أعد الصحافي الإسرائيلي زفي بارئيل مقالًا نشره موقع «هآرتس»، يقول فيه إن الدور القتالي للولايات المتحدة في العراق انتهى رسميًّا في 31 ديسمبر (كانون الأول) المنصرم. بيد أنه في الواقع، قد انتهى يوم 9 من الشهر ذاته، حينما أعلنت الولايات المتحدة أن جميع قواتها القتالية قد غادرت. ولكن كما قال المتحدث باسم البنتاجون جون كيربي: «هذا تغيير في المهمة، وليس بالضرورة تغييرًا في الوضع القائم».

بعبارة أخرى، ستقوم القوات الأمريكية بدور مدربين ومستشارين في العراق، لكنها لن تشارك في القتال. وعلى عكس الانسحاب المتسرع من أفغانستان في أغسطس (آب) الماضي، فقد تم الخروج من العراق على نحو متماسك، تماشيًا مع القانون العراقي الذي يلزم الحكومة بإخراج القوات الأمريكية بحلول نهاية العام.

دولي

منذ 4 شهور
«ميدل إيست آي»: فرنسا تسعى لموطئ قدم لها في العراق بعد الانسحاب الأمريكي

يستدرك الكاتب أنه الآن، وبعد أن أكمل جو بايدن الانسحابات العسكرية وأتم عامه الأول رئيسًا، لم يعد الشرق الأوسط أهدأ، وبينما خمدت النيران التي خلفتها الحروب في أفغانستان والعراق، وتوقفت القوات الأمريكية عن إطلاق النار، إلا أن نقاط الاحتكاك ستبقى في العام الجديد، إلى جانب المتحورات الجديدة لفيروس كورونا. ويتوقع بارئيل أنه لا بد أن يحمل العام الجديد تغييرًا في الخريطة الإستراتيجية، بمجرد أن تكون واضحة ومقنعة، كما يتوقع أن تحل التحالفات المحلية محل التحالفات الدولية.

ويشير بارئيل إلى ملخص نهاية العام الذي تضمن دخول الحرب في اليمن عامها السابع، وصراعات السلطة في ليبيا، والاشتباكات في سوريا، وما وصفه بانهيار السودان، وعودة سيطرة طالبان على أفغانستان؛ وأزمة العراق، وانهيار لبنان. يضيف الكاتب أن هذا ليس سوى غيض من فيض، وفي كل هذه الأماكن، يمكن ملاحظة تراجع التدخل الدولي بوضوح، إذ ينكفئ الشرق الأوسط على نفسه ويبحث عن بديل للولايات المتحدة ويستعد لعودة إيران النشطة.

تغير نهج دول المنطقة تجاه إيران

ويرى بارئيل انعكاس هذا التغيير بالفعل في نهج الدول العربية تجاه إيران، مثل الاتفاقات التي وقعتها الإمارات مع طهران، بما في ذلك صفقة تمكن البضائع الإماراتية من المرور عبر إيران إلى تركيا وأوروبا. هذا المسار سيختصر الرحلة من حوالي 20 يومًا عبر قناة السويس إلى أسبوع.

Embed from Getty Images

ويشير الكاتب إلى زيارة مستشار الأمن القومي لدولة الإمارات، طحنون بن زايد، شقيق الحاكم الفعلي محمد بن زايد، إلى إيران، والتقارير عن زيارة مرتقبة لزعيم الإمارات هناك، معتبرًا أنها تكسر أحد المحرمات التي دامت خمس سنوات. حتى قبل ذلك، وقع البلدان اتفاقية لحماية الممرات الملاحية في الخليج العربي لمنع هجمات الحوثيين في اليمن على أهداف إماراتية.

تُظهر هذه التحركات أن الإمارات لم تعد تخشى العقوبات الأمريكية التي تحظر التعاون الاقتصادي والعسكري مع إيران. ولا يعتزم الإماراتيون التخلي عن علاقاتهم مع الولايات المتحدة، لكن تعليق واشنطن لبيع طائرات إف-35 المقاتلة أغضب أبو ظبي، التي صادقت في ديسمبر على شراء 80 طائرة مقاتلة من طراز رافال من فرنسا.

من جهتها، عقدت السعودية جولتين من المحادثات مع المسؤولين الإيرانيين في العراق، وعقدت مؤخرًا اجتماعًا آخر في عَمَّان، وقالت إيران إن هذه المفاوضات جزء من سياستها لإحياء العلاقات مع دول المنطقة، وإن للرياض وطهران مصلحة مشتركة في تحديد أسعار النفط ومشاركة عملائهما عندما تستأنف إيران الإنتاج الكامل.

خروج الولايات المتحدة من المعادلة

يؤكد بارئيل أنه كلما تطورت العلاقات بين دول الخليج وإيران، زادت فرصة إنهاء الحرب المأساوية في اليمن، حيث قتل أكثر من 100 ألف شخص.

وبحسب الكاتب، لم تعد الولايات المتحدة شريكًا نشطًا على هذه الجبهة، ولم يعد التحالف العربي الذي أسسه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عام 2015، الذي دعمته إدارة ترامب في جهودها لعرقلة النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، موجودًا، بيد أن الضغط الأمريكي والأوروبي على السعودية لإنهاء الحرب قد فشل، وسرعان ما انهارت المحادثات بين الحوثيين والسعوديين، وليس لدى واشنطن نفوذ لفرض وقف إطلاق النار، ناهيك عن حل سياسي. ويستنتج الكاتب بوضوح أنه بدون اتفاق بين السعودية وإيران، فإن هذه الحرب ستشغل المنطقة في العام الجديد أيضًا.

Embed from Getty Images

وينتقل الكاتب إلى الحرب الأهلية السورية، حيث يرى أن إنهاءها لا يعتمد على نفوذ الولايات المتحدة أو مشاركتها، بل ستكون روسيا اللاعب الرئيسي هناك أيضًا، على الأقل عسكريًا. كما لا يتوقع بارئيل أن تثمر جهود موسكو للتوصل إلى حل دبلوماسي بعد المحادثات بشأن سوريا في العاصمة الكازاخستانية.

يستدرك بارئيل أن هذا ليس فقط بسبب العداء بين الثوار والنظام، فالخلاف بين تركيا وروسيا بشكل رئيسي حول الأكراد السوريين هو أخطر خلاف يجب نزع فتيله، إذ إن البلدين لديهما العديد من المصالح الإستراتيجية والاقتصادية المشتركة، والقليل من الخلافات أيضًا.

على سبيل المثال، دعمت تركيا وقطر الحكومة الليبية المعترف بها، بينما لا تزال روسيا تدعم الجنرال خليفة حفتر. كما ساعدت تركيا أذربيجان ضد أرمينيا في حرب ناجورني كاراباخ عام 2020، بينما دعمت روسيا أرمينيا. وفي حين تريد روسيا من الأكراد السوريين المشاركة في المفاوضات حول مستقبل سوريا، بينما بالنسبة لتركيا، فإن ذلك يرقى إلى مستوى التفاوض مع جماعة «إرهابية».

أمريكا تراقب ولا تبالي

من المتوقع أن تواصل الولايات المتحدة مراقبة الوضع، فقد أدت دورها عندما فرضت في عام 2020 عقوبات على سوريا، لكنها الآن تغلق أعينها وتشجع مصر والأردن على إرسال الغاز والكهرباء إلى لبنان عبر سوريا، التي ستحصل على حوالي 8% من قيمة موارد الطاقة التي تمر عبر أراضيها إلى لبنان. والأهم من ذلك، أن سوريا، التي طُردت من جامعة الدول العربية، قد تعود في مارس (أذار) عندما تجتمع الجامعة في الجزائر.

دولي

منذ سنتين
مترجم: فرنسا تسعى إلى ملء الفراغ في الشرق الأوسط بعد الانسحاب الأمريكي

وقد أعادت عُمان والبحرين والسودان والإمارات بالفعل سفاراتها في دمشق، ومن المتوقع أيضًا أن تدعم مصر والأردن عودة سوريا إلى الصف العربي، ما سيمنح بشار الأسد الشرعية الإقليمية على الأقل. ويرى بارئيل أن سوريا مثال واضح على الطريقة التي تتحول بها الحرب الأهلية إلى صراع عسكري وسياسي دولي، حيث أصبح التمرد المدني حربًا بالوكالة ثم حملة تضم دولتين – تركيا وإيران – وقوة عظمى واحدة، هي روسيا.

يستدرك الكاتب موضحًا تلاشي الاهتمام الدولي بسوريا، ويتوقع بارئيل أنه إذا أعادت الدول العربية الأسد إلى الجامعة العربية، قد يتقلص الصراع في سوريا عام 2022 إلى صراع داخلي، كما هو الحال في السودان أو اليمن.

على مدى عقدين من الزمن، صيغت الإستراتيجية الأمريكية والعربية حول ثلاث نقاط احتكاك: حربا أفغانستان والعراق – حيث بقيت الولايات المتحدة لفترة طويلة – والحوار النووي مع إيران، وقد احتلت أمريكا أفغانستان عام 2001، والعراق عام 2003، وحظيت الحرب الأولى بدعم دولي بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، في حين استندت الثانية إلى فرضية خاطئة مفادها أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، وأن صدام حسين شريك لأسامة بن لادن.

ولكن حتى بعد إعدام صدام، وقتل بن لادن بعد ثماني سنوات، حاولت واشنطن تبرير استمرار تدخلها العسكري في هذين البلدين المسلمين، ويعلق الكاتب قائلًا إن رغبة واشنطن في تسويق الديمقراطية هناك كانت أحد أعمدة سياسة جورج دبليو بوش، وقد نقلها إلى خليفته باراك أوباما الذي تمكن من قتل بن لادن.

يضيف بارئيل أنه بحلول عام 2014، وبعد ثلاث سنوات من اغتيال بن لادن، وفرت الحرب ضد داعش آخر مبررات التدخل العسكري الأمريكي الهائل في العراق وسوريا. فحقيقة أن النظام السوري ذبح مئات الآلاف من شعبه في تلك السنوات لم تزعج الولايات المتحدة وبقية الغرب كثيرًا. فيما انشغلت واشنطن بالتفاوض بشأن الاتفاق النووي الإيراني، وكانت تخشى أن تؤدي ضربة قوية لنظام الأسد إلى إقناع إيران بتعليق المحادثات.

Embed from Getty Images

لم تبال الولايات المتحدة بما يحدث في سوريا، كما لو كان هذا نزاعًا داخليًا، مما ترك الباب مفتوحًا لروسيا، التي أصبحت المالك الفعلي لسوريا مع تركيا باعتبارها شريكًا ثانويًّا، بحسب بارئيل. وتكثفت الجهود الأمريكية والأوروبية للخروج من الشرق الأوسط النازف، التي بدأت في عهد ترامب، وتعاظمت مع بايدن، حيث أعادت واشنطن ضبط علاقاتها مع السعودية، ومع جميع دول الشرق الأوسط، بما في ذلك تركيا وإيران.

يضيف بارئيل أنه من المرجح استمرار العملية التي بدأت في عام 2021 خلال العامين التاليين: انسحاب الولايات المتحدة وأوروبا من الشرق الأوسط دون وجود قوة عظمى بديلة لتحل محلهما. وعلى الجانب الآخر، قد تكون روسيا راعيًا لسوريا، لكن الدول العربية لا ترى ذلك بديلًا. أما الصين، التي تستثمر مئات المليارات من الدولارات في بناء نفوذها في المنطقة، فهي حذرة من التدخل في النزاعات المحلية أو المشاركة في حروب المنطقة بالوكالة.

إن عملية تقسيم المنطقة إلى كتل موالية للغرب (أمريكية) ومعادية للغرب (روسية) آخذة في الانهيار، بحسب ما يختم الكاتب الإسرائيلي مقاله، مضيفًا أنه سيحل محلها تحالفات محلية صغيرة وأخرى قائمة على المصالح المحلية، التي قد تكون أكثر فاعلية في حل بعض الصراعات العنيفة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد