نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية مقالًا للكاتب الصحفي توماس فريدمان تحدث فيه عن خطة ترامب للسلام في الشرق الأوسط، موضحًا أنها قوبلت ليس فقط بالرفض من دول عديدة، ولكن أيضًا بالتهكم والازدراء من الطبيعة؛ ذلك أن تغير المناخ والظروف الطبيعية الأخرى لا تأبه للحدود الفاصلة بين الدول. 

في مستهل مقاله أورد الكاتب صورة حوارٍ متخيَّل دار بينه وبين الطبيعة؛ إذ كان يسأل والطبيعة تجيب. وقال:  «لكي أصل إلى وجهة نظر مختلفة حول خطة السلام التي طرحها ترامب ومساعده وصهره كوشنر، قررت أن ألجأ إلى أفضل محلل لشؤون الشرق الأوسط أعرفه، وهذا المحلل هو: الطبيعة.

وبناءً على ذلك، بدأ الكاتب في طرح الأسئلة على الطبيعة التي تفاعلت معه بدورها وبدأت تجيب عن استفساراته. وكان السؤال الأول هو: يا أيتها الطبيعة، أخبرينا عن رأيك بشأن صفقة القرن؟

فأجابت الطبيعة المتخيَّلة: حسنًا يا توم، ليس الكثير. في البداية، ذكرتني (الصفقة) في بضع جمل قصيرة. اسمح لي أن آخذك في جولة في المنطقة، حسبما أراها. وأحذرك: خرائطي ليس بها حدود فاصلة ولا جدران – ولا توجد مناطق أ، أو ب، أو ج (ثلاثة أقسام إدارية مستقلة مؤقتة حسب اتفاقية أوسلو الثانية) في الضفة الغربية.

كن على يقين من أن الرئيس ترامب، الذي أعلن أن تغير المناخ مجرد خدعة، ليس لديه أي فكرة عن أن دول شرق المتوسط (سوريا، وقبرص، ولبنان، وإسرائيل، وفلسطين، والأردن) ​​قد عانت من الجفاف طوال 15 عامًا خلال العشرين عامًا الماضية، وهو أمر لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث. وتتنبأ دراسة أجرتها جامعة تل أبيب مؤخرًا بأن دول شرق المتوسط ستصبح أكثر دفئًا وجفافًا باطراد، وستفقد تدريجيًّا شهرين من فصل الشتاء – أي شهور تساقط الأمطار – في غضون 25 عامًا.

وفي الوقت نفسه، في عام 1948، كان عدد سكان إسرائيل 800.000 نسمة، والآن أصبح العدد 8.7 مليون نسمة. وكان عدد سكان الأردن 450.000. والآن أصبح العدد 10 ملايين نسمة. وكان عدد سكان سوريا ثلاثة ملايين، والآن أصبح العدد 17.5 مليون نسمة. ولذلك، فالمستقبل يشير إلى تزايد عدد السكان وقلة المياه باطراد».

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 7 شهور
10 أسئلة تشرح لك «صفقة القرن» التي أعلنها ترامب بالأمس

ما الآثار المترتبة على ذلك؟

على لسان الطبيعة، أوضح الكاتب أنه «جرت عادة إسرائيل على أن تضخ ما يصل إلى 500 مليون متر مكعب من المياه سنويًّا من بحر الجليل، وهي بحيرة مياه عذبة، لتلبية الاحتياجات المحلية، لا سيما الحقول الزراعية في جنوب إسرائيل، وذلك بهدف تحويل الصحراء إلى أراضٍ زراعية خضراء. ولكن في عام 2018، استطاعت إسرائيل ضخ 30 مليون متر مكعب فقط!

وفي صيف عام 2018، انخفض منسوب المياه في بحر الجليل لدرجة كبيرة بسبب الجفاف وسحب المياه نظرًا لتزايد أعداد السكان، حتى بات الأمر يشكل تهديدًا بتحوُّل بحر الجليل إلى بحيرة مالحة هو الآخر، على غرار البحر الميت. هل تتذكر أن يسوع مشى على الماء في بحر الجليل (كما ورد في إنجيل (متى 14:22-33) «وَفِي الْهَزِيعِ الرَّابِعِ مِنَ اللَّيْلِ مَضَى إِلَيْهِمْ يَسُوعُ مَاشِيًا عَلَى الْبَحْرِ»)؟ حسنًا، يمكنك أن تفعل ذلك أيضًا، لأن منسوب المياه انخفض جدًّا حتى انحسر عن جزيرتين برزتا في منتصف البحيرة».

كيف يؤثر ذلك على نهر الأردن وعلى كل من يعتمد عليه؟

وذكر الكاتب أنه: «من نكد الطالع في الخمسين عامًا الماضية، أن التدفق السنوي لـنهر الأردن انخفض إلى حد كبير. ومع سعي إسرائيل والأردن وسوريا لتخزين أكبر قدر ممكن من المياه النظيفة، فعلى الأرجح أن مياه الصرف الصحي هي التي تساعد على تدفق النهر في الوقت الحالي. ولكن نظرًا لأن أغلب مساحة النهر منطقة عسكرية مغلقة، لا يعرف معظم الناس أن النهر يجف.

خريطة للأردن وإسرائيل، تُظهر خط مشروع قناة البحر الميت- البحر الأحمر، غربيّ الأردن، وبشكل كامل في الأراضي الأردنية. مصدر الصورة: ويكيبيديا.

خريطة للأردن وإسرائيل، تُظهر خط مشروع قناة البحر الميت- البحر الأحمر، غربيّ الأردن، وبشكل كامل في الأراضي الأردنية. مصدر الصورة: ويكيبيديا.

والمياه الوحيدة المضمونة للمراكز الحضرية والمزارع الكبيرة على السهل الساحلي في إسرائيل هي المياه المحلاة ومياه الصرف الصحي المعالَجَة، والتي تحتوي على مشاكل كيميائية. والآن، ومن أجل التكيُّف مع مشكلة تغير المناخ، يتعين على إسرائيل أن تعكس اتجاه نظامها الوطني لنقل المياه – بأن تنقل المياه المحلاة من محطات المياه الساحلية نحو الشمال إلى بحر الجليل، والذي انخفض فيه منسوب المياه لدرجة أنه لم يعد يمكن الاستفادة منه باعتباره خزان مياه محلي في إسرائيل، لولا أن بدأت المياه تتجدد بفضل الهطول المستمر للأمطار في هذا الشتاء.

وأشار الكاتب إلى أنه: «في الوقت نفسه، لا يوجد في غزة مرافق كافية لمعالجة مياه الصرف الصحي، ولذلك يتدفق نحو 100 مليون لتر من مياه الصرف الصحي الخام من غزة كل يوم إلى البحر المتوسط. ومن ثم يحملها تيار الماء الجارف إلى أعلى الساحل مباشرةً، حيث يدخل مياه الصرف الصحي الغزاوي إلى المرشحات الخاصة بمحطة تحلية مياه عسقلان (أشكلون) الكبيرة في إسرائيل، والتي كان لا بد من إغلاقها من حين إلى آخر تجنبًا لانسداد المرشحات».

ماذا عن غزة والأردن والضفة الغربية؟

وتابع الكاتب على لسان الطبيعة قائلًا: «حسنًا، قلَّلت عمان مؤخرًا من خدمات المياه البلدية لسكانها من يومين في الأسبوع إلى ثماني ساعات في الأسبوع. ويتعين عليهم شراء ما تبقى من المياه التي يحتاجونها من القطاع الخاص. واضطرت الأردن إلى استقبال 1.5 مليون لاجئ هربوا من الحرب الأهلية في سوريا، والتي حدث الجفاف جزئيًّا بسببها. ويجب أن يحصل الشعب الأردني على جائزة نوبل للسلام نظير الكيفية التي اتبعوها لاستيعاب الكثير من اللاجئين سلميًّا».

ويعيش في الأردن 600.000 شخص على الجانب الأردني من غور الأردن. ومع ركود الأسواق في العراق وسوريا، وانخفاض إمدادات المياه نتيجةً للجفاف، بلغت نسبة البطالة بين الشباب على الجانب الأردني من الوادي 40 في المائة. وأصبحت المحاصيل التي تستخدم المياه بكثافة والتي يزرعها الأردنيون، وكذلك الإسرائيليون، في الوادي – الفواكه الاستوائية وشبه الاستوائية، مثل الموز والحمضيات والفواكه والخضروات للتصدير – غير مستدامة. وهذه الظروف أدت إلى إفقار معظم هذه المجتمعات.

كيف أثر هذا في الحرب على الإرهاب؟

يجيب الكاتب على لسان الطبيعة أن «الأردن كان ثالث أكبر دولة في العالم العربي يُجنَّد منها الشباب في صفوف تنظيم الدولة (داعش). وكن على يقين بأن الكثير من هؤلاء المجندين كانوا من غور الأردن، المليء بالشباب المحبطين الذين لا يجدون وظائف، وبناءً على ذلك لا يمكنهم الزواج. إنه ثالوث: الهلاك البيئي والفقر والتطرف.

Embed from Getty Images

ماذا عن غزة في ظل حكم حماس؟

وألمح الكاتب إلى أن: «إسرائيل وغزة تسحبان عادةً معظم مياههما من المياه الجوفية الساحلية. وقد انهار الجزء الخاص بغزة بالكامل بسبب سوء إدارة حماس والحصار الإسرائيلي والإفراط في الاستخدام. ولم يعد حوالي 97 في المائة من المياه الجوفية في غزة صالحًا للشرب. ويعيش الناس في غزة على مياه الخزانات التي يملئونها بالماء من محطات تحلية المياه الصغيرة التي يديرها باعة تابعون للقطاع الخاص ومنظمات دولية. ويرتبط حوالي ربع الأمراض التي تصيب الناس في غزة اليوم بمياه الشرب غير الصحية.

كما أن المياه الجوفية الجبلية التي تجري في الحوض الجبلي  للضفة الغربية وإسرائيل تُستنفذ وتتلوث بسرعة. ويعتمد المستوطنون اليهود في الضفة الغربية على نظام المياه الإسرائيلي من خلال شبكة متطورة تعمل على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع، لكن المدن الفلسطينية محرومة من ذلك. ولهذا، لا يجد السكان في أشهر الصيف الحارة في بيت لحم، على سبيل المثال، المياه البلدية إلا بمحض الصدفة.

وأضاف الكاتب: «هناك أيضًا العديد من القرى والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية بلا مرافق لمعالجة مياه الصرف الصحي. وتُضَخ مياه الصرف الصحي الخام في آبار تصريف (بيّارات صرف/ترانشات)– وهي حُفَر أرضية غير مبطنة – والتي تسمح بتسرب مياه الصرف الصحي إلى المياه الجوفية، بينما تجمُّع المواد الصلبة، ثم يُلقى بها في الوديان. وتتدفق مياه الصرف الصحي في منطقة الخليل الكبرى، التي يزيد عدد سكانها عن 300.000 نسمة، عبر قناة الخليل إلى مدينة بئر سبع الإسرائيلية، حيث تصبح قناة بئر سبع! وكما قلتُ لك، خرائطي ليس بها أي حدود فاصلة».

إذن ما مبادئ السلام الخاص بالطبيعة؟

تجيب الطبيعة المتخيلة على السؤال قائلة: «بادئ ذي بدء، أي خطة من شأنها تقسيم الضفة الغربية إلى مساحات وجدران وطرق سياسية معزولة – في انسياقٍ وراء رغبات ترامب وكوشنر لتقبُّل «الواقع» الذي استقر عليه المستوطنون اليهود عشوائيًّا حول الضفة الغربية – ليست منطقية بالنسبة لي. إن هذا نظام بيئي واحد، ولن يتحقق أي أمن فعلي لأحد إذا لم يكن هناك أمن بشري للجميع. وقد تسببت الفيضانات المفاجئة أكثر من مرة في تدمير حاجز إسرائيل الأمني حول مدينتي طولكرم والقدس.

يتعين عليك أن تبدأ بالسؤال الصحيح: كيف يمكننا إحلال السلام في هذه المنطقة في عصر النمو السكاني السريع وتغير المناخ؟ وليس: كيف يمكننا إحلال السلام في هذه المنطقة بطريقة تعطي الأولوية لمطالب المتعصبين من الإسرائيليين أو الفلسطينيين أو المسيحيين الإنجيليين؟

Embed from Getty Images

كيف تبدو خريطتك إذن؟

وفصَّل الكاتب فكرته على لسان الطبيعة قائلًا: «جاء السلام والازدهار إلى أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية عبر إنشاء سوق مشتركة. وقامت السوق المشتركة على تداول مصدر الطاقة والمنتجات الصناعية الرئيسية في القرن الماضي – الفحم والحديد. وسيحل السلام بين الإسرائيليين والأردنيين والفلسطينيين من خلال اتحاد كونفدرالي لكياناتهم السيادية التي تعتمد على البحر والشمس. والطريقة الوحيدة لحصول الإسرائيليين والفلسطينيين والأردنيين على أمن المياه والطاقة تتمثل في تحلية المياه على نطاق واسع، والسبيل الوحيد لتحقيق ذلك – وليس مفاقمة الأوضاع الناجمة عن تغير المناخ – هو توليد الطاقة الشمسية على نطاق واسع».

كيف يمكن تحقيق ذلك؟

وأردف الكاتب متحدثًا بلسان الطبيعة قائلًا: «تتمتع إسرائيل وغزة بقدرات هائلة على الاستفادة من البحر الأبيض المتوسط في الحصول على المياه المصنَّعة، وتتمتع الأردن كذلك بقدرة كبيرة على الاستفادة من الصحاري الخالية الشاسعة في توليد الطاقة الشمسية المصنَّعة. ويجب ربطهم جميعًا في شبكة اتحاد كونفدرالي، لاستغلال البحر والشمس – مع لجان مشتركة لإدارة المياه والطاقة والأمن الغذائي – لخلق اعتماد متبادل صحي. ومن ثم يمكن أن يرتقوا اقتصاديًّا معًا، بدلًا من الاعتماد المتبادل غير الصحي أو أحادي الجانب الذي يخلقونه الآن؛ إذ يتنافسون على الماء والطاقة والغذاء ويلوثون بعضهم البعض ويسقطون معًا.

ولمعرفة المزيد في هذا الصدد، انظر إلى عمل منظمة «إيكوبـيس EcoPeace» الشرق الأوسط وخاصةً دراسة الجدوى. إنه ليس هناك من يفهمني مثل هذه المنظمة. وإذا بَنيتَ على معادلتي هذه، فإنه يجب أن تنطوي أي خطة سلام على الاحترام المتبادل واحترام أنظمتي البيئية، على عكس التفكير بمنطق المحصلة الصفرية من جانب المتطرفين السياسيين الذين يقودون زمام الأمور الآن ويعبثون بالطبيعة.

واختتم الكاتب مقاله مؤكدًا «أن ليس من الذكاء العبث بالطبيعة. واسأل الأستراليين عن ذلك».

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 7 شهور
«بلومبرج»: 9 أسئلة تشرح لك خطة نتنياهو لـ«ضم الضفة الغربية»

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد