أعدَّ المؤلف الأمريكي فرانك جاكوبس تقريرًا نشره موقع «بيج ثينك» تناول فيه التعريفات المتفاوتة لمنطقة الشرق الأوسط على خريطة العالم خلال القرن الماضي.

إيران على الخريطة

يستهل الكاتب تقريره بالإشارة إلى أنه عندما دفع اغتيال أمريكا للجنرال الإيراني قاسم سليماني الدولتين إلى حافة الحرب في بداية يناير (كانون الثاني) الماضي، ظهر جليًّا أن معظم الأمريكيين لا يمكنهم تحديد موقع عدوهم الخارجي على خريطة العالم. وعندما طُلب من بعض الأمريكيين المشاركين في استطلاعٍ للرأي تحديد موقع إيران على خريطة غير واضحة المعالم، تمكَّن 28% فقط منهم من تحديد موقعها تحديدًا دقيقًا.

وبينما حدَّد عديدٌ منهم موقعها بالقرب من العراق المجاورة، أو كانوا قريبين من إيران، ابتعد كثيرٌ منهم جدًّا عن هدفهم المقصود. إذ كثيرًا ما حدَّدوا موقعها في منطقة البلقان وفي دول مختلفة في شمال أفريقيا، كما ذهبت بعض التخمينات إلى ما هو أبعد، حيث حدَّدوا موقعها في أيرلندا وسريلانكا.

يقول الكاتب إن هذا الاستطلاع أثبت أن عديدًا من الأمريكيين ليسوا على دراية بجغرافيا العالم. وأظهر مسح مماثل أُجري قبل بضع سنوات أن واحدًا من كل خمسة أمريكيين غير قادر على تحديد موقع الولايات المتحدة على خريطة العالم. وبينما يمثل هذا صدمة للذين يُقدِّرون قيمة محو الأمية الجغرافية، فمن غير المؤكد أن يُحقق مواطنو الدول الأخرى نِسبًا أفضل من التي حقَّقها الأمريكيون.

من السويس إلى سنغافورة عبر الخليج الفارسي

لفت الكاتب إلى أنه مع دراسة موقع إيران على الخريطة، طُرح سؤال أكثر أهمية بشأن المنطقة التي تقع فيها إيران: أين الشرق الأوسط؟ ويبدو هذا سؤالًا غريبًا بشأن منطقة صراعات سيطرت على عناوين الأخبار العالمية طوال القرن الماضي. لكن تعريفات «الشرق الأوسط» وحدوده متغيرة ومتطورة مع مرور الوقت كما تُوضح هذه الخرائط.

ويتضح من المصطلح نفسه، أن «الشرق الأوسط» يتوسط بين «الشرق الأدنى» و«الشرق الأقصى». لكن في هذه النقطة المفترضة توجد أوروبا، أو بريطانيا على وجه التحديد. وكان أول من صك مصطلح «الشرق الأوسط» في عام 1902 ألفريد ثاير ماهان ضابط بحري في القوات الأمريكية، وأصبح بعد تقاعده مؤرخًا للإستراتيجية البحرية، واكتسب شهرة عالمية بعد تأليفه كتاب «تأثير قوة البحر في التاريخ» (The Influence of Sea Power Upon History).

ويستطرد التقرير موضحًا أن ماهان استخدم مصطلح «الشرق الأوسط» في مقالٍ نشرته مجلة «ناشيونال ريفيو» بعنوان «الخليج الفارسي والعلاقات الدولية»، لتحديد منطقة تقع على طول الطريق البحري من السويس إلى سنغافورة وتشمل الخليج العربي. ووجد استخدام ماهان لمصطلح «الشرق الأوسط» انتشارًا واسعًا عندما التقطه الصحافي المخضرم فالنتين تشيرول، الذي كان يكتب لصحيفة «التايمز» البريطانية.

دولي

منذ سنة واحدة
«واشنطن بوست»: كيف تتلاعب «خرائط جوجل» بحدود العالم؟

وفي عام 1903، نشر تشيرول مقالًا بعنوان «مسألة الشرق الأوسط»، وحدَّده بأنه «المناطق التي تمتد من آسيا إلى الهند، ولذلك ترتبط بمشكلات السياسة الهندية، بالإضافة إلى الدفاع العسكري البريطاني»؛ وشواطئ الخليج العربي إلى جانب العراق وإيران وأفغانستان، وحتى التبت ونيبال وبوتان وكشمير.

حينما كانت كينيا في الشرق الأوسط

أفاد التقرير بأن الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية حاولت في عام 1920 ترميز المصطلح، مُحددةً البوسفور فاصلًا بين «الشرق الأدنى» (باللون الأزرق) و«الشرق الأوسط» (من تركيا إلى أفغانستان، ووصولًا إلى اليمن وما بينهما؛ باللون الأحمر). وفي السنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية، تصور سلاح الجو الملكي البريطاني أن «الشرق الأوسط» مكانًا مختلفًا تمامًا: كان الجسر البري من البحر الأبيض المتوسط ​​إلى المحيط الهندي الذي شكلته مصر والسودان وكينيا. وكانت كل الأراضي الواقعة تحت السيطرة البريطانية، تُوفر ممرًّا جويًّا آمنًا بين أوروبا وممتلكات بريطانيا في الشرق.

وبعد بضع سنوات وخلال الحرب العالمية الثانية، وسَّعت القيادة الجوية البريطانية في الشرق الأوسط تعريف المصطلح ليشمل جميع دول القرن الأفريقي وميناء عدن، والدول الممتدة من شرق البحر الأبيض المتوسط ​​إلى الهند، بالإضافة إلى ليبيا واليونان. وصحيحٌ أن هذا يتعارض مع التصور الحالي للشرق الأوسط، لكنه كان منطقيًّا من وجهة نظر إجرائية أثناء الحرب.

الشرق الأوسط وتعريفات متنوعة

نوَّه الكاتب إلى أن التعريف البريطاني الرسمي لـ«الشرق الأوسط» ضُبِط بحلول عام 1952، ومن وقتها فصاعدًا، أصبح التصور للمنطقة يُمثل منطقة متجاورة جغرافيًّا (إذا لم تكن متجانسة ثقافيًّا). وخرجت اليونان وكينيا. ودخلت دول شبه الجزيرة العربية (السعودية والكويت وقطر والبحرين وعمان واليمن) وأفغانستان. لاحظ أن قبرص موجودة هناك أيضًا، حيث كان (ولا يزال) لدى بريطانيا قاعدتان عسكريتان رئيستان في قبرص، والتي غالبًا ما استُخدِمتا لشن العمليات العسكرية البريطانية في المنطقة.

ويشير التقرير إلى أن المنظمات الدولية لديها تعريفات مختلفة لـ«الشرق الأوسط»، ويضرب بعض الأمثلة على ذلك من عام 2005: فضَّلت منظمة العمل الدولية تنسيق العمل بين مكاتبها الإقليمية في جميع القارات لمنع إضعاف معايير العمل الدولية بسبب «النزعة الإقليمية». ولكن في عام 1985، أنشأت منظمة العمل الدولية مكتبًا إقليميًّا للدول العربية يغطَّى الدول الموضحة على الخريطة أعلى اليسار (باللون الأصفر) بحلول عام 2005.

وما زالت هذه الدول تُعامل بوصفها جزءًا من القسم الآسيوي عند عقد المؤتمرات الإقليمية. وعلى نحو مماثل، تستبعد المنظمات الدولية إسرائيل في كثير من الأحيان من التجمع الإقليمي من أجل تجنب حدة الخلافات، وبدلًا من ذلك تُضاف إلى «أوروبا». ويُعد تعريف منظمة العمل الدولية لـ«الشرق الأوسط» أحد التعريفات الضيقة الحدود، نظرًا إلى استبعادها مصر وتركيا وإيران. لكنه أيضًا يُعد الأكثر انسجامًا؛ إذ إن هذا التعريف يتداخل تمامًا مع المناطق التي تُغطيها المنظمات الأخرى.

ويُضيف التقرير أن الدول ذات اللون الأزرق الداكن، في أعلى يمين الخريطة، تُعد جزءًا من منطقة «الشرق الأدنى» التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) عندما يتعلق الأمر بانتخابات المجالس، ويتسع تعريف المنظمة للمنطقة عندما يتعلق الأمر بأنشطتها ومشروعاتها، وتشمل في هذه الحالة أيضًا الدول ذات اللون الأزرق الفاتح (بما في ذلك باكستان وكازاخستان وتركيا وموريتانيا).

وفي عام 1957، استبدل البنك الدولي ثلاثة أقسام جديدة بإدارته الخاصة بآسيا والشرق الأوسط: الشرق الأقصى وجنوب آسيا والشرق الأوسط. وفي عام 1967، أُضِيف القسم الأخير إلى دول شمال أفريقيا، ما أدَّى إلى تكوين قسم (منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا). وفي عام 1968، اندمج قِسما منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مع أوروبا، ليعاد تقسيمها فحسب إلى أوروبا وآسيا الوسطى، وأصبحت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مرة أخرى ممتدة من المغرب إلى إيران، ومن سوريا إلى جيبوتي (الخريطة أسفل اليسار).

وفي عام 1948، أنشأت منظمة الصحة العالمية (WHO) «شرق البحر الأبيض المتوسط» بوصفها إحدى المناطق العالمية الست التابعة لها. وامتدت من اليونان شرقًا إلى باكستان (مع استبعاد أفغانستان) وجنوبًا إلى اليمن (ولا تشمل عُمان). وضمَّت في أفريقيا مصر ومنطقة طرابلس في ليبيا الحالية ودول القرن الأفريقي.

سياحة وسفر

منذ شهرين
مترجم: من اليمن إلى الجزائر.. 8 من أبرز مواقع التراث العالمي في الشرق الأوسط

وبحلول عام 2005 (كما هو موضح على الخريطة أسفل اليمين)، نُقلت اليونان وتركيا إلى «أوروبا»؛ ونقلت إثيوبيا وإريتريا والجزائر إلى «أفريقيا» في عام 1977. وفضَّل المغرب البقاء في «أوروبا»، ونُقل إلى «شرق البحر المتوسط» في عام 1986 فقط. وأُضيفت عمان وأفغانستان حاليًا إلى «شرق البحر المتوسط». وانضمت إسرائيل إلى منظمة الصحة العالمية في عام 1949، لكنها قوبلت بعدم التعاون معها في منطقة «شرق البحر المتوسط»، ونقلت إلى «أوروبا» في عام 1985.

عندما يصبح الشرق غربًا

وأبرز التقرير أنه بعدما أبعد البريطانيون مصطلح «الشرق الأدنى» إلى البلقان تمهيدًا لنسيانه، قرر الأمريكيون اعتماده في استخدامهم الرسمي. وفي عام 1944، كان مكتب شؤون الشرق الأدنى وأفريقيا التابع لوزارة الخارجية الأمريكية مكونًا من ثلاثة أقسام، وغطى قسم أفريقيا جميع أفريقيا، باستثناء الجزائر ومصر التي كانت جزءًا من قسم شؤون الشرق الأدنى، والذي يغطي جزءًا من اليونان وصولًا إلى تركيا والعراق، وشبه الجزيرة العربية بأسرها. وفي الشرق تقع المنطقة التي يغطيها قسم شؤون الشرق الأوسط: من إيران إلى بورما، وجميع ما بينهما.

وتابع التقرير موضحًا أن وزارة الخارجية الأمريكية أعادت في عام 1948 بعد استقلال الهند وباكستان تسمية القسم الذي يُغطي المنطقة من أفغانستان إلى بورما بقسم شؤون جنوب آسيا. ونُقلت السودان من قسم شؤون أفريقيا إلى الشرق الأدنى. وأصبحت اليونان وتركيا وإيران في قسم الشؤون اليونانية والتركية والإيرانية الجديد.

وفي عام 1992، قسَّمت وزارة الخارجية مكتب شؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا إلى قسمين. وأخرج المكتب الجديد لشؤون الشرق الأدنى السودان (عادت إلى أفريقيا)، لكنه استوعب إيران والدول المتبقية في شمال أفريقيا. ومن المُستغرَب إدراج المغرب في «الشرق الأدنى».

معاهد الدراسات والأبحاث العلمية

أوضح التقرير أن الدراسات والأبحاث العلمية في الولايات المتحدة التي تبحث عن ما يُشكِّل «الشرق الأوسط» تميل إلى أن تكون متطرفة، ولكنها تظهر اختلافات مثيرة للاهتمام. وتأسس معهد الشرق الأوسط عام 1946 في العاصمة واشنطن بهدف إثراء معرفة الأمريكيين بالشرق الأوسط، وتعزيز التفاهم بين الشعوب من كلا المنطقتين.

وفي العدد الأول من «ميدل إيست جورنال» (1947)، طبعت هذه الخريطة على أنها تعريفًا لـ«الشرق الأوسط». وكانت حدود أفريقيا فيها من المغرب إلى الصومال وجميع الدول الواقعة بينهما، بما فيها إثيوبيا. بينما كانت حدود الشرق الأوسط بداية من تركيا ووصولًا إلى شبه الجزيرة العربية، بما في ذلك دول القوقاز. وكانت الدول الأبعد من ناحية الشرق مثل إيران وأفغانستان وباكستان والهند وغيرها المناطق المتأثرة بالمسلمين في آسيا الوسطى آنذاك جزءًا من الاتحاد السوفيتي والصين.

وفي عام 2005، نشرت «ميدل إيست جورنال» هذه الخريطة المنقَّحة لـ«الشرق الأوسط»، وكانت حدود أفريقيا فيها تشمل موريتانيا (دون الصحراء الغربية التي يحتلها المغرب)، ولم تعد تضم إريتريا أو إثيوبيا أو الصومال. بينما ظلت جيبوتي الدولة الوحيدة في القرن الأفريقي على خريطة أفريقيا. وفي الشرق، استُبعِدت الهند (وبنجلاديش)، بالإضافة إلى المناطق الإسلامية في شرق الصين. وامتد «الشرق الأوسط» شمالًا ليشمل جميع دول آسيا الوسطى السوفيتية السابقة، ومنها كازاخستان، ما يعني أن الشرق الأوسط يمتد إلى خط العرض نفسه مثل كوبنهاجن.

وأفاد التقرير بأن الموقع الإلكتروني لمعهد الشرق الأوسط يُقدِّم نظرة مختلفة قليلًا: بإضافة الصحراء الغربية وإزالة جنوب السودان وجيبوتي وإزالة جمهوريات القوقاز، ومن الواضح إزالة دول آسيا الوسطى. وفي عام 1970، حدَّدت جمعية دراسات الشرق الأوسط في مجلتها الدولية منطقة اهتمامها الجغرافية لتشمل «دول العالم العربي من القرن السابع إلى العصور الحديثة». وتشمل أيضًا: الأراضي التي كانت «جزءًا من إمبراطوريات الشرق الأوسط أو كانت تحت تأثير حضارة الشرق الأوسط»، مثل شبه الجزيرة الإيبيرية، والبلقان، وحتى وسط أوكرانيا وجنوبها، ومنطقة القوقاز ومناطق مهمة من آسيا الوسطى وصولًا إلى باكستان. وفي عام 2000، حدَّثت جمعية دراسات الشرق الأوسط نطاقها الجغرافي، ووسعته إلى الجزء الشمالي من الهند.

الشاعرية تنتصر على السياسات

وفي ختام تقريره، أحاط الكاتب القراء بأنه باستثناء الصورة الأولى، أُخذت جميع الخرائط الموجودة في هذا المقال من سلسلة تغريدات لعمرو علي، أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية في القاهرة. ونشر أحدهم صورة تُجسد المنطقة بالضبط وهي عبارة عن سيدة عربية يجسد شعرها خريطة العالم العربي. وهكذا تنتصر شاعرية المكان على واقعية السياسات.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد