«ارفع رأسك فوق أنت مصري»

كانت تلك هي هتافات المتظاهرين في ميدان التحرير في عام 2011، وهو العام الذي شهد ميلاد الربيع العربي. جاء الرد من أجزاء أخرى من الميدان في اندفاعات متكررة «الله أكبر!». أصبح ميدان التحرير، في وسط مدينة القاهرة، نموذجًا مصغرًا للمجتمع المصري، أرضية مشتركة وفد إليها المصريون معًا من شتى مناحي الحياة لاحتضان مستقبل جديد من دون الديكتاتور الثمانيني، حسني مبارك. ومع ذلك، فإن هذه الأرضية المشتركة،لم تدم.

منذ عام 2011، أعطى التفاؤل المبكر عن الربيع العربي وسيلة لعدم اليقين. الشرق الأوسط يتمزق اليوم بين التطرف والعولمة في بحثه عن هوية جديدة. المشهد السياسي العربي يتنوع، ويتم تحديد مستقبل المنطقة بأسرها حيث دمجت بعض هذه المجتمعات الأفكار والقيم الديمقراطية والغربية الوليدة. وفي الوقت نفسه، تتصاعد وتيرة الطائفية والأصولية الدينية في دول مثل العراق وسوريا. كل هذا يجري ربطه في كائن حي دينامي: الشرق الأوسط.

في أعقاب الربيع العربي، ضعفت الديمقراطية في المنطقة. «مؤشر الديمقراطية» لعام 2014، والذي نشرته صحيفة الإيكونوميست، يشير إلى أن «الشرق الأوسط سجل تحسنًا متواضعًا جدًّا في متوسط ​​درجاته الإقليمية بين عامي 2006 و 2014، ولكن من قواعد منخفضة جدًّا في الواقع، ضعفت الديمقراطية بين عامي 2013 و2014. لم تشهد أي منطقة في العالم المزيد من الاضطراب في السنوات الأخيرة».

ومع ذلك، أظهر الربيع العربي للعالم زيادة ملحوظة في عدد مواطني الدول العربية الذين عرفوا أنفسهم بأنهم مواطنون عالميون (global citizens) ممثلين بالمثقفين في المناطق الحضرية وشباب الإنترنت الأذكياء الذين قادوا حملات التواصل الاجتماعي البارعة في تنظيم الاحتجاجات، والنشر الدولي للمعلومات والتقاط الصور التي تُظهر القمع الحكومي.

ولكن «الربيع العربي» أدى إلى «الشتاء العربي»، مع العنف الذي ينتشر على نطاق واسع وعدم الاستقرار. تفاقمت الانفجارات العنيفة في ليبيا وسوريا واليمن، وأفضى الصراع الطائفي المستمر في العراق، خصوصًا مع صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، إلى تدهور المؤسسات الديمقراطية الوليدة. الحركات العالمية تتصارع مع الإسلاميين، من جهة، ومع الأنظمة العسكرية أو الملكية الديكتاتورية من جهة أخرى.

يمتلئ تاريخ التحول السياسي في الشرق الأوسط ببدايات خاطئة. يعتقد بعض المحللين السياسيين أنه بعد هذه الفترة المظلمة من الديكتاتورية والتطرف، فإن العالم العربي سيجد طريقًا جديدًا إلى الحداثة دون فرض أجنبي، بينما يعتقد البعض الآخر أن المنطقة يجب أن تتبنى وتتكيف مع النماذج الغربية.

إلزا معلوف، مؤلفة كتاب: صعود الديمقراطية الوظيفية ومستقبل الشرق الأوسط، كتبت تقول: «إن القيم والمثل العليا المجردة الغربية ليس لها أي اتصال في العالم الحقيقي للتاريخ والظروف المعيشية للناس في الشرق الأوسط، وبالتالي خلقت أشكال الخلل الوظيفي للحكم.»

علماء مثلها يعتقدون بأن الأنظمة الديمقراطية الناجحة لا يمكن أن تقوم على نظم القيم الغربية الغريبة. في المقابل، يجب أن تتجاوب مع السياقات الفكرية والاجتماعية الفريدة للدول العربية، وبالتالي قد تبدو مختلفة تمامًا. مؤسسات الفكر والرأي، ناهيك عن الحكومات والمنظمات غير الحكومية، غالبًا ما تتجاهل هذه الحجة عند اتخاذ التوصيات التي تطل على الظروف المعيشية والأعراف الاجتماعية التي تنتج القيم الاجتماعية. قد لا يبدو المستقبل مشرقًا ومبتهجًا على المدى القصير في المنطقة كما فعل ميدان التحرير في اليوم الذي تمت الإطاحة فيه بمبارك.

معلوف قالت بأن منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا مغمورة في ثلاث مراحل مختلفة. «القبلية الأرجوانية» مرحلة من مراحل التنمية، حيث كانت المجموعة أقوى من الفرد، واتخاذ القرارات الفردية قد يؤدي إلى الانتقام والإقصاء. و«الديكتاتوريات الحمراء» -مصر، في ظل الحكم العسكري، وسوريا، في ظل حكم جيل الأسد الثاني- حيث يرغب القادة في تحقيق المكاسب الشخصية، والقوة والهيمنة. و«المستوى الأزرق»، وتوصف أيضًا بـ«القوة الحقيقة»، التي نُظمت حول الاعتقاد المطلق في «الطريق الصحيح» الذي يتطلب طاعة السلطة، ممثلة في الشريعة الإسلامية.

هل من الممكن للعالم العربي أن يمضي قدمًا خلال هذه المراحل، وأن يحتضن نظاما سياسيا جديدا؟ فكرة هذا الكتاب هو أنه بعد عقود من بناء الهياكل الأرجوانية والحمراء والزرقاء، ثمة ثقافة جاهزة للانتقال إلى ما بعد إلى المستوى الرابع؛ مستوى فردي جديد وأكثر تعقيدًا، أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير، وفقا لمعلوف، مختلف تمامًا.

يجب أن تنشأ طرق جديدة لمعالجة تعقيدات الحياة. هل من الممكن للعالم العربي أن يطور النظام السياسي «الديمقراطي» دون أن يتحدى الشريعة الإسلامية أو القيم؟ فيليب دي ليبران، في كتابه “الإسلام أمام الديمقراطية”، يعلن أنه إذا كان نجاح الديمقراطية يعتمد على التعددية وتنوع الأفكار، والمناقشة، فإنه لا يمكن التوفيق بين الإسلام والديمقراطية. هو يعتقد بأن التحولات الانتقالية التي تحدثت عنها معلوف لا يمكن أن تحدث طالما كان الدين هو أساس الحكومة العربية والمجتمع، وذلك لأن التأثير الإسلامي القوي يدفع بالنقاش السياسي إلى الوقوع في فخ المغالطة المنطقية التي تُدعى الحِجاج بالسُلطة أو الاحتكام إلى السُلطة، وربط السلطة (وخصوصا الدينية) مع الحقيقة، الذي يبطل جهات النظر المتعارضة.

لم تجد التعددية الجذرية لها طريقًا في العالم الإسلامي المعاصر، وذلك بسبب الطابع الإسلامي لهذه الدول، وفقا لأفكار معلوف. ومع ذلك، وكما نرى في مصر وسوريا، توجد أيضًا العلمانية في الأشكال السلطوية للحكومة. والديكتاتوريات العلمانية أيضًا لا تسمح بالتعددية. بسبب طبيعتها المهيمنة، لا يوجد مكان للنقاش، ولا يمكن التعبير عن المعارضة إلا من خلال الانقلابات أو الثورات.

إن المستقبل السياسي للمنطقة غير واضح، لأنه يعتمد على تطور الأنظمة السياسية المختلفة. ما هي درجة العلمانية / والأسلمة التي ستسمح بها هذه المجتمعات؟ في مصر على سبيل المثال، كانت الحشود التي خرجت في ميدان التحرير وأطاحت بمحمد مرسي، كما يفترض، أكبر من تلك التي أطاحت بمبارك، وبالتالي، فربما تدرك جماعة الإخوان المسلمين أن قيمها لم تعد تخدم المصريين.

تونس، البلد الأكثر ميلًا في المنطقة نحو الديمقراطية، لا تسعى نحو الفهم التقليدي الغربي للديمقراطية المؤسسية. بدلًا من ذلك، تجمع بين عناصر من الدين والسياسة. هناك مقاومة للسياسات والمؤسسات التي تتبع النمط الغربي، والشريعة الإسلامية موجودة بقوة في البرلمان. مع الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي، أُعيد التيار الإسلامي إلى الحياة السياسية، وكان شائعًا بين عامة السكان.

ومع ذلك، لا تزال هناك أقلية علمانية قوية في تونس. باعتبارها مستعمرة فرنسية سابقة، تأثرت تونس وقادتها بشكل كبير بالعلمانية ويمكن رؤية عناصر صغيرة منها في الدستور المعتمد حديثًا عام 2014.

كان إنشاء الديمقراطية التمثيلية مع حرية الرأي والتعبير أحد الأهداف الرئيسية للثورات العربية. من الضروري تنفيذ نظام تعددي يمكن أن تنشأ من خلاله القيم العلمانية والإسلامية على حد سواء. كما أن تطوير النظام السياسي الذي يسمح بالمعارضة أو المنافسة بين الحكومة ومعارضيها هو الحال في الديمقراطيات ذات النمط الغربي.

لذلك، أي شكل من أشكال الحكم هو بمثابة النموذج الأفضل لإدارة تعقيدات الشرق الأوسط؟ كيف يمكن للعرب أن يخلقوا ديمقراطية على النمط العربي الذي هو أكثر ملاءمة بالنسبة لهم؟

في هذه الأثناء، في الشرق الأوسط، الإسلام يستكمل وجوه الفكر السياسي من قبل القادة الذين يتمتعون بالشعبية؛ مزيج من الأنظمة الديكتاتورية والزرقاء التي وصفناها آنفًا. في منطقة، حيث النظم السياسية هي جزء لا يتجزأ من العقليات القبلية والإقطاعية، كيف يمكن لنموذج سياسي جديد أن ينشأ ويكون دليلًا للمنطقة؟

إن النظام الديمقراطي الذي يطور التعددية، والمناقشات يمكن أن تبني قيمًا جديدة بالكاد على المدى القصير. عصر الديكتاتوريات وسيادة الدين هو فقط مرحلة التطوير في الرحلة نحو تشكيل نموذج سياسي جديد.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد