تُشكِّل السياسة الخارجية للدول معالمها الأبرز، وهي سياسةٌ تؤثر في مسار الدولة والمنطقة، وربما العالم ككل. ولكن هل من المحتمل فعلًا أن تؤثر السياسة الداخلية على السياسة الخارجية بدرجةٍ ملحوظة؟ يرى ستيفن كوك، زميل أقدم في زمالة «إيني أنريكو ماتي» لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا بـ«مجلس العلاقات الخارجية» أن هذا هو ما يحدث داخل الولايات المتحدة مؤخرًا. وأجاب كوك على التساؤل السابق بالتفصيل، في المقال الذي نشرته مجلة «فورين بوليسي».

وأشار في كوك في مستهل مقاله إلى ما يُقال عن أن آرثر فاندنبرغ، الرئيس الجمهوري للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي، صرَّح في نهاية الأربعينيات بأن السياسة الحزبية يجب أن تتوقف «عند عبور ساحل البحر» ولا يتذكر الكثيرون من هو فاندنبرغ، وليس واضحًا كذلك ما إذا كان أحدهم أخذ فكرته على محمل الجد، لكن يبدو أن أعداد من يتشدقون بكلامه في تناقص. أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فيشعر على ما يبدو بأن هجاء خصومه السياسيين أثناء سفره للخارج هو أمر مقبول تمامًا.

وهذا مزعج بما يكفي في رأي كوك. لكن تطورات السياسة الخارجية الأمريكية – المسؤولة عن زرع عدم الاستقرار وتقويض النفوذ الأمريكي – وتبعاتها لا تتضمن التحزب الخارجي، بل الاستقطاب الداخلي.

ويمكن الآن تقسيم الشرق الأوسط إلى «دول تنتمي للحزب الجمهوري»، ودول «مؤيدة لقضايا الحزب الديمقراطي»، بحسب المقال. وتجلت هذه الظاهرة طوال العقد الماضي على الأقل، لكنها أصبحت أوضح في حقبة ترامب.

إذ تبدو الاصطفافات واضحة، باستثناء الأردن لأن الجميع في واشنطن يحبون الملك عبد الله: فإسرائيل ومصر والإمارات والسعودية هي دول جمهورية الهوى، بمعنى أن قادة الحزب وناخبيه يتعاطفون معهم، أو أنَّهم أكثر تعاطفًا معهم مقارنةً بالديمقراطيين. وفي الوقت ذاته يميل الديمقراطيون إلى التعاطف مع الاتفاق النووي الإيراني والفلسطينيين.

إسرائيل

ومنذ منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، انتقلت إسرائيل للتركيز على مجموعةٍ من القضايا – مثل التعديل الثاني، والضرائب المنخفضة، ومعارضة الإجهاض، والجيش القوي – التي تشكل أجزاء أساسية في عقيدة الجمهوريين. ويشير الجمهوريون إلى أن إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة التي تدعم أهداف الولايات المتحدة الأمريكية داخل الشرق الأوسط، وأنها ليست مصدر العنف العابر للحدود، وأنها تشارك القيم الأمريكية.

ولا شك أن بعض المحللين والنشطاء سينتقدون هذه المزاعم، لكن الجمهوريون الذين يدعمون إسرائيل (وهم كُثر) لا يرون داعيًا لمساءلتها. وفي الوقت ذاته، تزايد عدد الديمقراطيين الذين يشعرون بالتردد حيال ما يُدعى بالعلاقة الخاصة مع إسرائيل، وفقًا لما أورده المقال.

وأوضح كوك أن القضايا التي تميل بازدياد إلى تحريك الديمقراطيين، خاصة المجموعة الصاعدة من نخب الحزب الديمقراطي ونشطاء السياسة الخارجية، تشمل: حقوق الإنسان، والعدالة الدولية، وقلة الثقة في التدخل العسكري. وساعد ذلك في تقويض التوافق الواسع بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري على دعم إسرائيل في ما مضى.

ولم تكن مساعدة بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الاسرئيلي، مجديةً رغم بذله جهدًا إضافيًا في محاولةٍ لإفشال الاتفاق النووي الإيراني، وهي القضية البارزة في السياسة الخارجية للرئيس السابق باراك أوباما، والذي كان محبوبًا بشدة بين أتباعه الديمقراطيين.

Embed from Getty Images

مصر

سُيِّسَت مصر كذلك بطريقة ربما لا يدركها المصريين أنفسهم. ونسب كوك الشطر الأعظم من ذلك التسييس إلى حماس الحكومة المصرية شبه الصريح تجاه ترامب، بعد الاختلافات والعواقب التي واجهتها مع أوباما حول حقوق الإنسان وإعادة إحياء الحكم الاستبدادي عقب انقلاب يوليو (تموز) عام 2013، وهو الانقلاب الذي أجبر محمد مرسي من جماعة «الإخوان المسلمون» على التخلي عن السلطة.

لا تتصدَّر تلك المشكلات اهتمامات العديد من المشرعين الجمهوريين، خاصةً من أعربوا بوضوح عن مخاوفهم تجاه الخطر الذي يشكله الإسلام السياسي على الولايات المتحدة الأمريكية. ورغم أنَّ جمهوريين بارزين، أهمهم ليندسي غراهام عضو مجلس الشيوخ عن ولاية كارولينا الجنوبية، انتقدوا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لكن تصنيف الجمهوريين وأجندتهم يميل لاعتباره حليفًا في مواجهة التطرف.

وأثلج السيسي صدري ساسة ومُعلِّقي وسط اليمين في ديسمبر (كانون الأول) عام 2015، بحسب المقال، حين دعا المؤسسة الدينية في مصر إلى إعادة النظر في تعاليمها وتفسيراتها في ضوء ازدهار ظاهرة التشدد والولاية الإسلامية. ويعكس هذا الأمر اختلافًا مهمًا في الطريقة التي ينظر بها الجمهوريون والديمقراطيون إلى مصر.

إذ يميل الجمهوريون – على غرار المصريين – إلى التأكيد على الخلفية الأيديولوجية للتشدد، في حين يركز محللو وسط اليسار والديمقراطيون عادةً على الطريقة التي يؤدي بها القمع إلى الراديكالية والعنف.

Embed from Getty Images

الإمارات

ثم انتقل كوك إلى الحديث عن دولة الإمارات وقائدها محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي. إذ تتلاقى وجهات نظر ولي العهد مع رؤية المفكرين والساسة الجمهوريين البارزين، ويرى كلاهما أن إيران والإسلام السياسي يمثلان تهديدات كبرى. ولا يعني هذا أن الديمقراطيين يخالفون وجهة النظر هذه، لكن حلولهم لهذه التهديدات – بالتفاوض والتغيير الديمقراطي – هي حلول ساذجة في رأي أبوظبي والقادة الجمهوريين.

وفضلًا عن حقيقة أن الإمارات والجمهوريين ينظرون إلى العالم من العدسة نفسها، أصبح المسئولون في أبوظبي على علاقة وثيقة بترامب وإدارته. واستشهد كوك في مقاله بحالتين يرى أنهما برهنا على تلك العلاقة تحديدًا: الأولى في ديسمبر عام 2018، حين سافر محمد بن سلمان إلى نيويورك، كاسرًا البروتوكول بعدم إبلاغ إدارة أوباما، ليجلس مع شخصيات مقربة من الرئيس المنتخب الذي لم يكن قد تقلد منصبه آنذاك في برج ترامب.

والثانية حين هاجم الرئيس سياسة قطر علنًا عبر موقع تويتر، في نفس الوقت الذي فرضت فيه الإمارات وحلفاؤها حصارهم العقابي عليها، في لحظة كانت تلك بلا شك أغرب اللحظات في المرحلة المبكرة من إدارة ترامب؛ مما أثار الشكوك بين مراقبي المشهد بأن كبار المسئولين في أبو ظبي لهم تأثير على ترامب في هذا الصدد.

وأكد محمد بن زايد والإمارات على الانطباع بأنهم «جمهوريون» حين ساعدوا في الدعاية لمحمد بن سلمان، ولي عهد السعودية، بين صناع السياسة الأمريكيين والنخب الأخرى. وكانت السعودية، الدولة الوحيدة التي يمكن وصفها بأنها دولة ترامب داخل الشرق الأوسط، هي وجهة ترامب في أول زيارة خارجية له. وفعل ترامب كل ما في وسعه لحماية ولي العهد من جهود الكونجرس لتحميله مسئولية أي شيء، بدءًا من قتل الصحافي جمال خاشقجي، وانتهاءً بالدمار الذي ألحقه السعوديون باليمن.

وأفاد مقال «فورين بوليسي» كذلك بأن أي تقارير إعلامية أشارت إلى التشريعات والقرارات الناقدة للجهد الحربي السعودي في اليمن باعتبارها «مُؤيَّدةً من الحزبين»، هي تقارير بالغت في استخدام الكلمة. إذ حازت تدابير حديثة في مجلس الشيوخ لمنع بيع الأسلحة إلى السعوديين على سبعة أصوات جمهورية فقط، وأيَّد 17 نائبًا جمهوريًا فقط في مجلس النواب قرارًا بإنهاء الدعم الأمريكي للجهد العسكري السعودي في اليمن؛ مما ينفي التوافق بين الحزبين على مسألة اليمن.

وتشترك إسرائيل مع الإمارات والسعودية، وباستثناء مصر، في معارضتهم العلنية للاتفاق النووي الإيراني الذي يُعدُّ أبرز القضايا التي تبنَّتها إدارة أوباما. ولا عجب في موقفهم «الجمهوري» هنا من وجهة نظر كوك. ويملك الديمقراطيون من جانبهم مجموعةً من القضايا التي تمثلهم، ولا غرابة في كونها تمثل الوجه المقابل لمشكلات الجمهوريين.

Embed from Getty Images

فعلى سبيل المثال، لا يناصر العديد من الديمقراطيين إيران، لكنهم يواصلون دعم الاتفاق النووي ويشعرون بالغضب لأن إدارة ترامب انسحبت من الاتفاق، مما أجَّج عدم الاستقرار في المنطقة بلا مبرر، فضلًا عن الخطر الإضافي باندلاع مواجهةٍ عسكرية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية. وترى «فورين بوليسي» أن تلك الأمور تدعم فكرة أن اسرائيل والسعودية والإمارات هي دولٌ تُوالي ترامب/الجمهوريين، نظرًا لمعارضتهم الاتفاق الإيراني ودعوتهم المستمرة لزيادة الضغط على الإيرانيين.

وإلى جانب الاتفاق النووي، أضحت القضية الفلسطينية مقترنةً اقترانًا راسخًا بالديمقراطيين وفقًا لكوك. وما يزال تأييد إسرائيل مفيدًا في السياسة الأمريكية بغض النظر عن الانتماء الحزبي، لكن محاور النقاش عن الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينين بدأت في التحوُّل. ويتضح هذا في حقيقة أن إسرائيل تنوي بوضوح ضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية الآن، وفي الطريقة التي تمنح بها الشبكات الاجتماعية صوتًا أعلى للفلسطينيين داخل فلسطين نفسها.

أضف إلى ذلك ميل الحزب الديمقراطي إجمالًا إلى اليسار، وتحذير المدافعين عن إسرائيل داخل الكونجرس لنتنياهو علنًا من ضم الضفة، ووصف مرشح الرئاسة من الحزب الديمقراطي بيتو أورورك لنتنياهو بالـ«عنصري»، وحديث زميله المرشح بيت بوتيجيج عن فرض قيودٍ على المساعدات الأمريكية لإسرائيل.

وربما يتساءل الأذكياء في اليمين واليسار حول موطن الإشكالية هنا، ويرون بحسب كوك أن الآخرين على خطأ ويمثلون خطورةً كبيرة، لأن تنحية الخلافات جانبًا حين يتعلق الأمر بالسياسات الخارجية هي ممارسةٌ تضر بالبلاد. لكن العالم، رغم ابتذال الفكرة، أكثر فوضويةً من خطاب الأمريكيين الاستقطابي، وساستهم، وبرامجهم الإخبارية التلفزيونية. ولا شك أن السياسة الأمريكية الخارجية تحتاج إلى إعادة النظر فيها، وخاصةً لأن النظام العالمي الذي أسسته الولايات المتحدة الأمريكية عقب الحرب العالمية الثانية أوشك على الانتهاك.

لكن يصعب إنجاز أي شيء في حال تبني الناس لفرضية أن السعودية هي دولةٌ شريرة، أو أن إسرائيل هي دولةٌ فوق النقد. وبالطبع، يتطرق الكثيرون إلى ذكر التوافق السابق بين الحزبين حول قضايا الشرق الأوسط. وكانت هناك أخطاءٌ مرعبة ومكلفة نتيجة لذلك، ولكن من المستبعد أن تحقق الولايات المتحدة نجاحًا في حال قسَّم الأمريكيون العالم إلى دول موالية للحزب الديمقراطي ودول موالية للحزب الجمهوري.

ويعتقد كوك أيضًا أن ترامب أثبت، بفضل حماسه الشديد لإلغاء كل ما فعله أوباما، أن الخسائر الناجمة عن التقلبات الشديدة في السياسة الخارجية يمكن أن تحطم كل شيء، بدءًا من الاقتصاد الأمريكي وانتهاءً بالاستقرار العالمي. وسيميل الديمقراطي القادم الذي سيحكم البيت الأبيض إلى عكس كل سياسات ترامب لإبطال سياسات حقبة أوباما، مما سيؤدي بدوره إلى دفع الجمهوري الذي يليه إلى عكس هذه القرارات، وهذه بالطبع ليست الطريقة المناسبة لإدارة أي دولة.

وكان آرثر فاندنبرغ يُدرك تلك الأمور، فهو ناقدٌ مُفوَّه للرئيس فرانكلين روزفلت، وقال: إن الحرب العالمية الثانية هي «حرب روزفلت الخاصة». وتحول من مبدأ الانعزالية السياسية إلى الدولانية قبل بضع سنوات، حين قدّم دعمه للرئيس في تشكيل نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية في خطابٍ تاريخي. ويُمكن وصف واقع السياسات الأمريكية بأنه ساذج لو أردت، ولكن كوك أكَّد في ختام مقاله أن هذا كان مفيدًا للسياسة الخارجية الأمريكية.

ماذا تعرف عن النظام الحزبي في الولايات المتحدة الأمريكية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد