلفة عن الطرق «المُعتمدة» من هؤلاء الأصوليين.

ثروة الأمم

يُقدم معرض «العالم بين إمبراطوريتين» تسع مدن ومناطق مرتبطة، تختلف كلٌّ منها عن الأخرى جغرافيًّا وثقافيًّا، لكنَّها تتصل بعضها ببعض من خلال الطرق التجارية. ويستعرض فرانكوبان الشبكات التجارية والأساسية التي عرَّفت الحياة التجارية في الشرق الأوسط؛ أولها طرق القوافل والبهارات التي امتدت عبر الشمال، وثانيها الروابط البحرية للوصول إلى المحيط الهندي، وثالثها الطرق البرية التي تمتد شرق الصين جزءًا من طريق الحرير الأولى.

حسبما ورد في التقرير، ولَّدت هذه التجارة ثرواتٍ طائلة لهؤلاء الذين توفرت لهم السلع المرغوب فيها، ومثالًا على ذلك جنوب غرب شبه الجزيرة العربية، التي اشتهرت بزيت البخور ونبات المر، فضلًا عن كونها بوابة للحصول على التوابل والمجوهرات من جنوب آسيا، كالياقوت الذي تزين به تمثال الإلهة العارية.

وكان الناس ممن عاشوا في شبه الجزيرة العربية «أغنى الأمم في العالم»، حسبما كتب بليني الأكبر، مُرجعًا الفضل في ذلك إلى الشهية النهمة للتوابل والنباتات العطرية لدى هؤلاء الذين يعيشون في كلتا الإمبراطوريتين، الرومانية والبارثية. وأشار بليني الأكبر بمرارة إلى أنَّ ما زاد الطين بلة في رأيه كان «أنَّهم لم يشتروا في المقابل أي شيءٍ كان». وبهذا كانت الإمبراطوريتان تعانيان عجزًا في الميزان التجاري بمقاييس اليوم.

وتُشدد ملاحظات بليني الأكبر -بحسب فرانكوبان- على حقيقة أنَّ ثمار التجارة لم تتركز دائمًا في أيدي الإمبراطوريتين، وهو شيء يوضحه المعرض تمام الوضوح. إذ يوجد تمثالٌ برونزي بديع لفرسٍ يشب، يرجع تاريخه إلى القرن الثاني، ويتضح من نقوشه أنَّه كان ذات يوم جزءًا من زوجين من الأحصنة، حرست معبد المدرة التابع للحويثات من قبيلة غيمان في المنطقة الجنوبية الغربية من شبه الجزيرة العربية.

وبالرغم من غياب توأمه، فضلًا عن فارسه، فالتمثال في رأي فرانكوبان بمثابة تذكير بأنَّه في العالم القديم، لم يكن يتوجب عليك أن تكون جزءًا من إمبراطورية كي تتمكن من الاستمتاع بالأشياء الجيدة في الحياة. فقد تولدت الثروات حيثما كانت هناك تجارة على نطاقٍ واسع. وأوضح الكاتب أنَّ فنًّا بهذه الجودة والمستوى لا ينم عن الرغبة في التباهي بثمار الازدهار فقط، بل عن رغبةٍ في التباهي بالوسائل اللازمة لسداد نفقاتها أيضًا.

ممالك ومناطق منسية

يُشير التقرير إلى أنَّ موقع بعض هذه المناطق المزدهرة ما زال غامضًا بالنسبة لأناسٍ كُثُر؛ فأسماء ممالك مثل حضرموت، وقتبان، وحِمير غير معروفة خارج نطاق عالم البحث العلمي الكلاسيكي الراقي. ومن خلال جمع الفن الذي أُنتِج أو عُرِض باعتزاز في هذه المواقع، يطلب القائمون على المعرض من المُشاهد أن يتأمل محورية هذه المناطق بالنسبة للتاريخ العالمي، رغم أنَّها تُصوَّر على عكس حقيقتها على أنَّها هامشية، بل غير ذات أهمية أيضًا.

وهذا السبب ما يجعل اسم المعرض مميزًا في رأي المؤرخ، فبوصف المدن والناس والثقافات التي شكلت محور تركيز المعرض على أنَّها تنتمي إلى «عالمٍ بين إمبراطوريتين»، يُعرِّف القائمون عليه بفعالية هذه المدن والناس والثقافات بمقارنتها مع القوى العظمى التي كانت تُحيط بها. لكن في واقع الأمر، ما يُقدمه المعرض هو رأي هدام ودامغ للغاية لهؤلاء الذين ليسوا من الرومانيين أو البارثيين على وجه التحديد.

فبوجود هذه المناطق خارج نظام تلك الإمبراطوريات، امتلكت ثقافاتها الرقي والدقة اللذين كانا ثمرة استيرادٍ واسع النطاق للأفكار من مصادرَ عدة، والاستفادة من طائفة متنوعة من النماذج الفنية، فضلًا عن النماذج اللغوية، والدينية، والثقافية. وتُجسد هذا التعقيد المقتنيات المعروضة، التي تُشجع الزائر على التفكير في التاريخ القديم بوصفه أحد الروابط الإقليمية والدولية الحيوية، المعبرة عن حركة الناس والأفكار والأشياء عبر مئات الأميال، إن لم تكن آلاف.

تشكيل الهويات

أوضح فرانكوبان أنَّ المعرض برمته ربما يشهد على وجود هويةٍ مشتركة بين شعوب الشرق الأوسط القديم، بيد أنَّ هذه المقتنيات تُبرهن أيضًا على قوة الثقافات المحلية وتميزها داخل هذه المنطقة. فانتشار الديانة اليهودية على سبيل المثال نصب مسارًا فريدًا ليهوذا، ولم يقتصر الأمر على ديانتها فقط، بل على تنميتها السياسية، والاقتصادية، والثقافية.

فآثار مثل معبد القدس، وهو أحد أكبر المعابد في العالم القديم، بُنيت لتنقل رسالةً وحيدة وملحة عن مدى قوة الديانة الواحدة (في هذه الحالة، الديانة اليهودية)، ولتطغى على الديانات الأخرى. وبُنيت هوية محلية قوية حول الدين، إلى جانب الرغبة في الاستقلال الذاتي. ففي يهوذا، واجه الرومانيون أكثر حركات التمرد قوةً وانتظامًا من قطاعاتٍ كبيرة من السكان المحليين، الذين انتفضوا ضد السيطرة والنماذج الاجتماعية، والثقافية، والسياسية التي فُرِضت عليهم من الخارج.

أما الأنباط، الذين سيطرت مملكتهم على طرق التجارة الحيوية على محور الشمال والجنوب، كانت لديهم طرقهم الخاصة في التعامل مع الضغوط الخارجية. فقد كان الأنباط مستقلين بشدة «ومولعين بصورةٍ استثنائية بالحرية»، حسبما وصفهم المؤرخ ديودورس الصقلي، وعندما يشعرون بالتهديد كانوا «يلجأون إلى الصحراء، ويستخدمونها باعتبارها حصنًا، حيث إنَّها تفتقر إلى المياه، ولا يمكن للآخرين تخطيها»، حسبما ذكر.

Embed from Getty Images

وكان الأنباط أيضًا فاحشي الثراء، فقد بنوا مدينة بترا في واحدٍ من أكثر المواقع استثنائيةً في العالم القديم، وأضافوا إليها آثارًا هائلة منحوتة في الحجر. وكانت مدينة بترا عاصمةً، وسوقًا تجاريًا، وجوهرةً في ذاتها، وفقًا لوصف فرانكوبان لها.

ومثل مدينة نيويورك، ازدهرت بسبب تيسر الوصول إليها، ولأنَّها كانت عُرضة للتغيير، ولأنَّها، كمدينة نيويورك أيضًا، لم تترفع عن قرع طبول مجدها الخاص. وفي هذا الصدد يُشير الكاتب إلى واحدٍ من أبرز المعروضات، وهو تمثال نصفي من الحجر الجيري لزيوس ذي الشرى، كبير آلهة المدينة، واكتُشِف التمثال بجوار بوابة تيمينوس في بترا.

أما في تدمر، فقد عززت السلطات المحلية هويةً قائمة بذاتها عبر إصدارها لعملاتٍ ثنائية اللغة، وبإصرارها على أن تُكتب النقوش الوطنية على المباني باللغة اليونانية إلى جانب اللغة الآرامية التدمرية. واشتمل المعرض على مجموعةٍ رائعة من النقوش ولوحات جنائزية لنخبة تدمر، منحوتة بجمالٍ على يد كبار الحرفيين.

ويستعرض التقرير إحدى هذه المقتنيات، وهي صورة لافتة للنظر لامرأة شابة سُميت باتا، ترتدي مجموعة من المجوهرات الثمينة كلَّف جدها بصنعها خلال حياتها، وهذه الصورة على وجه الخصوص كانت ممتازةً في رأي فرانكوبان.

ويُشير التقرير إلى أهمية هذه المنحوتات من منظورٍ فني وتاريخي، لأنَّها، وبخلاف الغالبية العظمى من المقتنيات الأخرى، ما زالت تحتوي على بعض الأصباغ الأصلية.

من الذي يمتلك التاريخ؟

كلٍ من المناطق التسع في المعرض تعرض تجلياتٍ، بدايةً من درع روماني رائع كامل الحجم وسليم كليًّا، وُجد في الصالحية في سوريا (أو ما كان يُعرف في الماضي بمدينة دورا أوروبوس)، وصولًا إلى ما يعده الكثيرون التمثيل الأقدم للسيد المسيح في العالم، الذي وُجِد أيضًا في الصالحية بداخل مبنى يُعتقد بأنَّه أقدم الكنائس التي نجت وبقيت على قيد الحياة. وكالإلهة العارية، كل واحدة من هذه المقتنيات وحدها تستحق الزيارة في رأي المؤرخ.

ويستعرض فرانكوبان أهم ما شاهد خلال زيارته للمعرض، فقد أسره عرضٌ لأوانٍ زجاجية جميلة محفوظة لجودة معروضاته ودقتها وتألق ألوانها، وأذهله أيضًا ارتياحه إلى ما قد يكون بكل تأكيد الإله العربي آرسو، حامي القوافل والمُسيطر على نجوم الليل، الذي يمتطي جملًا، ويرتدي وشاحًا حول عنقه يتموج خلفه.

وابتسم الكاتب لدى رؤيته شاهد قبر، وهو صرح جنائزي صغير في بلدة صيدا في ما يُعرف الآن بلبنان، يُسجل حياة امرأة تُدعى برموسا، التي المعنى الحرفي لاسمها «امرأة غاضبة». برموسا كما ورد في الصرح الجنائزي «كانت رائعة ولم تُسبب المتاعب. وداعًا». ويُشير الكاتب مازحًا إلى أنَّه يسعه التفكير في طرق أسوأ ليذكره الناس بها.

تمثال يصور خروج أفروديت من الماء

وبحسب التقرير، يُكرس كتالوج المعرض الفاخر فصلًا أخيرًا للمواقع التراثية في الشرق الأوسط التي دُمرت خلال الحرب، ويتضمن أيضًا صورًا بالأقمار الصناعية للصالحية توثق تهديدًا ثانيًا، وهو عمليات التنقيب غير القانونية التي تعصف بالموقع، إذ يسعى صائدو الجوائز إلى الحصول على الكنوز والثروات لبيعها إلى المشترين مُنعدمي الضمير.

ولا يسع المرء سوى أن يلاحظ كم الأمجاد المعروضة في متحف المتروبوليتان، التي لا تأتي من المتاحف والمجموعات الفنية في البلدان الحديثة التي وُجِدوا فيه – على الرغم من وجود بعض القطع المُستعارة من إسرائيل والأردن ولبنان- بل من مجموعات فنية في الدنمارك، وفرنسا، وألمانيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية أيضًا، حسبما أوضح فرانكوبان.

ويُشير الكاتب إلى أنَّ هذا يُخبرنا بالكثير عن الطريقة التي ذهبت بها معالم الثقافة المادية، في بعض بقاع العالم، إلى آخرين يعيشون في بقاعٍ أخرى، إذ تتغير مراكز القوى الاقتصادية والسياسية بمرور الوقت.

وهذه التغيرات شكلت السردية الأوسع نطاقًا للكيفية التي ننظر بها إلى الماضي في رأي فرانكوبان. فبتعريف الشعوب والمناطق الجغرافية على أنَّها تقع «بين إمبراطوريتين»، يقتضي هذا ضمنًا أنَّ هاتين الإمبراطوريتين هما كل ما يُهم في هذا الصدد. وقد يكون من المغري أن نفكر في المناطق التي تربط بين الإمبراطوريات بوصفها مهمة ومفيدة فقط فيما يتعلق بالطريقة التي تربط بها بين الدول الأكثر أهمية وإثارة للاهتمام.

لكن المؤرخ يؤكد أنَّه ينبغي لأي شخصٍ يُشاهد المعرض أن يُدرك أنَّه لا توجد قطعة واحدة من المعروضات ثانوية، أو أنتجها أناسٌ مهمشون، ويأمل في أن يساعد هذا المعرض على تغيير الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا، فضلًا عن الطريقة التي ننظر بها إلى هؤلاء الذين كانت لديهم قيمةٌ مركزية ما، وليسوا «فقط» بين آخرين أكثر أهمية.

«الجارديان»: حتى الإعلام العالمي يخلط بين العرب والعالم العربي.. ما الفرق بينهما؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد